إنّ حاجة الإنسان الملحّة إلى النظام تُمليها طبيعة الحياة الإنسانية ذات الطابع الاجتماعي والمدني، وما تفرضه من مصالح متداخلة وتطلّعات متقاطعة ناتجة عن نزعة التدافع والتغالب الفطرية المتحكّمة بالإنسان، والتي هي بحقّ سرّ تميّزه ونجاحه وتطوّره نحو الأفضل، (...وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً)[1]، لكنّ هذه النزعة إن لم يُحسن الإنسان إدارتها وضبطها ستغدو عاملَ شرّ وعنصر خطر على الإنسانية برمّتها، والقانون وحده هو الذي يتكفّل ضبطها وتهذيبها، لأنه يضع القواعد التي من شأنها تنظيم الاختلافات وكبح جماح الغرائز وإدارة الحياة على أساس المصلحة العامة، ولذا لا يكاد يختلف اثنان في أصل الحاجة الملحّة إلى فكرة النظام والقانون، وإنما يختلف الناس في ما هو القانون الأمثل والنظام الأفضل.
في ضوء ما تقدّم، فإن المرجّح أن فكرة القانون والحاجة إلى النظام وجدت مع الإنسان مذ كان يعيش حياة البساطة في المجتمع البدائي، ومن ثمّ تبلورت وتطوّرت مع تطور الاجتماع الإنساني وتداخل المصالح وتعقيد الحياة وتعاقب الحضارات وتراكم الخبرات، إلى أن وصلت البشرية إلى مرحلة متقدمة من النضج في تقرير النظام الأمثل، على الرغم من أنّ المسألة لا تزال مشوبة بالكثير من الثغرات الفادحة، وخصوصاً لجهة التعسّف في التطبيق وازدواجية المعايير.
[1] سورة الحج: آية40.