حينما تظهر أمارات الخلاف وبوادر النشوز أو الشقاق فليس الطلاق أو التهديد به هو العلاج، إنّ أهمّ ما يُطلب في المعالجة هو الصبر، والتحمّل، ومعرفة الاختلاف في المدارك والعقول والتفاوت في الطباع، مع ضرورة التسامح والتغاضي عن كثير من الأمور، فقد لا تكون المصلحة والخير دائماً في ما يحبّ الإنسان ويشتهي، بل قد تكون المصلحة والخير على عكس ما يرغب أو يظنّ، يقول تعالى في محكم كتابه: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)[1].
لذا، ينبغي على كلا الزوجين أن ينظرا إلى الحياة الزوجية والخلافات الناجمة عنها نظرة واقعية بعيداً عن الأحلام والأماني الوردية، ويحاولا الاستفادة من هذه الخلافات للانطلاق في حوار هادئ وبنّاء يؤسّس لعلاقة وطيدة مع شريكه الآخر، ليكشف ما يجهله كلّ منهما عن الآخر، إذ غالباً ما تكون مشاكل كهذه عاملاً مهمّاً من عوامل الحوار والتفاهم، شرط أن يحسن الإنسان التعامل معها والاستفادة منها.
ومن الأساليب الإيجابية النافعة في حلّ الخلافات والمشاكل الأسريّة:
1. اَلتَّنَبُّهُ إِلَى طَرِيقَةِ اَلتَّكَلُّمِ:
لا شكّ أنّ الكلمات الحادّة، والعبارات العنيفة، لها صدى يتردّد باستمرار حتى بعد انتهاء الخلاف الذي عادة ما يُخلّف وراءه الجروح النفسية والعاطفية التي تتراكم في النفس شيئاً فشيئاً، وبخلاف ذلك الكلام الطيب الهادي الذي يضفي على المكان جواً من الطمأنينة والهدوء، فقد روي عن الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) أنّه قال في اللسان الذي لم يتقيّد بأوامر الشرع ونواهيه: (إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ شُؤْمٌ فَفِي اللِّسَانِ)[2]، وفي شأن الكلمة الطيبة وإشعار الزوج زوجته بالحب وإسماعها كلاماً جميلاً ورد عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (قَوْلُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ إِنِّي أُحِبُّكِ لَا يَذْهَبُ مِنْ قَلْبِهَا أَبَداً)[3]، إذن علينا الإكثار من الكلام الجميل المشعر بالحب والحنان ليضفي على جوّ الأسرة الهدوء ويربي الأبناء على هذا النحو من المعيشة، وتجنب الصياح والغضب والكلام الجارح.
وهذه ليست دعوة للصمت والسكوت؛ لأنّهما حلّ سلبي ومؤقّت لمعالجة الخلافات والمشاكل، إذ سرعان ما سوف يثور البركان مجدّداً عند دواعيه، وعند أدنى اصطدام، بل ينبغي الكلام وفتح باب الحديث والنقاش المتبادل بعد اختيار الزمان والمكان المناسبين، وبعد مراعاة الظروف المناسبة، والأهمّ من ذلك كلّه التنبّه لطريقة الكلام عند بدء الحديث، فلا يصدر منّا ما يؤذي الطرف الآخر أو يُسيء إليه، والأهمّ في هذا كلّه الابتعاد عن الغضب، وترك الجدال والمراء واللغو في الكلام؛ لأنّها تورث العداوة والبغضاء، ولا تحقّق الهدف المرجو من النقاش، روي عن الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله): (ثَلَاثٌ مَنْ لَقِيَ الله عَزَّ وجَلَّ بِهِنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ بَابٍ شَاءَ: مَنْ حَسُنَ خُلُقُه وخَشِيَ الله فِي الْمَغِيبِ والْمَحْضَرِ، وتَرَكَ الْمِرَاءَ وإِنْ كَانَ مُحِقّاً)[4].
وذُكِر الغضب عند الإمام أبي جعفر(عليه السلام) فقال: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْضَبُ فَمَا يَرْضَى أَبَداً حَتَّى يَدْخُلَ النَّارَ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ غَضِبَ عَلَى قَوْمٍ وهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ مِنْ فَوْرِه ذَلِكَ؛ فَإِنَّه سَيَذْهَبُ عَنْه رِجْزُ الشَّيْطَانِ، وأَيُّمَا رَجُلٍ غَضِبَ عَلَى ذِي رَحِمَ فَلْيَدْنُ مِنْه فَلْيَمَسَّه فَإِنَّ الرَّحِمَ إِذَا مُسَّتْ سَكَنَتْ)[5].
2. اَلِابْتِعَادُ عَنِ اَلْأَسَالِيبِ غَيْرِ اَلْمُجْدِيَةِ:
ينبغي الابتعاد عن الأساليب التي قد ينتصر بها أحد الطرفين على الآخر، لكنّها في المقابل تعمّق الخلاف بينهما وتجذّره؛ كأساليب التهكّم والسخرية، أو الإنكار والرفض، أو السباب والشتائم. قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في وصيّته لمحمد بن الحنفية في مداراة المرأة: (إِنَّ المَرأَةَ رَيحانَةٌ ولَيسَت بِقَهرَمانَةٍ، فَدارِها عَلى كُلِّ حالٍ، وأحسِنِ الصُّحبَةَ لَها؛ فَيَصفُوَ عَيْشُكَ)[6]، وعن الإمام الصادق(عليه السلام): (إِنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَتَى النَّبِيَّ(صلى الله عليه وآله) فَقَالَ أَوْصِنِي، فَكَانَ فِيمَا أَوْصَاه أَنْ قَالَ: لَا تَسُبُّوا النَّاسَ، فَتَكْتَسِبُوا الْعَدَاوَةَ بَيْنَهُمْ)[7].
3. عَدَمُ اِتِّخَاذِ اَلْقَرَارِ إِلَّا بَعْدَ دِرَاسَتِهِ:
فلا يصلح أن يقول الزوج في أمر من الأمور «لا»، أو «نعم»، ثمّ بعد الإلحاح عليه يغيّر قراره، أو أنّه يعرف خطأ قراره فيلجأ إلى اللجاجة والمخاصمة، فمثل هذه الأساليب تُفقِد كلاً من الزوجين المصداقية والهيبة وحسن الظنّ بالآخر وبقراراته، لذا ينبغي قبل اتّخاذ أيّ قرار أو موقف تقييمه ودراسته بشكل جيّد، وذلك ممكن عبر اتّباع مجموعة من الخطوات أهمّها:
• تفهّم حقيقة الأمر، هل هو خلاف عميقٌ أم أنّه سوءُ فهمٍ فقط؟ فالتعبير عن حقيقة مقصد كلِّ طرف وعمَّا يزعجه أو يؤذيه بشكل واضح ومباشر، يساعدُ كثيراً على إزالة سوء الفهم، فربما لم يكن هناك خلاف حقيقي، وإنّما مجرّد سوء في الفهم يمكن تجاوزه بإشارة أو توضيح بسيط.
• الرجوع إلى النفس ومحاسبتها ومعرفة تقصيرها، فقد يكون أصل المشكلة سببه ذنب أو معصية وتجاوز الحدود الإلهية التي نصّ عليها الشرع الأقدس، ثمّ انعكس في العلاقة مع الشريك، والحلّ عندها يكمن في الإنابة والتوبة إلى الله تعالى وطلب المسامحة، ثمّ طلب المسامحة من الشريك.
• تطويق الخلاف وحصره من أن ينتشر بين الناس أو يخرج عن حدود أصحاب الشأن، فقد روي عن الرسول(صلى الله عليه وآله): (استَعِينُوا على قضاء حوائجكم بالكتمان)[8]، وفي لفظ آخر عنه(صلى الله عليه وآله): (استَعِينُوا على الحَوَائجِ بالكِتْمان)[9].
• تحديد موضع النزاع والتركيز عليه، وعدم الخروج عنه بذكر أخطاء أو تجاوزات سابقة، أو فتح ملفّات قديمة؛ ففي هذا توسيع لنطاق الخلاف.
• أن يتحدّث كلّ واحد منهما عن المشكلة حسب فهمه لها، ولا يجعل فهمه صواباً غير قابل للخطأ، أو أنّه حقيقة مسلّمة لا تقبل الحوار ولا النقاش، فإنّ هذا قاتل للحلّ في مهده.
• عند بدء الحوار يستحسن ذكر نقاط الاتّفاق، فطرح الحسنات والإيجابيات والفضائل عند النقاش ممّا يرقّق القلب، ويُبعد الشيطان، ويُقرّب وجهات النظر، ويُيسّر التنازل عن كثير ممّا في النفوس، قال تعالى: (وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[10]، وخصوصاً الزوجة إذا كانت ليّنة الجانب، فالزوج سرعان ما يفيء إلى لطفها، وقد ورد في الروايات عن الصفات المرغوبة في المرأة قول الإمام الرضا(عليه السلام): (أَنَّ كِبَرَ الدَّارِ مِنَ السَّعَادَةِ، وَكَثْرَةَ الْمُحِبِّينَ مِنَ السَّعَادَةِ، وَمُوَافَقَةَ الزَّوْجَةِ كَمَالُ السُّرُورِ)[11].
• جرّ النزاع إلى منطقة العفو والتسامح، فمعظم الأخطاء التي تحصل في الحياة الزوجيَّة هي أخطاء يمكن التعامل معها، بل وتصحيحها، بل قد ينجح الزوج أو الزوجة في تحويل الطرف الآخر من شخص شرّير إلى ملاك إن استطاع أن يستخدم كيمياء المحبّة المناسبة، وبوابة هذا الأمر، ترك العتاب والتذكير بالعيوب، فقد روي عن الرسول(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: (مَا سُئِلَ عَنْ شَيْءِ قِطٍّ فَقَالَ لَا ، وَلَا عَاتِب أَحَدًا عَلَى ذَنْبٍ أَذْنَبَهُ)[12].
ومن المهمّ أن يبادر أحد الطرفين بسرعة إلى التحرّك بلطف ومحبّة، والإصرار على طي صفحة الخلاف، فعن الإمام الصادق(عليه السلام) أنه قال: (خير نسائكم التي إن غضبت أو أُغضبت قالت لزوجها: يَدِي فِي يَدِكَ لَا أَكْتَحِلُ بِغْمِضْ حَتَّى تَرْضَى عَنِّي)[13].
عَدَم مُقَابَلَةِ اَلْأَذَى بِمِثْلِهِ:
من أجل التغلّب على المشاكل المعكّرة لصفو المودة والوئام، يستحب للزوجة أن تصبر على أذى الزوج، فلا تقابل الأذى بالأذى والإساءة بالإساءة؛ لأنّ ذلك من شأنه أن يغمر أجواء الأسرة بالتوترات الدائمة والمشاكل التي لا تنقضي، والصبر هو الأسلوب القادر على إيصال العلاقات إلى الانسجام التام بعودة الزوج إلى سلوكه المنطقي الهادىء، فلا يبقى له مبرر للإصرار على سلوكه غير المقبول، قال الإمام الباقر(عليه السلام): (وَجِهَادَ اَلْمَرْأَةِ أَنْ تَصْبِرَ عَلَى مَا تَرَى مِنْ أَذَى زَوْجِهَا وَغَيْرَتِهِ)[14].
* البدء بنية طيبة لحسم هذه المسالة إذا كان الطرفان يملكان هذه النية الطيبة وخطة للتشاور معا، فمن الأرجح أنه سيكون هناك حل ناجح.
* تذكر أنه دائماً هناك طرفان لأي نقاش، فإذا اختار احدهما عدم النقاش، فلا يوجد نقاش أصلا، وعلى العموم فإن الطرف الخاطئ هو الذي يتكلم أكثر عادة.
* كلا الزوجين لا ينبغي أن يغضبا في نفس الوقت، فإذا كان أحدهما مُحبَطاً، فمن الأفضل أن يحاول الآخر التزام الهدوء.
* لا ينبغي للزوجين الصراخ كما لو أن هناك حريقاً في المنزل، وبطبيعة الحال فإن الحرائق لا تحدث دائما، لذا يجب على الطرفين التحدث بنفس معدل الصوت الطبيعي ومحاولة عدم الصراخ.
* لا تذهبا للنوم عند عدم التوصل إلى حلّ منطقي لنقاش معين، إن هذا من أسوء الأمور الذي قد تحدث في الزواج وينبغي تجنبه قدر الإمكان، كما أن هذا قد يؤذي مشاعر الطرفين، وبشكل عام فإنه يسبب في تفاقم المشكلة وليس حلّها.
* إذا كان أحد الزوجين بحاجة إلى الفوز، فليكن شريكك، لا تركّز على أن تكون أنت الفائز فإن هذا هو السبب الرئيس في جعل المناقشات ساخنة.
[1] سورة النساء: آية19.
[2] الكافي، الشيخ الكليني: ج2، ص116.
[3] المصدر السابق: ج5، ص569.
[4] الكافي، الشيخ الكليني: ج2، ص300.
[5] المصدر السابق: ج2، ص302.
[6] الكافي، الشيخ الكليني: ج5، ص510.
[7] المصدر السابق: ج2، ص360.
[8] تحف العقول، ابن شعبة الحراني: ص48.
[9] عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الإحسائي: ج1، ص285.
[10] سورة البقرة: آية237.
[11] مستدرك الوسائل، الميرزا النوري: ج3، ص451.
[12] بحار الأنوار، العلامة المجلسي: ج76، ص303.
[13] مكارم الأخلاق، الشيخ الطبرسي: ص200.
[14] من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق: ج3، ص 277.