100%

العبادات الدينية وحفظ النظام:

إذا كان فقه المعاملات - بما يتضمّن من فقه العلاقات العامة والأنشطة التجارية وغيرها - يرتكز على مبدأ حفظ النظام، ولولا هذا المبدأ لأمكن شطب هذا الفقه برمّته من التداول، فإنّ فقه العبادات لا يبتعد عن هذا المنحى كثيراً؛ لأنّ العبادة وإن كانت ترمي في بُعدها المباشر والرئيسي إلى ربط الإنسان بخالقه وتقريبه منه، لكنّ لها ـ بكل تأكيد ـ أبعاداً نظامية اجتماعية وتربوية، فالصلاة في الوقت الذي تمثل فيه حالة عروج روحي إلى الله فهي تسهم في إيجاد ضابط أخلاقي عند المصلّي يمنعه من الاعتداء على حقوق الآخرين (إنّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)[1]، والصوم أيضاً له بُعد اجتماعي جليّ فهو يسهم في تنمية الأحاسيس الاجتماعية والإنسانية لدى الصائم، أما الزكاة والخمس والصدقة - وهي عبادات مالية - فإنّ وظيفتها الاجتماعية ومساهمتها في حفظ النظام العام للأمّة بادية للعيان ولا تحتاج إلى برهنة واستدلال.

ولو خرجنا عن الإطار الضيّق لمعنى العبادة وأخذناها بمفهومها الواسع الذي يشمل العبادات المرسومة والمعروفة وكلّ عمل إنساني يهدف إلى مساعدة الآخرين والتخفيف من آلامهم، حتى أن لين الكلام وإفشاء السلام وارشاد الضالّ وإزالة الحجر عن الطريق هي أعمال عبادية كما تنصّ عليه المأثورات الدينية، إنه وبملاحظة ذلك ستغدو العلاقة وطيدةً بين العبادة وبين حفظ النظام وحمايته، وبذلك تخرج العبادة عن كونها مجرّد طقس بعيدة عن واقع الإنسان وآلامه وآماله وتطلّعاته.

وهكذا يتضح أن حفظ النظام، كما أنه فعل عبادي في نفسه، هو في الوقت عينه هدف ومقصد لكلّ العبادات، بل هو مقصد لسائر التشريعات الإسلامية.

 

[1] سورة العنكبوت: آية45.