100%
لسانُ الأُمة

أثر أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في تأسيس قواعد اللغة

د. عمار حسن عبد الزهرة

وزارة التربية/ المديرية العامة للتربية في كربلاء

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 201 – الصفحة (58)

 

 

بدأت اللبنات الأولى في التخطيط اللغوي وسياسة حفظ اللغة العربية منذ العصور الأولى للإسلام، وكان الرائد في ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فهو أوَّل من أصَّل لعلوم اللغة العربية، وشقَّ الدرس في مناهجها، وكان أعلم النَّاس بفنون الحديث، وأبصرهم بأساليبه، وممَّن نصَّ على ذلك جلال الدِّين السُّيُوطيّ(ت911هـ) بقوله: ((ثُمَّ كانَ أوَّلَ من رَسمَ للنَّاس النَّحوَ أبو الأسودِ الدُّؤلي، وكانَ أبو الأسودِ أخذَ ذلك عن أميرِ المؤمنينَ عليِّ بنِ أبي طالب (رضي الله عنه)، وكانَ أعلمَ النَّاس بكلامِ العربِ، وزعموا أنَّه كانَ يُجيبُ في كلِّ لغةٍ))(1). وكيف لا يكون كذلك وهو القائل: ((وإِنَّا لَأُمَرَاءُ اَلْكَلاَمِ وفِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ وعَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ غُصُونُهُ))(2).

 

واضع علم النحو:

وهذا الأمر لم ينفرد به السيوطي، وإنَّما نُصَّ عليه منذ زمنٍ مبكِّر، فهذا الزَّجّاجيّ(ت337هـ) ينصُّ على أنَّ أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) هو أوَّل من وضع علم النحو وأسَّس له: ((عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ(ت69هـ)، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، فَرَأَيْتُهُ مُطْرِقًا مُتَفَكِّرًا، فَقُلْتُ: فِيمَ تُفَكِّرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: "إِنِّي سمعتُ بِبَلَدِكُمْ هُنَا لَحْنًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَصْنَعَ كِتَابًا فِي أُصُولِ الْعَرَبِيَّةِ"، فَقُلْتُ: إِنْ فَعَلْتَ هَذَا أَحْيَيْتَنَا وَبَقِيتَ فِينَا هَذِهِ اللُّغَةُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بَعْدَ ثَلاثٍ فَأَلْقَى لِي صَحِيفَةً فِيهَا: بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْكَلامُ كُلُّهُ اسْمٌ، وَفِعْلٌ، وَحَرْفٌ، فَالاسْمُ: مَا أنبأ عَنِ الْمُسَمَّى، وَالْفِعْلُ مَا أنبأ عَنْ حَرَكَةِ الْمُسَمَّى، وَالْحَرْفُ مَا أنبأ عَنْ مَعْنًى لَيْسَ بِاسْمٍ وَلا فِعْلٍ))(3).

وهذا الأمر متواتر قد نصَّ عليه كثير من العلماء(4). هذا بالنسبة للنحو، وأمَّا الصرف - وهو قرين النحو في العربية، إذ يُعدُّ قسيمًا للنحو لا فرعًا منه(5) - فهو كذلك من ابتكارات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)(6).

ولذلك لا نرى عجبًا من جنوح معظم علماء العربية إلى كلام أمير البيان وإمام الخطابة علي بن أبي طالب (عليه السلام)، في التأسيس لقواعدهم، أو للاستشهاد عليها، فكلام الإمام بعد كلام الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله).

سنعمد في هذه العجالة إلى ذكر بعض من المواضع، التي استند فيها علماء العربية إلى كلام مولى الموحدين في التأسيس لقواعدهم ضمن مستويات اللغة، وسنستحضر بعض الأمثلة الدَّالة على ذلك

أوَّلًا/ المستوى النحوي:

ومن النصوص التي وردت في هذا الصدد ما استشهد به الرضي الاسترابادي (ت686ه‍) في قوله: ((حذف الخبر في مثل هذا غالب لا واجب، وهذا رأي التزمه الكوفيون فيما بعد، أي: إذا ولّي معطوفًا على مبتدأ فعل لأحدهما واقع على الآخر جاز أن يكون ذلك الفعل خبرًا سواء دلّ ذلك الفعل على التفاعل أو لا نحو قوله: "زيد والريح يباريهما" فيباريها خبر عنهما، وفي نهج البلاغة (أَنْتُم والساعة في قرَنٍ واحدٍ)(7)، ومثل ذلك أيضًا قول الإمام علي (عليه السلام): ((فهم والجَنة كمن قد رآها))(8).

وفي هذا النَّص استشهد الرضي الاسترابادي على ظاهرة حذف الخبر وجوبًا إذا جاء بعد المبتدأ "واوًا"، واستشهدوا لذلك بقولهم: "كلُّ رجلٍ مع ضيعته" وفي تفسير ذلك ذهب البصريون إلى اعتماد حذف الخبر وجوبًا والتقدير عندهم: "كلُّ رجلٍ وضيعتُهُ مقترنان" ويقدر الخبر بعد واو المعية، في حين خالفهم الكوفيُّون فأعربوا إلى أن "وضيعتُهُ" خبر المبتدأ؛ وذلك بالنظر إلى الواو على أنَّها بمعنى (مع) فيكون المعنى عندهم "كلُّ رجلٍ مع ضيعته"(9).

ومن الاستشهادات الأخرى ما أورده الرضيُّ أيضًا بقوله: (وبعض النحاة لا يشترط تشاركهما في الفاعل، وهو الذي يقوى في ظنِّي، وإن كان الأغلب هو الأول، والدليل على جواز التشارك قول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في نهج البلاغة: "فأعْطاهُ اللهُ النَّظرَة استِحقاقًا للسُّخطَةِ وإستِتْمامًا لِلبَليّةِ"، والمستحق للسُّخطةِ إبليس والمعطي للنَّظرَةِ هو الله تعالى، فلا يكون استحقاقًا حالًا من المفعول؛ لأنَّ استتمامًا يكون حالًا من الفاعل)(10).

أورد الاسترابادي هذا الاستشهاد في بحثه للمفعول له، الذي ذهب جمهور النحويين إلى وجوب مشاركته عامله في الوقت والفاعل، بخلاف بعضهم الذين لم يشترطوا ذلك(11).

ومن ذلك أيضًا ما أورده الرضي الاسترابادي في استشهاده بقول أمير المؤمنين (عليه السلام)، في بحثه عن (إذ ) و(إذا) المستعملتين في المفاجأة عند ورودهما في جواب (بينا) و(بينما)، وذلك في قوله: ((ولا يجيء بعد (إذ) المفاجأة إلَّا الفعل الماضي وبعد (إذا) المفاجأة إلَّا الاسمية، وكان الأصمعي لا يستفصح إلَّا تركهما في جواب (بينا وبينما)؛ لكثرة مجيء جوابهما من دونهما والكثرة لا تدل على أنَّ المكثور غير فصيح؛ بل تدل على أنَّ الأكثر أفصح، ألا ترى إلى قول أمير المؤمنين علي، (عليه السلام) وهو من الفصاحة، بحيث هو (بَيْنَا هو يَسْتَقِيلها في حَيَاتِهِ، إذ عَقَدَها لآخر بَعْدَ وفَاتِهِ)(12).

ومن تلك الشواهد ما استشهد به رضيّ الدِّين الاسترباديّ (ت: 686هـ) في الكافية بقوله: (ولا ريبَ في أنَّ التَّمييزَ في: نِعْمَ، ومَا بعدَه: عن المفردِ، وهو الضَّمير، وأمَّا فيما قبله، أعني من ياله، إلى ويله؛ فينتظر، فإنْ كان الضَّميرُ فيها مُبهمًا لا يُعْرَفُ المَقصودُ منه فالتَّمييز عن المفرد أيضًا كقوله (كرَّمَ الله وجهه) في نهج البلاغة: "يَا لَهُ مَرَامًا مَا أَبْعَدَهُ)(13).

ومن الشواهد أيضًا على أهمية كلام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في التأسيس للقواعد النحوية ما ذهب إليه ابن عقيل(ت769هـ) في إجازة الفصل بالنداء بين فعل التعجب والفاعل، وذلك في قوله: ((وقول عليٍّ (كرَّم الله وجهه) وقد مرَّ بعمَّارٍ فمسحَ التُّرابَ عن وجهه: (أَعْزِزْ عليَّ أبا اليقظان، أَنْ أراكَ صريعًا مُجَدَّلًا)(14).

ثانيًا/ المستوى الصرفي:

أخذ كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) مساحةً واسعةً على المستوى الصرفي؛ لما يمثِّل من مستوًى أعلى في الفصاحة والبلاغة والسعة في الاستعمال على نحوٍ من البلاغة وعلوِّ البيان، ولذلك صار كلامه(عليه السلام) ميدانًا رحبًا للاستشهاد في المستوى الصرفي، وممَّا جاء في ذلك استشهادهم في بيان المصدر (فعلان)، وذلك قوله (عليه السلام): (فسكنت من المَيَدان لِرُسُوب الجبال)(15)، فالمَيَدان مصدر مادَ يَمِيدُ وهو بمعنى الاضطراب(16)، ومنه استشهادهم في بيان مصدر (إفعال)، وذلك قوله (عليه السلام): (أوطأكم إثْخَانُ الجِراحة)(17)، فإثْخَان مصدر للفعل الثلاثي المزيد بهمزة قطع (أثخن) والإثخان في كلِّ شيء قوَّتُه وشدَّتُه(18).

ومنه أيضًا استشهادهم بأقواله في بيان التصغير، ومنه قوله (عليه السلام): (فَبَعث من اليمنِ بذُهَيْبة)(19)، وذهيبة (تصغير ذَهَب وأدخل الهاء فيها، لأنَّ الذَّهَب يُؤَنَّث والمُؤنث الثُّلاثِي إذا صُغِّر الحق في تصغيرهُ الهاءُ نحو قُوَيَسَة وشُمَيسَة. وقيل هو تصغيرُ ذَهَبة، على نيَّة القطعة، فصغَّرها على لفظها والجمع الأذهاب والذّهوب)(20).

ومنه أيضًا استشهادهم في أقواله في المنسوب، وممَّا جاء منه قوله (عليه السلام): (الناسُ ثلاثة: عالِم ربّاني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كلِّ ناعق)(21)، وبيان ذلك: (الربّانيّ منسوب إلى الرّب، بزيادة الألف والنّون للمبالغة، وقيل هو من الرب بمعنى التربية، كانوا يربون المُتَعَلِّمين بِصغار العُلوم قبل كبارها، والرَّبَّانيُّ العالم الراسخ في العِلم والدين، أَو الذي يَطْلُب بعلْمِه وجه اللهِ وقيل العالِم العامِل المُعلِّم)(22).

ومن ذلك ما استدلَّ به ابنُ جنِّيّ في دراسته للاشتقاق الأكبر عندما تناول تقليبات مادة (ج ب ر) التي انتهى فيها إلى أنَّها تدلُّ على القوة والشدَّة، واستدلَّ على ذلك بقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وذلك بقوله: (ومنه قول عليٍّ صلوات اللّه عليه: إِلَى اللَّهِ أَشْتَكِي عُجَرِي وبُجَرِي، تأويلُه همومي وأحزاني، وطريقُهُ أنَّ العُجرةَ كلُّ عقدةٍ في الجسدِ فإذا كانت في البطنِ والسّرةِ غلظتْ ونتأتْ فاشتدَّ مسُّها وأمرُها)(23).

ومنه أيضًا ما استدلَّ به محمَّد بن الحسن الصَّائغ، في باب التعجّب، وذلك في جواز حذف المُتعَجَّب منه إذا دلَّ عليه دليل، وقد استشهد لذلك ببيت من الشعر نُسِب للإمام علي (عليه السلام) يمدح فيه ربيعة، وذلك قوله: ((وأمَّا نحو (أَفْعِل به)؛ فلا يُحْذَف منه المُتعَجَّب منه إلَّا إذا دلَّ على المُتعجَّب منه دليلٌ، وكان المعنى واضحًا عند الحذف؛ ومنه قول عليِّ بن أبي طالب (رضي الله عنه):

جَزَى اللهُ عنِّي والجزاءُ بلُطفِهِ        ربيعةَ خيرًا: ما أعفَّ! وأكرمَا!))(24).

هذه بعض الإشارات التي تدلُّ دلالة واضحة على أهميَّة كلام أمير المؤمنين علي(عليه السلام) في التأسيس للقواعد النحويَّة والصرفيَّة؛ إذ جعل منه العلماء مصدرًا ينهلون من معينه الصافي، فهو إمام البلاغة والفصاحة وأعلم أهل زمانه بالعربية كما سبقت الإشارة إلى ذلك. وأخيرًا أذكر قول الجاحظ في بيان أهميَّة كلام أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وذلك في تعليقه حول حكمة من حكمه (عليه السلام) وهي: (قيمة كلّ امرئ ما يحسن )، قال الجاحظ (ت: 255 هـ) عنها: (فلو لم نقف في هذا الكتاب إّلا على هذه الكلمة لوجدناها كافية شافية، ومجزية مغنية، بل لوجدناها فاضلة عن الكفاية، وغير مقصرة عن الغاية، وأحسن الكلام ما كان قليله يغني عن كثيره، وكأن الله تعالى قد ألبسه من الجلالة وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبه، وتقوى قائله، فإذا كان المعنى شريفًا، واللفظ بليغًا، وكان صحيح الطبع بعيداً من الاستكراه، ومنزها عن الإخلال مصونًا عن التكلف، صنع في القلب صنيع الغيث في التربة الكريمة)(25).

 

-------------------------

1.الاسيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها: 2/341.

2.شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: 13/12.

3.الأمالي، الزجاجي: 288.

4.ظ: ابن الأنباري، إيضاح الوقف والابتداء،: 1/43، ظ: عبد الرزاق بن فراج الصاعدي، أصول علم العربية في المدينة،: 1/299.

5.هاشم طه شلاش، المهذب في علم التصريف: 12.

6.أحمد الحملاوي، شذا العرف في فن الصرف: 11.

7.شرح الرضّي على كافية ابن الحاجب: 1/ 279

8.المصدر نفسه: 1/ 280.

9.ينظر: شرح ابن عقيل: 1/235.

10.شرح الرضّي على كافية ابن الحاجب: 2/34.

11.ظ: شرح ابن عقيل: 2/303.

12.شرح الرضّي على كافية ابن الحاجب: 4/139.

13.شرح الكافية: 2/60.

14.شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك: 3/157.

15.النهاية في غريب الحديث والأثر: 4/828، ولسان العرب: 3/411 مادة (ميد).

16.ظ: النهاية في غريب الحديث والأثر: 4/828، ولسان العرب: 3/411 مادة (ميد).

17.النهاية في غريب الحديث والأثر: 1/589، ولسان العرب: 13/77 مادة (ثخن).

18.ظ: النهاية في غريب الحديث والأثر: 1/589، ولسان العرب: 13/77 مادة (ثخن).

19.النهاية في غريب الحديث والأثر: 2/431، ولسان العرب: 1/393 مادة (ذهب).

20.النهاية في غريب الحديث والأثر: 2/431، ولسان العرب: 1/393 مادة (ذهب).

21.تهذيب اللغة: 2/264، مادة (همج)، والنهاية في غريب الحديث والأثر: 5/633.

22.النهاية في غريب الحديث والأثر: 5/633، ومنهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: 4/3.

23.الخصائص، لابن جني: 2/396.

24.اللمحة في شرح الملحة: 1/512، ظ: توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك: 2/889.

25.البيان والتبيين، الجاحظ: 1/58.