100%
الشرق والغرب

المؤمنون في بلاد الغرب: حوار حول الهجرة(الحلقة الثانية)

محمّد علي بردى

لبنان

المصدر: مجلة الولاية – العدد 201 – الصفحة (93)

 

 

حاول بعض المبلغين في الغرب أن يعالج قضية الهجرة في أحدى محاضراته، ولقد لخصناها بست نقاط وهي ما نريد ان نتطرق اليه الآن:

* لم يعد هناك معنى للحديث عن هجرة معاكسة إلى البلاد الأصليّة، بعد أن أصبح للمؤمنين في الغرب هويّة وطنيّة جديدة.

وفيه: إنّ الموضوع الأساس هو حكم الإقامة في بلاد الشّرك، مع عدم القدرة على إقامة الدّين وإظهار شعائره. فليس الإشكال على الهويّة الوطنيّة في حدّ ذاتها، حتى يُقال بأنّه لم يعد هناك معنى للحديث عن هجرة معاكسة إلى البلاد الأصليّة، لا سيّما أنّ البديل المطروح ليس البلاد الأصليّة بالضّرورة، بل المناط على تمكُّن المكلّف من إقامة دينه وإظهار شعائره ونحو ذلك. ومن ثَمّ ليس الكلام في الهويّة الوطنيّة وإنّما على ما يترتّب عليها من قيود خارجيّة للعباد في مقام إقامة شعائرهم الدّينيّة، فإن كان مقتضى الانتماء الوطنيّ أن يقع الإنسان في اللّامبالاة تجاه الأحكام الشّرعيّة والمعارف الدّينيّة، بحيث يغلب عليه وعلى أولاده طابع ثقافيّ وايديولوجيّ يمنع من العمل بالواجبات وترك المحرّمات فإنّ مثل هذا الانتماء الوطنيّ مرفوض.

  ولا يمكن أن يبرَّر السّماح للانتماء الوطنيّ بمزاحمة الانتماء الدّينيّ، بما ورد في بعض الرّوايات من أنّ "حبّ الوطن من الإيمان" مثلًا(1)، لأنّ معناه بعيد كلّ البُعد عن ذلك. قال السَّيِّد جعفر مرتضى: "الوطن الذي يعتبر الإسلام حبّه من الإيمان، ليس هو محلّ ولادة الإنسان، وإنّما هو الوطن الإسلاميّ الكبير، الذي يُعتبر الحفاظ عليه حفاظًا على الدّين والإنسانيّة، لأنّ به يُعزّ الدّين، وتعلو كلمة الله، وهو قوّة للإسلام [..] نعم، إنّ الوطن ليس إلّا وسيلة للدّفاع عن الدّين والحقّ، وللوصول إلى الأهداف الخيّرة والنّبيلة، فالدّين والإنسان هو الأصل، والوطن وغيره لا بُدَّ وأن يكون في خدمة هذا الدّين، ومن أجل ذلك الإنسان. فمن يحافظ على وطنه، ويحبّه بدافع الحفاظ على الإسلام وحبّه، فإنّ حفاظه وحبّه هذا يكون من الإيمان. وأمّا إذا كان الوطن وطن الشّرك والكفر والانحراف والانحطاط بإنسانيّة الإنسان، فإنّ الحفاظ على وطن كهذا وحبّه يكون حفاظًا على الشّرك وتقوية له، كما أنّ حبّه هذا يكون من الكفر والشّرك، لا من الإيمان والإسلام"(2).

  بل يظهر من بعض الأخبار أنّ المؤمن غريب ما دام في بلاد الشّرك، فقد روى الشيخ الطّوسيّ بإسناده عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال: ((يقول أحدكم إنّي غريب! إنّما الغريب الذي يكون في دار الشّرك))(3).

 

* إنّ المخاطر الايديولوجيّة للثّقافة اللّيبراليّة لا تهدّد المسلمين فحسب، بل تهدّد أتباع سائر الدّيانات في بلاد الكفر كذلك، فما بالنا لا نجد أتباع تلك الدّيانات يهاجرون منها؟ ولمّا كانت الأنظمة الغربيّة أنظمة ديمقراطيّة، فالأولى أن يبقى المسلمون فيها مع أن يعملوا على حفظ حقوقهم الدّينيّة وصون بيئتهم الاجتماعيّة، وذلك بالطُّرُق السّياسيّة والقانونيّة، من قبيل المشاركة الفعّالة في الانتخابات ودعم الحملات الانتخابيّة ونحو ذلك.

وفيه: إنّه من الغريب الاحتجاج بأفعال الكفّار، ونحن في مقام تشخيص التّكليف الشّرعيّ. قد يُقال: ليس المقصود الاحتجاج بأفعالهم، وإنّما الإشارة إلى أنّ هذا دالّ على مرونة النّظام الدّيمقراطيّ، وإمكانيّة مواجهة التّهديدات الثّقافيّة، وتغيير الواقع العام من خلال العمليّة السّياسيّة. ولكن بالإضافة إلى أنّ نطاق سائر الأديان أضيق من نطاق الدّين الإسلاميّ بلحاظ ما في الإسلام من عقائد وأحكام، يُراد منها تنظيم حياة البشر وهدايتهم وإيصالهم إلى الغرض من خلقهم، ولم يثبت أصلًا أنّ الأنظمة الغربيّة مرنة بهذا الشّكل. ولا صحّة لما يُدّعى من أنّ هجرة المؤمنين إلى بلاد الكفر يحوّلها إلى بلاد إسلاميّة شيئًا فشيئًا، وهي النّظريّة المعروفة بـ "الاستبدال العظيم" (The Great Replacement) التي يتمسّك بها أعداء الإسلام والمسلمين من التَّيَّار اليمينيّ "المحافظ" في الغرب من أجل شيطنتنا. بل الظّاهر خلاف ذلك حسبما ذكره رونان مكراي، الخبير في العلاقة بين الأديان وقوانين الأنظمة الدّيمقراطيّة اللّيبراليّة، إذ يؤكّد أنّ هجرة المسلمين من بلادهم يزيد أوروبا علمانيّةً، بخلاف التَّصوُّر السّائد(4).

ومن الواضح أنّ السّبب في ذلك هو أنّ الطّرح الدّينيّ الذي ينشأ في ظلّ الأنظمة الكافرة لا بُدَّ من أن يكون مناسبًا لقوانينها وثقافتها، ومتماشيًا مع مصالحها الأمنيّة والسّياسيّة. لذا اشتهر على الألسن وصف أمريكا بأنّها "بوتقة الصّهر" (The Melting Pot). فالغرب بمقتضى تصميمه العلمانيّ يعي ما يترتّب على الاستخفاف الأمنيّ والثّقافيّ تجاه قضيّة الهجرة (بمعناها العام)، لذا لا يمكن أن يسمح لها أن تتحوّل إلى وسيلة تهدّد نظامه من الدّاخل، بأن يتمّ نشر نماذج جديدة للمواطنة. بل صرّح بعض رؤساء أمريكا بأنّه "لا مجال في هذا الوطن للانتماء النِّسبيِّ إلى أمريكا (Hyphenated Americanism)(5)، بمعنى أنّه لا بُدَّ من أن يكون الانتماء إلى أمريكا مطلقًا وغير مقيّد بأيّ انتماء آخر.

* إنّ هجرة جميع المؤمنين إلى دولة إسلاميّة واحدة غير ممكنة في هذا العصر.

 وفيه: إنّه ليس المطلوب أن يهاجر المؤمنون جميعًا إلى دولة إسلاميّة، فضلًا عن دولة إسلاميّة واحدة. ولكنّ المطلوب أن يهاجروا إلى حيث يتمكّنون من أداء الواجبات وترك المحرّمات، وهذا مرهون بظروف وأجواء البلد البديل المهاجَر إليه. فإنّ البلاد متفاوتة في ذلك بحكم اختلاف قوانينها وسياساتها وأحوالها الأمنيّة والثّقافيّة والدّيمغرافيّة وغيرها. وقد تكون الهجرة تدريجيّة كما يشير إلى ذلك السَّيِّد كاظم الحائريّ في بعض فتاويه حيث قال: "الخروج إلى دول غير إسلاميّة بجعلها ممرًّا لدولة إسلاميّة لا مانع منه، أمّا الخروج إلى دولة غير إسلاميّة لأجل الاستقرار فيها، ففيه مشكلتان: أوّلًا، احتمال أن يؤدّي ذلك ولو بالتّدريج وفي أمد طويل إلى الانحراف والفسق للشّخص أو لأسرته أو لأولاده. ثانيًا، احتمال عدم توفّر جوّ يستطيع عن طريقه استقاء المعارف الإسلاميّة باستمرار. وهذا ما يُسمّى بالتَّعرُّب بعد الهجرة، فلو أمِن أحد كلتا هاتين المشكلتين جاز له الاستقرار في بلد غير إسلاميّ، وإلّا فلا"(6).

  بل هذا هو المُستفاد من بعض الرّوايات أيضًا، فقد رُوي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله: ((من فرّ بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرًا من الأرض، استوجب الجنّة، وكان رفيق إبراهيم ومُحمّد (عليهما السلام)))(7). فطالما أنّه يقصد بانتقاله رفع المانع من إقامة الدّين، والوصول في نهاية الأمر إلى حيث يمكن الانسجام التّامّ مع مركز قوّة المسلمين قيادةً ومجتمعًا فهو مهاجر.

 نعم، من جانب آخر، إنّ من مسؤوليّات الحكومات والمجتمعات الإسلاميّة تهيئة مقدّمات الهجرة للمؤمنين الرّاغبين في الالتحاق بالتّجارب الإيمانيّة الفعّالة والنّاجحة. وقد أشار إلى ذلك الشيخ جعفر السّبحانيّ حيث قال في حديثه عن المسلمين المغتربين، الذين هاجروا من البلاد الإسلاميّة إلى بلاد الكفر، وأقاموا فيها واستقرّوا، فلم يعد يهمّهم الرُّجوع إلى المحاكم الشّرعيّة في قضاياهم، وابتعدوا عن المُثل العُليا في الإسلام: "هؤلاء مسلمون اسمًا لا واقعًا، لكن الواجب على الحكومات الإسلاميّة حفظ صلتها بهؤلاء المهاجرين؛ حتى يحتفظوا بهويّتهم الإسلاميّة، والأوجب عليها، تحسين الظّروف المعيشيّة؛ حتى لا يضطرّ هؤلاء للهجرة، ولا يبتلوا بهذا الواقع المرّ"(8).

* إنّ البلاد الإسلاميّة غير مستقرّة أمنيًّا واقتصاديًّا بخلاف بلاد الغرب.

  نقول: لا نريد حمل هذا الكلام على الافتخار بما تتمتّع به بلاد الغرب من التَّقدُّم الأمنيّ والاقتصاديّ، ولكن لا بُدَّ من الالتفات إلى حرمة إيثارها على واقع المؤمنين، مع العلم بما لأنظمة الكفر من دور في معاناة المؤمنين في البلاد الإسلاميّة، فإنّ الحروب الموجودة في بلاد المسلمين هي نتيجة سياسات الاستكبار، التي تمارسها تلك الدُّول كما لا يخفى، ممّا يقتضي مقاربة القضيّة من مبدأ ومنطلق الانتماء. وقد روى الشيخ الطّوسيّ بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: ((الفقر معنا خير من الغنى مع عدوّنا))(9). فلا يجوز للمؤمن أن يختار الرّفاه الاقتصاديّ إذا كان على حساب قضايا الإسلام والمسلمين، والانتماء إلى المجتمع المؤمن بنسيجه الولائيّ، ولا أن يؤثر الأمان في أحضان النّظام الجائر على الخطر الذي يرافق مؤازرة القادة الشّرعيّين في بلاد المسلمين. لذا سنحمل هذا الكلام على الخوف من الوقوع في الفقر أو الموت بسبب الهجرة.

  وهنا لا بأس بذكر تنبيه حول المُراد من المستضعف المستثنى من وجوب الهجرة في قوله تعالى: ﴿ِإنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾[النّساء: 97] ومحلّ الشّاهد هو قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾. فقد أشار المفسّرون إلى أنّه "استثناء عن حكم الآية الكريمة السّابقة، وبيان للمعنى الحقيقيّ للمستضعفين، وردّ لما اعتذر به القاعدون في مساءلة الملائكة لهم بأنّهم مستضعفون، فإنّهم غير صادقين فيه، فقد تركوا الهجرة مع القدرة عليها، وادّعوا الاستضعاف حرصًا على أموالهم وأهليهم، أو حرصًا على أمنهم وسلامتهم، أو حرصًا على مكانتهم وجاههم. والآية الشّريفة تصوّر المستضعف تصوُّرًا دقيقًا، وتعطي المعنى الحقيقيّ له، بحيث لا تدع مجالًا لأيّ ادّعاء آخر فيه. والمستضعفون هم الذين لا يقدرون على الهجرة لضعفهم، كالولدان والنّساء والشّيوخ وسائر العجزة أو الضّعفاء، أو لعدم وجود السّبيل والحيلة، فهم يبحثون عن ذلك، بل هم في وضع نفسيّ مضطرب وشعور مضطرم يختلف تمامًا عمّن يدّعي الاستضعاف، الذي هو في حالة الدّعة والرّضى والاستكانة حرصًا على الدُّنيا وشيء من متاع الأرض كما عرفت"(10).

  وقد أكّد المفسّرون في تفسير قوله تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾أنّ العفو مشروط بحسن النِّيَّة وقصد الهجرة بحقّ، وما يتضمّن ذلك من رصد الفرص، واستنباط الحِيل لها، وتعليق القلب بها أبدًا(11). وبالجملة، فإنّ "المستضعف على قسمين: ادّعائيّ وواقعيّ، والثّاني هو مورد العفو دون الأوّل؛ لأنّه جلّ شأنه مطّلع على الواقعيّات، فله العذر عن الهجرة، ويجري حكم هذه الآية المباركة إلى يوم القيامة، فمن تمكّن في هذه الأعصر من المسلمين من الخروج من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام وتعلّم معالم دينه والعمل بها ولم يفعل، فهو من القسم الأوّل"(12).

  وقد أعطى الله تبارك وتعالى للمهاجر ضمانات بالنّسبة إلى الخوف من الفقر والموت، ومن ذلك ما جاء في قوله عزّ من قائل:﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًاُ﴾[ النّساء: 100].

  قال السَّيِّد السّبزواريّ في تفسير هذه الآية: "إذا كان في البين مخاوف في النّفس بشأن الهجرة وأخطارها وأهوالها، بأن لا يجد رزقًا في المسير، أو أن يدركه الموت في الطّريق أو غير ذلك، فإنّ الله تعالى يعطي الضّمانات التي تيسّرها في النّفس وتجعل الإنسان مجدًّا في عمله يُقبل عليها بلا إبطاء، ويكون مخلصًا لله تعالى. وقد وعد عزّ وجلّ في هذه الآية المباركة بأنّ المهاجر سوف يجد في الأرض سعةً وبسطة، والله هو الكفيل ما دامت الهجرة في سبيل الله تعالى، وإذا وقع عليه الموت فإنّ الأجر يقع عليه عزّ وجلّ"(13).

وقال تبارك وتعالى في سورة العنكبوت: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.

  قال الشيخ الطّبرسيّ:﴿َإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ أي اعبدوني خالصًا ولا تطيعوا أحدًا من خلقي في معصيتي [..] أمر سبحانه المؤمنين إذا كانوا في بلد لا يلتئم فيه لهم أمر دينهم أن ينتقلوا عنه إلى غيره، ثمّ خوّفهم بالموت ليهوّن عليهم الهجرة فقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أي كلّ نفس أحياها الله بحياة خلقها فيه ذائقة مرارة الموت بأيّ أرض كان، فلا تقيموا بدار الشّرك خوفًا من الموت ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ بعد الموت فنجازيكم بأعمالكم. ثمّ ذكر سبحانه أجر من هاجر فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يعني المهاجرين ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُم﴾ أي لننزلنّهم ﴿مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ أي علالي عاليات [..] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على دينهم فلم يتركوه لشدّة نالتهم وأذى لحقهم، وصبروا على مشاقّ الطّاعات ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ في مهمّات أُمورهم ومهاجرة دورهم"(14).

 وقال في تفسير قوله تعالى في الآية اللّاحقة ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: "أي يرزق تلك الدّابّة الضّعيفة التي لا تقدر على حمل رزقها ويرزقكم أيضًا، فلا تتركوا الهجرة بهذا السّبب"(15).

  والحاصل أنّه لا ينبغي ترك الهجرة خوفًا من الفقر، ولا خوفًا من الموت. ولهذا قال الميرزا جواد التّبريزيّ في بعض أجوبته على الأسئلة الشّرعيّة: "لا يبعد وجوب الهجرة حتى مع الحرج، إذا خاف على أهله وأولاده من اللُّحوق بالكفّار، والله العالِم"(16).

 

 

----------------------------

1.إضافةً إلى أنّ هذا الحديث لم يرد في المصادر الحديثيّة الرّئيسيّة للشّيعة.

2.السَّيِّد جعفر مرتضى، الصّحيح من سيرة النّبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله): 3/333-334

3.الشيخ الطّوسيّ، تهذيب الأحكام: 6/174.

4.مقالة له بعنوان "How to Hobble Religion" نُشر عام 2013

5.الرّئيس الأمريكيّ السّابق ثيودور روزفلت في كتاب بعنوان "Americanism": 6.

6.السَّيِّد كاظم الحائريّ، الفناوى المنتخبة: 323.

7.الشيخ الطّبرسيّ، مجمع البيان: 3/172.

8.الشيخ جعفر السّبحانيّ، مسائل فقهيّة مهمّة في حياتنا المعاصرة: 231-232.

9.الشيخ الطّوسيّ، إختيار معرفة الرّجال: 814.

10.السَّيِّد عبدالأعلى السّبزواريّ، مواهب الرّحمن: 9/173.

11.المصدر نفسه: 9/176.

12.المصدر نفسه: 9/174.

13.المصدر نفسه: 9/176-177.

14.الشيخ الطّبرسيّ، مجمع البيان: 8/455.

15.المصدر نفسه: 8/455.

16.الشيخ جواد التّبريزيّ، صراط النّجاة: 2/376.