100%
مع الحق

انحصار النجاة في فرقة واحدة

الشيخ محمد رضا الشيخ محمد آل حيدر

الحوزة العلمية في النجف الأشرف

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 208 – الصفحة (30)

 

من أهم ما يحدده الإنسان السوي الملتفت الى واجباته العقلية اختيار طريق معين ليسلكه في تفاصيل حياته، فالأنسان أول ما يعتقد به بعقله المجرد –أو بتدخل رسالي- وجود خالق ومدبر لهذا العالم، وهذا الخالق حكيم متزن؛ لأن العقل يحكم بداهةً أن كل صُنع لا بد له من صانع، وكل موجود بعد أن لم يكن لا بد له من مُوجد، والكون موجود، فلا بد له من مُوجد حكيم.

وهذا الخالق لا يمكن أن يخلق البشر عبثاً، ويتركهم بلا غاية، وبما أنّ الإنسان مُخيّر ومكلّف، فإنّ العقل يحكم بضرورة وجود جزاء عادل (ثواب للمحسن وعقاب للمسيء)؛ ليتحقق التوازن وتستقيم الحياة.

 فالعقل يحكم بوجوب وجود ثواب وعقاب، وهذا الثواب والعقاب ناشئ عن طريقة العمل والتعامل في التفاصيل الحياتية، والمعتقدات الإيمانية، وإلا فعلى ماذا يثاب ويعاقب؟

وهذه التفاصيل والمعتقدات لا بد أن تسلك طريقًا معيّنًا ضمن منظومة متكاملة، ويحكم على هذه الأعمال بحسب تلك المنظومة بالصحة أو الفساد، فتؤدي إلى الثواب أو العقاب. 

  وفي الواقع العملي، وما ورد في السنن التأريخية، من وجود طرقٍ عدة ومناهج متباينة، يجد الإنسان نفسه إزاء خيارات متعددة، لا يمكنه التسليم بصحتها جميعاً؛ لأنّ كثيراً منها متناقض في أصوله ونتائجه؛ وحينئذٍ يحكم العقل بضرورة البحث والمقارنة والتمييز بين هذه الطرق للوصول إلى الطريق الحق.

وبما يحكم به العقل، فلا بد أن يكون أحد هذه الطرق هو المسلك الصحيح المطابق للواقع، إذ لا يمكن أن تكون الطرق المتناقضة جميعها حقاً في وقت واحد، فالمعتقدات والأعمال إنما تتصف بالصحة أو الفساد، وبالمطابقة للواقع أو مخالفته، ولا واسطة بين النقيضين، فلو اعتقدت فرقة بأمرٍ وأثبتته، واعتقدت أخرى بنقيضه ونفته، استحال أن يكون القولان صحيحين معاً.

 ولضعف القدرة الإنسانية، ووسع الرحمة الربانية اختار لنا الله (عز وجل) الطريق الصحيح، والمسلك الحق وبيّنه الله تعالى لنا، ومما ورد أيضًا في السنن التاريخية الوجود الدائم لطرق عدة تنشق من الطريق الصحيح، فتشرق غربًا وتغرب شرقًا، فيجب على الإنسان أن يميز الغث من السليم، والمسلك الأصيل المرسل من الله تعالى عن المنشق، قال أبو عبد الله (عليه السلام): ((ما أحد أحب إليّ منكم، إن الناس سلكوا سبلًا شتى، منهم من أخذ بهواه، ومنهم من أخذ برأيه، وإنكم أخذتم بأمر له أصل))(1).

 وبعد هذا التمييز يجب أن يختار أحد تلك الطريق، وبالحكم العقلي أيضًا اختياره لطريق معين يوجب تركه لباقي الطرق والمسالك، كما وضّحنا من الصحة والفساد.

وعلى هذا ورد عن النبي حديث الافتراق أو ما يسمى بحديث الفرقة الناجية، الذي أشار به إلى انقسام الطرق والمسالك إلى فرق، وفرقة واحدة هي الناجية، وهي التي تتبع المسلك الأصيل، لا ما انشق منه وانقسم عنه، وأنّ تلك الفرقة التي اتّبعت المسلك الحق هي الفرقة الناجية، فقال (صلى الله عليه وآله): ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، سبعون فرقة في النار وفرقة واحدة في الجنة وهي التي اتبعت وصيه، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون فرقة في النار وفرقة واحدة في الجنة وهي التي اتبعت وصيه، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي التي اتبعت وصيي))(2).

ولأنّ الإنسان في جميع أحواله يحتاج إلى أن يُبين له الصحيح من أعماله من فاسدها، ولا يكفي لديه التحكيم العقلي دائمًا، لضعفه وقلة إدراكه، وكما ورد من الإمام علي بن الحسين ’: ((إنّ دين (الله عز وجل) لا يصاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلة والمقائيس الفاسدة، ولا يصاب إلا بالتسليم، فمن سلم لنا سلم، ومن اقتدى بنا هدى، ومن كان يعمل بالقياس والرأي هلك، ومن وجد في نفسه شيئا مما نقوله أو نقضي به حرجا كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم وهو لا يعلم))(3).

فكيف يتبع الإنسان الفرقة القائل إمامها: ((ومن وجد في نفسه شيئا مما نقوله أو نقضي به حرجًا كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم وهو لا يعلم))(4) ويتبع فرقة أخرى إمامها يخالف هذا الإمام؟

مصادر حديث الفرقة

وحديث الفرقة هذا من المتواتر المعنوي فقوله (صلى الله عليه وآله): ((ستفترق أمّتي)) معروف عند الفريقين ونقلاه في جوامعهم الروائيّة وإليك النظر إلى بعض ما نقلهم:

 أخرج أبو داود، بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله): ((افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة))(5) ، أخرجه أيضًا الترمذي في باب ما جاء في افتراق هذه الأئّمة(6).

أيضًا أخرج أبو داود بإسناده عن معاوية بن أبي سفيان، عن النبي (صلى الله عليه وآله)قال: ((ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملَّة، وإن هذه الملَّة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنّة، وهي الجماعة))(7).

 وأخرج الترمذي بإسناده عن عبد اللَّه بن عمر (عبد اللَّه بن عمرو)، عن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله قال:((ليأتيّن على أمّتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل (إلى أن قال): وستفترق أمّتي على ثلاث وسبعين ملَّة، كلَّها في النّار إلَّا ملَّة واحدة، قالوا: من هي يا رسول اللَّه، قال: ما أنا عليه وأصحابي، (فقيل له: ما الواحدة، قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي))(8).

وأخرجه أيضًا الهندي في كنز العمّال(9).

 أخرجه أيضًا الحاكم في المستدرك، بإسناده عن عوف بن مالك، قال: قال رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله): ((ستفترق أمّتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فرقة قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحرّمون الحلال ويحلَّلون الحرام))(10).

ورواه الصدوق بإسناده عن عبد اللَّه بن عمر عن رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله) قال: ((ما نحن عليه اليوم أنا وأصحابي))(11).

 روى المجلسي في بحار الأنوار بإسناده عن الكراجكي في كنز الفوائد، عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله قال: ((ستفترق أمّتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة على أمّتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحرّمون الحلال ويحلَّلون الحرام))(12).

 وروي الصدوق بإسناده عن محمّد بن مسلم وأبي بصير عن الصادق (عليه السلام)، عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) قال في حديث طويل: ((افترقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمّة على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنّة))(13).

 وروى سليم بن قيس عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة سبعون منها في النار وواحدة في الجنة، وهي الَّتي اتبعت يوشع بن نون وصي موسى، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، إحدى وسبعون فرقة في النار وواحدة في الجنّة وهي الَّتي اتبعت شمعون وصيّ عيسى، وتفرقت هذه الأمّة على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون فرقة في النار وواحدة في الجنّة، وهي الَّتي اتبعت وصي محمّد (صلى الله عليه وآله) وضرب بيده على صدره))(14).

 وروى الكليني قريبا منه في الروضة بإسناده عن الإمام الباقر (عليه السلام)(15).

 وأيضًا روى المجلسي في بحار الأنوار عن كنز الفوائد للكراجكي قال: روى الجمهور عن أبي نعيم وابن مردويه بإسنادهما عن زاذان عن علي (عليه السلام) قال: ((تفترق هذه الأمّة على ثلاث وسبعين فرقة: اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهم الَّذين قال اللَّه عزّ وجلّ: (وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِه ِ يَعْدِلُونَ) [الأعراف: 181] وهم أنا وشيعتي))(16).

 روى البحراني عن موفّق بن أحمد، بإسناده عن أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه، وقال: أخبرنا أحمد بن محمّد السري قال: حدثنا المنذر بن محمّد بن المنذر، قال: حدّثني عمّي، عن الحسين بن سعيد، قال حدثني أبي، عن أبان بن تغلب، عن فضل، عن عبد الملك الهمداني، عن زادان عن علي عليه السّلام، مثله(17).

 روى أبو نعيم عن أبي الطفيل، عن علي (عليه السلام) قال: ((تفرّق هذه الأمّة على ثلاث وسبعين فرقة، شرّها فرقة تنتحل حبّنا وتفارق أمرنا))(18).

ولا مجال لما قاله بعضهم: إنّ المراد بالأمّة في هذا الحديث أمّة الدعوة لا أمّة الإجابة، يعني: أن الأمّة التي دعاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الإيمان بالله والإقرار بوحدانيته هي المفترقة إلى تلك الفرق، وأنّ أمّة الإجابة هي الفرقة الناجية، يريد بها من آمن بما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله).

وينقضه أنّ الحديث نصّ على أنّ الأمّة ستفترق، وهذا يعني أنّه حديث عن المستقبل، وهذا لا يتلاءم مع كون المراد أمة الدعوة، فهي مفترقة في زمنه (صلى الله عليه وآله)، أضف إلى ذلك مقارنتهم باليهود والنصارى، في قوله (صلى الله عليه وآله): ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة))، ومعلوم أن اليهود والنصارى هم من أمّة الدعوة، فلم يبقَ إلا أن المقصود أمّة الإجابة فقط.

من هي الفرقة الناجية؟

وبعد ما بيناه يُعرض هذا السؤال، وهو من أهم الأسئلة التي تواجه من ينتسب إلى الإسلام؛ لأنّ حديث الفرقة الناجية ثابت عن النبي (صلى الله عليه وآله) لدى العامة والخاصة، وأنه (صلى الله عليه وآله) حصر النجاة لفرقة واحدة من سائر الفرق المنتسبة إلى الإسلام، ولكن ليس من العقل أن لا يبيّن الرسول مَن هي الفرقة الناجية، ويترك أمته من غير أن يقيم عليهم الحجة، وينصب لهم ما ينجيهم من النار والهلاك، كي يتمسك به المؤمنون.

وبمطالعة النصوص النبوية، نجد أنّ النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) نصّ صريحًا بأنّ سبيل النجاة منحصرة بما يتركه لنا من ثِقلين، هما: القرآن والعترة، المتمثلة بالأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) حصرًا من دون سواهم؛ لأنهم المطهرون من كل دنس، والعالمون الذين ورثوا علم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وحكمته وحلمه، وهم الوحيدون الذين يؤتمنون على أمور الدين والدنيا. 

------------------

  1. الحر العاملي، وسائل الشيعة : 27/٥٠.
  2. الحديث مشهور، ورواه العشرات من الخاصة والعامة، ظ: السيد حيدر- الآملي، تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم: 3/104.
  3. المحدّث النوري، مستدرك الوسائل: 17/262. 
  4. المصدر نفسه.
  5. أبو داود، سنن أبي داود: 4/197.
  6. الترمذي، سنن الترمذي: 5/25.
  7. أبو داود، سنن أبي داود: 4/198.
  8. الترمذي، سنن الترمذي: 5/25.
  9. المتقي الهندي، كنز العمال: 1/182.
  10. الحاكم النيسابوري، مستدرك الصحيحين: 4/430.
  11. الصدوق، معاني الأخبار: 323.
  12. المجلسي، بحار الأنوار: 2/ 312.
  13. الصدوق، الخصال: 636.
  14. سليم بن قيس، كتاب سليم: 175.
  15. الكليني، الكافي: 8/224.
  16. المجلسي، بحار الأنوار: 24/ 146.
  17. البحراني، البرهان في تفسير القرآن: 2/53.
  18. أبو نعيم الأصفهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: 5/ 8.