السيد رياض الفاضلي
الحوزة العلمية في النجف الأشرف
المصدر: مجلة الولاية – العدد 203 – الصفحة (71)
الأسرة في الرؤية الإسلامية هي النواة الأولى لبناء المجتمع، وبصلاحها يستقيم البناء الاجتماعي والأخلاقي، وبفسادها ينهار الكيان البشري، وقد أولى الشرع الشريف الأسرةَ مكانة عظيمة، فقرنها بحفظ الدين، وربط مسؤولية رعايتها بأشدّ العواقب: إمّا الجنة وإمّا النار.
ومن جهة أخرى، فإنّ صلة الأرحام والبرّ بالعيال من أعظم القربات التي تحفظ توازن المجتمع، وتخفّف الحساب يوم القيامة. هذا المقال يسعى إلى قراءة جملة من النصوص المروية عن أهل البيت (عليهم السلام)، مع إيضاح دلالاتها التربوية والاجتماعية، وتبيين موقع الأسرة وصلة الأرحام في تشكيل الوعي الديني للفرد.
وأول ما يلفت النظر في النصوص الشرعية هو عناية الأئمة (عليهم السلام) بصلة الأرحام، حتى لو كانت بأدنى مظاهرها، كإلقاء السلام وردّه، فقد روى إسحاق بن عمار قال: ((سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: إن صلة الرحم والبر ليهوِّنان الحساب، ويعصمان من الذنوب، فصلوا أرحامكم، وبروا بإخوانكم، ولو بحسن السلام وردّ الجواب))(1).
هذه الرواية الشريفة تكشف عن ثلاثة أمور أساسية:
اولا: إنّ صلة الرحم تخفّف من شدّة الموقف يوم الحساب، وهو أثر غيبي يربط بين العمل الاجتماعي والنجاة الأخروية.
ثانيا: إنّ صلة الرحم حصن يحمي من الانغماس في الذنوب، أي أنّها تورث التزكية الداخلية، وتبعد الإنسان عن الانحراف.
ثالثا: إنّ الشرع لا يشترط في الصلة بذل المال الكثير أو العطاء الكبير، بل قد تتحقق بأبسط الأفعال ومنها السلام والكلمة الطيبة.
وهذا يرسّخ قاعدة أساسية عندنا أنّ بناء الأسرة الممتدّة وصلة الأرحام ليست ترفًا اجتماعيًا، بل هي جزء من العقيدة العملية، ومن لوازم الانتساب إلى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
سيادة الرحمة في الأسرة
ومن ذلك تقبيل الأولاد والعدل بينهم، إذ لم تقتصر عناية الإسلام بالإطار العام للأسرة الكبيرة (الأرحام)، بل أولى الإسلام الأسرة الصغيرة عناية خاصة، بدءًا من العلاقة مع الأولاد، فقد ورد عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله): ((قبِّلوا أولادكم، فإنّ لكم بكلّ قبلة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين خمسمائة عام))(2).
هذه الرواية الشريفة تبرز قيمة الرحمة في التربية، وأنّ تعبير الوالد عن مودّته لطفله ليس مجرّد عاطفة بشرية، بل هو عمل شرعي يورث الدرجات في الجنة. فهي تحوّل الفعل البسيط (القبلة) إلى عبادة تربوية متكاملة، تُدخل الوالدين في خطّ الثواب الأخروي.
وقد صرّح النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) بضرورة العدل بين الأولاد في مظاهر الحب والرحمة، فقد روي أنّه نظر إلى رجل له ابنان، فقبّل أحدهما وترك الآخر، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ((فهلا ساويت بينهما))(3).
إنّ غرس العدل بين الأبناء في مستوى المشاعر والسلوك هو أساس بناء شخصية متوازنة، ويمنع من نشوء الغيرة والحسد بين الإخوة، كما يعلّم الوالد نفسه معنى المسؤولية الشرعية في توزيع عاطفته. فالوالد العادل في بيته هو اللبنّة الأولى لصناعة العدالة في المجتمع.
المسؤولية في رعاية العيال باب الجنة أو النار:
إنّ الإسلام يجعل من الأسرة ميزانًا للأبدية: إمّا جنة وإمّا نار، فالأسرة ليست مجرد علاقة اجتماعية، بل هي امتحان روحي مستمر، ومن أشدّ ما ورد في النصوص التحذير من إهمال العيال، حتى يضيقوا ذرعًا بالوالد فيتمنّوا موته، فقد روي عن أبي الحسن (عليه السلام) أنّه قال: ((ينبغي للرجل أن يوسّع على عياله لئلّا يتمنّوا موته))(4).
هذا النص يضع الأسرة في موضع خطير: فإهمال الوالد أو تقصيره في الإنفاق والرعاية قد يقلب قلوب أولاده وزوجه إلى تمني الفقد، وهو أمر مروّع يكشف عن أثر المعصية الاجتماعية في قلب موازين الرحمة داخل البيت. فالمسؤولية هنا ليست خيارًا، بل هي تكليف إلهي مباشر.
ولم يخلُ القرآن الكريم من التنبيه على هذه المسؤولية، بل قرن بين النفس والعيال في خط واحد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ، عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6].
هذه الآية تجعل من العيال امتدادًا للنفس، فلا يمكن للمؤمن أن ينشغل بخلاصه الفردي، ويترك أهله للضياع. إنّ مسؤولية الأسرة مساوية لمسؤولية الذات، والعاقبة واحدة، ومن ثمّ فإنّ التربية، والإنفاق، وحسن الرعاية، هي من مصاديق الوقاية المأمور بها، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: ((لما نزلت هذه الآية﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ (جلس رجل من المسلمين يبكي وقال: أنا قد عجزت عن نفسي كلفت أهلي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حسبك أن تأمرهم بما تأمر به نفسك، وتنهاهم عما تنهى عنه نفسك))(4).
تبيّن من الروايات والآية الكريمة أنّ الأسرة وصلة الأرحام هما محور أساس في التكليف الشرعي، فصلة الأرحام تيسّر الحساب وتطهر من الذنوب، وتقبيل الأولاد والعدل بينهم عبادة تؤدي إلى درجات في الجنة، والتوسعة على العيال واجب يبعدهم عن الضيق والتمني بزوال العائل.
أما إهمال الأسرة فيقود إلى نتائج وخيمة، قد تصل إلى حدّ النار. إنّ الشرع الشريف يربط مصير الإنسان الأبدي بموقفه من أسرته وأرحامه، ويجعل من بيته بابًا للجنة أو بوابة للنار. وبذلك تتجسّد وحدة الدين والدنيا، حيث تُترجم العبادة إلى سلوك أسري يومي، وتتحوّل العلاقات الأسرية إلى امتحان دائم لإيمان الفرد وصدقه مع الله تعالى.
--------------------------
1. الحرّ العاملي، وسائل الشيعة: 21/539.
2. الحسن بن الفضل الطبرسي، مكارم الأخلاق: 220.
3. المصدر نفسه.، ص220.
4.الحرّ العاملي، وسائل الشيعة:21/540.
5. الحسن بن الفضل الطبرسي، مكارم الأخلاق: 220.