100%
لسانُ الأُمة

تَمَثّلات شَخْصِيّة الإِمـَام عَلي(عليه السلام) فِيْ الرّوَايَة العَربِيّة نَمَاذِج مُخْتَارة

الباحثة: رحاب حسين العريفاوي

جامعة الكوفة / كلية التربية للبنات

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 195 – الصفحة (51)

 

 

قطعت الرّواية العربيّة شوطًا كبيرًا في التّقدم؛ بعدّها المُتنفس والمنفذ الذي يتيحُ للكُتّاب المبدعين التّعبير عن الواقعِ المعيش؛ لتصبح بذلك ديوان العرب المُعبر عن الواقعين العام والخاص، الذّاتي والاجتماعي في وقت واحد، فمحنة الإنسان ما تزال قائمة في البحث عن العدالة و مواجهة الباطل على مرّ العصور، ومن هذا المنطلق وجد كثير من الأدباء والكتّاب في شخصيّة الإمام علي(عليه السلام) خير مثال في الشّجاعة المُشرّفة والبطولة؛ ما جعلهم يجسدون هذه الشّخصية الكريمة، ويتغنون بمواقفها الأصيلة و البطولات الجسيمة التي قدّمها الإمام علي(عليه السلام) والاستناد إليه في إثراء نصوصهم الإبداعيّة.

 

أَنموذج الصبر والوفاء:

إنّ توظيف شخصيّة الإمام علي(عليه السلام) كان العمود الفقري الذي استندت إليه العديد من الرّوايات في موضوعاتها؛ إذ جعلت من شخصيّة الإمام النموذج الفذ في الصبر والوفاء والعزيمة والامتداد المحافظ والمدافع عن رسالة الإسلام وقيمه، ويتّضح في النّص الآتي من رواية (حبّة بغداد): "قام أمارجي بزيارة شجرة آدم في القرنة وجلس تحت ظلها نحو ساعتين يتلو ما حفظه ويضيف من عنده، وعرّج على تلك المناطق التي قيل إن نوحًا مر بها، وكذلك زار مرقدي هود وصالح، وفق اعتقاد المحليين، حيث صارا من المسلّمات وفقًا لعبارة مكتوبة عند ضريح الإمام علي في وادي السلام: "السلام عليك وعلى ضجيعيك آدم ونوح، وعلى جاريك هود وصالح"(1).

يوظف الرّوائي في هذا النّص شخصيّات الأئمة(عليهم السلام) عن طريق (الواقعيّة السّحرية)، لعمل خلطة سحريّة من التّراب، يتمّ بوساطتها إنقاذ بطل الرّواية المجاهد (أمارجي)، و تعتمد خلطة الأبطال السّحرية على القوّة التي استمدها (أمارجي) من مرقد الإمام علي(عليه السلام)، والتّراب المأخوذ من كربلاء، حيث مكان قطع رأس الحسين(عليه السلام) وحيث سقط العبّاس(عليه السلام)؛ وبذلك فقد أعطى الرّوائي للتراب رمز البقاء والاستمرار فضلاً عن العطاء والتّضحية، إذ تعدّ كربلاء الوهج الذي تستمد منه الثّورات إيمانها وصمودها على مرّ العصور، و يعد أسلوب المحاكاة في توظيف الشّخصيات الحقيقية لرسم واقع الحياة المعيش من أكثر الطّرائق المميّزة في الكتابة، من وجهة نظر (شوبنهاور) الذي يرى: "أن الفنان المجيد إذ يشكل لوحة تاريخية يستعمل نماذج حيّة من الناس، فيأخذ أساس الوجوه من الحياة، ثم يضفي عليها مسحة مثالية من حيث الجمال والتعبير، واعتقادي أن الروائي الذي يجيد عمله يتبع طريقة مماثلة، فهو عندما يرسم شخصية من الشخصيات يأخذ خطوطها العريضة العامة من الحياة حوله، فيستقيها ممن يتصل بهم من أشخاص تلك الحياة، ثم يضفي على تلك الشخصية صبغة مثالية، ويكملها بما يحقق الغرض منها"(2).

 

الواسطة إلى الله تعالى :

أمّا الرّوائي (رامي هراطة)، فقد وظّف شخصية الإمام الحسين(عليه السلام)، بطريقة أكثر عاطفية وقربًا، إذ جعل الإمام الحسين(عليه السلام) الواسطة في طلب الحوائج من الله عز وجل، كما في نصّه الآتي:

"أرجو الاهتمام بقضيّة السّيد علي أكبر ابنه موقوف بتهمة اجتياز الحدود وهي قضيّة سهلة، والأهم من ذلك رسالتي إلى سيدي ومولاي الحسين(عليه السلام) والتي يتوجّب عليك وضعها في شباك قبره الشّريف، لكن عليك أنْ تضعها في يوم زيارة الأربعين وأن تصل إلى كربلاء مشياً على الأقدام، أعرف أنّ ذلك مجهد وربّما تكون قدراتك قد ضعفت، أنت الآخر لم تعد شاباً لقد ناشتك مقدرات الدّهر، لكن يجب أنْ تصل حاملاً رسالتي إلى سيدي الحسين بن علي ماشياً أسوة بالآخرين ومن مسافة مناسبة تستحق فيها الأجر والثّواب، فإن خذلتك قدراتك وصعب الأمر عليك أعد الرّسالة للسيد علي أكبر، وإنْ احترمت رغبتي ورجائي وقبلت تكليفي فلا تقرأ الرّسالة ولا تفتحها، ضعها هناك عند رأسه الشّريف، ليطلع على مظلوميتي، مظلوميتنا وشقائنا المُر"(3).

في رواية (صهر البابا) يعمد الرّوائي إلى إبراز أهمّية مدينة كربلاء في استقرار نفسية الأبطال، ويظهر ذلك عن طريق شخصيّة الدّكتور (حسين منتظري) أستاذ الحقوق وهو حاصل على شهادة الدّكتوراه من جامعة السّوربون ورسالته إلى مهدي المحامي، إذ يعرض هذا الرّجل مظلوميّته لسيد الشّهداء(عليه السلام) ويظهر التّعلّق الشّديد بمدينة كربلاء المُقدّسة في تفريج الكربة، وعدّها الملاذ وموطن تحقيق الأحلام ونيل الغايات، إذ تشكّل المدينة ملجأ للفرار والخلاص من الاغتراب والبؤس، مؤكّدًا على نسب الإمام الحسين(عليه السلام)، في قوله: (لكن يجب أنْ تصل حاملاً رسالتي إلى سيدي الحسين بن علي)، ففي توظيف اسم الإمام الحسين(عليه السلام)، دلالة على هذا الامتداد المبارك، الذي جعله الله ملاذًا وبابًا لتحقيق الأمنيات.

 

مظلومية أهل البيت(عليهم السلام):

لقد عمد العديد من الروائيين إلى توظيف شخصية الإمام علي(عليه السلام) عند ذكر بقية الأئمة(عليهم السلام)، موحين بأهمّية مقام النّسب الشّريف وتأكيد حرمته، كما في رواية (رأس الحسين): "انظروا هناك صبي صغير نقلوه من بين دم أبيه وأعضاء أخوته وأقربائه، صبي صغير نقلوه عبر ضراوة الصّحراء وشحّة الماء، وغياب الدّواء، إنّه أصغر مريض، لكنّه باق يقرأ.. إذا أردتم أنْ تعرفوا من هو .. فهو حفيد إمامكم علي بن أبي طالب"(4).

في روايته (رأس الحسين) يسعى الرّوائي البحريني (عبد الله خليفة) لإظهار المظلوميّة التي تعرّض لها أهل البيت(عليهم السلام)، إذ تبدأ أحداث الرّواية من فصل الرّأس الشّريف في كربلاء حتّى وصوله إلى دمشق وتدور أحداث الرّواية بين الماضي والحاضر والمستقبل، ويدمج فيها الرّوائي بين الواقع والخيال الرّمزي، ويعد الرّأس الشّريف محور الحدث في الرّواية، وفي هذا النّص تتمثّل شخصيّة الطّفل الرّضيع التي يعرضها (حمزة)، وهو شخصيّة خياليّة من ابتكار الرّوائي يعمل مهرّجاً في قصر الخليفة قادته أطماعه للمشاركة في قتل الإمام الحسين(عليه السلام) في كربلاء، وهو صورة للذات المخذولة بالوعود المُزيّفة، فيأخذ طريقاً آخر ليكشف عمق الجريمة التي لحقت بآل البيت(عليهم السلام)، وعن طريق هذه الشّخصية المعتوهة يُعرّض الرّوائي بأعداء آل البيت، إذ تفضح شخصيّة (حمزة) ذلك الجرم العظيم، ليصبح دم الطّفل الرّضيع وفق تعبير الرّوائي (لكنه باق يقرأ) صوتاً صارخاً مستمراً ورمزاً للأطفال الأبرياء في كلّ زمان ومكان، إذ تتغيّر المُسميات عبر العصور، لكنّ جوهر القضيّة واحد، ونلحظ في قوله: (.. إذا أردتم أنْ تعرفوا من هو .. فهو حفيد إمامكم علي بن أبي طالب)، تأكيدًا على مكانة أمير المؤمنين علي(عليه السلام) وتعريضًا ضمنيًّا بمن جهلوا حقه، وأنكروا نسب بنيه وحرمتهم في أرض كربلاء.

وبذلك لم يكن حضور شخصيّة الإمام علي(عليه السلام) مجرد وصف أو اسم، بل هو كيان متكامل له أبعاد مختلفة نفسية وفكرية، تؤثر في الأحداث بطريقة فاعلة، ما يجعل هذه النّصوص أكثر دقة وحيويّة.

 

ــــــــــــــــ

1. جمال حسين علي، حبة بغداد: 404.

2. بيلي سوندرز، فن الأدب مختارات شوبنهاور، ترجمة : شفيق مقار: 10.

3. رامي هراطة، صهر البابا: 33.

4. عبد الله خليفة، رأس الحسين: 110.