الباحث: مرتضى غالب كامل
محافظة ذي قار
المصدر: مجلة الولاية – العدد 197 – الصفحة (99)
فاطمة الزهراء (سلام
الله عليها) هي بضعة النبي (صلى الله عليه وآله) ونور عينه وثمرة فؤاده يرضى الله
لرضاها ويغضب لغضبها وهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين كما جاء ذلك في
روايات الفريقين(1).
وللسيدة الزهراء (عليها
السلام) من الآثار ما دوّنته بطون الكتب وسجلته أقلام المؤرخين، ما دعا العلماء
والمحققين إلى الغوص في بحر علومها لإخراج درر كلماتها وغرر حكمها ونفائس مروياتها
ومكنون منزلتها وفضلها وتحليل مواقفها، على الرغم من صغر سنها؛ إذ رحلت عن الدنيا
وهي في ريعان شبابها وهذه الآثار ليست غريبة على الصديقة الزهراء(عليها السلام)،
التي لم تفارق أباها طيلة حياته المباركة فكانت(عليها السلام) تسمع منه أحاديثه
وأخباره وخطبه، وتتزود من فيوضات علومه، فينفتح لها من كل باب من العلم ألفُ باب،
ويستعرض المقال النزر اليسير من تلكم الآثار وبشكل موجز جداً، وبعدها ينتقل إلى
نوع آخر من الآثار وهو آثارها(عليها السلام) من جهة المكان واخترنا (الجامع
الأزهر) أنموذجا ؛ لأنه سمي بهذا الإسم تبركاً باسم سيدة نساء العالمين، وكما
سيأتي، ولأنه يعد من مفاخر مصر الزاهرة ومآثرها الباهرة، وثاني أقدم جامعة في
العالم، تخرج منه المئات من كبار العلماء والساسة، أمثال الشيخ محمد عبده وسعد
زغلول وغيرهما.
من آثارها
العلمية والفكرية:
1- مُسندها: ونعني به
الأحاديث التي روتها(عليها السلام) عن أبيها(صلى الله عليه وآله)، جمعها جلال
الدين عبد الرحمن السيوطي (ت 911هـ)، وهو من علماء العامة المعروف بمكانته في علوم
الحديث وطرقه ورجاله وطبقاته في كتاب أسماه (مسند فاطمة)، ومن جملة تلك الأحاديث
المعروفة والمتواترة التي روتها(عليها السلام) حديث الثقلين.
2- خطبها: كانت(عليها
السلام) آية كبرى في الفصاحة والبلاغة، قد حازت على الدرجات العلى في الخطابة
والأدب، وهي كبعلها أمير المؤمنين(عليه السلام) مشرّع الفصاحة وموردها ومنشأ
البلاغة ومولدها، وقد أثرت عنها(عليها السلام) أكثر من خطبة منها الخطبة التي
القتها في المسجد على مسامع الناس، بُعيد وفاة أبيها(صلى الله عليه وآله)، إذ
تُعدّ من أهمّ ما صدر عن لسان أهل البيت(عليهم السلام)، فهي تعتبر وثيقة تاريخية
متكاملة وميثاقاً مهماً للحق والعدل والحرية عبر التأريخ، وقد شملت على عديد من
الموضوعات، منها ((حمد الله والثناء عليه، التوحيد، علل الشرائع والأحكام، محاسن
الدين الاسلامي، إنجازات الرسول، الحديث عن القرآن، بيان انقلاب الحكم ضد آل
الرسول،.. وما إلى ذلك)) وقد تصدى غير واحد من العلماء والمحققين بشرح تلك الخطب،
منهم المرحوم الخطيب السيد محمد كاظم القزويني (قدس سره) في كتابه القيم (فاطمة
الزهراء من المهد إلى اللحد).
4- فقهها: هناك مسائل
فقهية من الممكن أن يتوصل إليها الفقيه، وذلك عن طريق كلمات وخطب الصديقة الطاهرة
فاطمة(عليها السلام)، وهذا ما فعله بعض العلماء منهم المرجع الديني الراحل السيد
محمد الحسيني الشيرازي(قدس سره) في موسوعته الاستدلالية في الفقه الإسلامي، قال في
مقدمة كتابه: إنّ السيدة الزهراء(عليها السلام) مجهولة قدراً ومهضومة حقاً، ولعل
من مصاديق مجهولية قدرها عدم الإستفادة من كلماتها وخطبها في (الفقه)(2)،
ولذلك قام (قدس سره) بتأليف هذه الموسوعة الفقهية التي بلغت (12) مجلداً.
5- درر من كلماتها:
تناقلت الكتب والموسوعات الحديثية كوكبة من درر كلماتها نذكـر منهـا :
ـ من أقوالها (عليها
السلام): (نحن وسيلته في خلقه، ونحن خاصته ومحل قدسه، ونحن حجته في غيبه، ونحن
ورثة أنبيائه)(3).
ـ وفي الإخلاص في
العبادة حيث تقول(عليها السلام): (من أصعد إلى الله خالص عبادته، أهبط الله عز وجل
له أفضل مصلحته)(4).
ـ ومن اقوالها(عليها
السلام): (ان كنت تعمل بما أمرناك وتنتهي عما زجرناك عنه، فأنت من شيعتنا، وإلا
فلا)(5).
ـ ومنها قولها(عليها
السلام): (فإني أشهد الله وملائكته أنكما اسخطتماني وما رضيتماني، ولئن لقيت النبي
لأشكونكما إليه)(6).
ـ وقولها(عليها السلام):
(أما والله لو تركوا الحق على أهله واتبعوا عترة نبيه، لما اختلف في الله اثنان،
ولورثها سلف عن سلف وخلف بعد خلف حتى يقوم قائمنا، التاسع من ولد الحسين)(7)،
إلى غير ذلك من كلماتها الذهبية .
آثارها(عليها
السلام)من جهة المكان:
ما تقدم
كان نزراً يسيرا من آثارها العلمية، وبشكل موجز جدا، وإلّا فآثار السيدة
الزهراء(عليها السلام) وأسرارها لا يمكن لنا أن نستوعبها، وأنّى للذرة أن تحيط
بالمجرة!؟ وإنما سميت (فاطمة) بهذا الاسم لأن الخلق فُطموا عن معرفتها، كما في
الحديث الشريف(8).
ولكن من باب ما لايُدرك
كله لا يُترك جله سنتحدث - وبإيجاز شديد - عن آثارها من الجهة المكانية، وسنسلط
الضوء على الجامع الأزهر، بوصفه أنموذجا على ذلك.
مصر قبل
الأزهر:
من المعلوم في التاريخ
أن مصر قد فتحت في زمن عمر بن الخطاب عام 18هـ على يد عمرو بن العاص، وبنى مسجده
المعروف اليوم باسم (جامع عمرو بن العاص)، وقد استقر بمصر كثير من الصحابة
والتابعين، وهاجر إليها الشافعي، وفيها درّس مذهبه، وقد انتشر المذهب الشافعي في
مصر على يدي الشافعي وتلاميذه، وقبل ذلك كان المذهب المالكي هو المشهور، وكانت
هناك محاولات لنشر المذهب الحنفي على يد القاضي إسماعيل الكندي، الذي ولّاه
العباسيون قضاء مصر، فعمل على نشر مذهب أبي حنيفة فيها، أما الحنابلة فكانوا
قليلين فيها.
خضعت مصر- أول الأمـــر
- للحكم الإسلامي في عهد الخلفاء، ثم لدولة بني أمية، ثم لدولــــة بني العباس.
واستقل أحمد بن طولون بمصر عن الخلافة العباسية، وكان قد ولي الحكم فيها
سنة 254هـ، وبنى فيها مسجده المعروف مسجد ابن طولون، ثم جاءت بعد الدولة الطولونية
الدولةُ الإخشيدية في مصر والشام، حتى فتح الفاطميون مصر وانتزعها جوهر الصقلي عام
358هـ، في عهد الخليفة الفاطمي المعز، وأخذ جوهر يبث الدعوة للمعز الفاطمي في مصر
خاصة ولأهل بيته من العلويين عامة، واختط مدينة القاهرة، وبنى الأزهر الشريف(9).
تأسيس
الجامع الأزهر وأصل التسمية:
الجامع الأزهر درة مفاخر
مصر، وأهم مساجدها على الإطلاق، ويعد ثاني أقدم الجامعات في العالم بعد جامعة
القرويين بفاس في المغرب، بحسب تصنيفات كتاب (غينيس) للأرقام القياسية(10)،
تُدرس فيه علوم القرآن والشريعة مع العلوم التطبيقية والأكاديمية، بُني في زمن
الدولة الفاطمية بعدما فتح مصر جوهر الصقلي قائد الخليفة الفاطمي "المعز لدين
الله" وشرع في بنائه يوم السبت لست بقين من شهر جمادى الأول سنة 359هـ (970م)
،وكمل بناؤه لسبع خلون من شهر رمضان سنة 361هـ، وكان الغرض من إنشائه أن يكون
رمزاً للسيادة الروحية للدولة الفاطمية، ومنبراً للدعوة التي حملتها هذه الدولة
الجديدة إلى مصر.
وقد كتبت جملة تذكارية
في الجامع الأزهر عند أو بعيد إنشائه بالخط الكوفي بدائر القبة، التي في الرواق
الأول إلى يمين المحراب والمنبر، وهذا نصها بعد البسملة: ((مما أمر ببنائه عبد
الله ووليه أبو تميم معد الإمام المعز لدين الله أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى
آبائه وأبنائه الأكرمين، على يد عبده جوهر الكاتب الصقلي، وذلك في ستين
وثلاثمائة)).
وقد أطلق على هذا المسجد
اسم الأزهر نسبة إلى فاطمة الزهراء(عليها السلام) التي ينتسب إليها الفاطميون(11).
ويرى المؤرخون أسباباً
شتى لإطلاق اسم الأزهر على جامع الفاطميين الأول في مصر، لكن الظاهر أن لفظة
(الأزهر) مشتقة من الزهراء(عليها السلام) لقب السيدة فاطمة ابنة الرسول(صلى الله
عليه وآله)، وكانت الدولة الفاطمية تنسب إلى السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)
كما سميت باسمها الدولة(12)، وبقي مذهب الشيعة منتشراً في مصر قضاءً،
وفي الأزهر دراسةً، إلى أن سقطت دولة الفاطميين على يد صلاح الدين الأيوبي.
مآثر
ومزايا:
وخلاصة القول: إن السيدة
فاطمة الزهراء(عليها السلام)، حبيبة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، لها عديد من
المآثر والمزايا التي انفردت بها(عليها السلام)، وقد روى الرواة من العامة والخاصة
أحاديث كثيرة في فضلها وأثرت عنها خطب وغرر من الحكم، في جوانب شتى من المعارف
الإسلامية، ولم تقتصر آثارها على فنون العلم والأدب والأخلاق، بل نشاهد آثارها
شاخصة إلى يوم الناس، وما الجامع الأزهر الذي بناه الفاطميون بمصر إلا شاهد حيّ
على تلكم الآثار، ولا غرابة في ذلك فإنها فاطمة وما أدراك مَن فاطمة؟.
والسلام عليها وعلى
أبيها وعلى بعلها وعلى أبنائها الطاهرين، ولعنة الله على من ظلمها وغصب حقها إلى
قيام يوم الدين.
ــــــــــــــــ
1- الحاكم
النيسابوري، المستدرك على الصحيحين:3/156.
2- محمد
الحسيني الشيرازي، من فقه الزهراء:1/6
3- ابن
أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة:16/211.
4-
الريشهري، ميزان الحكمة: 2/882.
5-
المجلسي، بحار الأنوار :65/155.
6- ابن
قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة: 1/20.
7- ابن
بابويه القمي، الإمامة والتبصرة: 1
8-
المجلسي، بحار الأنوار: 43/65.
9- د.
محمد عبد المنعم، د. علي صبح، الأزهر في ألف عام: 1/20
10-
ويكيبيديا.
11- د.
محمد عبد المنعم، د. علي صبح، الأزهر في ألف عام:1/29.
12- د.عبد
الفتاح مصطفى الأزهر الشريف، حارس الثقافة الإسلامية عبر القرون :230.