الشيخ بلال العبدلي الحسني
المصدر: مجلة الولاية – العدد 200 – الصفحة (18)
بعث الله نبيه الأكرم (صلى الله عليه وآله) رحمة للخلق، بل انه الرحمة المهداة من الله للخلائق جميعا، والمتتبع لآثاره الشريفة يجد فيها من المواقف ما يصعب عده وحصره، فقبل ظهور الإسلام وبزوغ الشمس الأحمدية كان(صلى الله عليه وآله) يُلقّب بالصادق الأمين؛ لما رأى أهل مكة في صدقه وأمانته، ومنها يوم أن اختلف العرب بعد بناء الكعبة على وضع الحج الأسود، وكاد الأمر أن يتطور إلى حرب بينهم، فقال لهم كبيرهم سناً نحتكم إلى أول رجل يدخل علينا، فوافقوا على هذا الاقتراح ،فكان (صلى الله عليه وآله) أول الداخلين عليهم، فقالوا: رضينا بالصادق الأمين حكما، فامر (صلى الله عليه وآله) برداء فبسطه ووضع الحجر الأسود بوسطه، وقال: ليمسك كل كبير قبيلة بطرف فيُحمل ويوضع في مكانه، بذلك يحصل الجميع على شرف رفع الحجر ووضعه مكانه، إن هذه دلالة واضحة على حكمته وحسن تعامله (صلى الله عليه وآله).
وفي قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[النحل: 125] فكان عليه وآله الصلاة والسلام رحيماً بخلق الله حريصاً على هدايتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور، استمرت دعوته الى الإسلام ثلاثة عشر عامًا، وكانت مرحلة التبليغ في مكة أكبر مرحلة في تاريخ الدعوة الإسلامية، إذ كانت مرحلة اتباع الرسول لتعلم الثقة بالله، فأمر بالمسامحة والصبر وعدم القتال وعدم رفع السيوف، وعدم حمل السلاح، فما قتل وما هجر وما أمر بأذية أحد، على الرغم من الأذى والشدائد التي مر بها هو وأهل بيته الكرام والمسلمون الأوائل، ومنها حصار شِعْب أبي طالب، ووفاة السيدة خديجة (رضي الله عنها)، ووفاة عمه وناصره أبي طالب (رضوان الله عليه).
وعند هجرته (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة المنورة، عمل على لمّ الشمل ووحدة الصف وتوحيد الجهود، فجاء بوثيقة المدينة، التي حفظت الحقوق وصانت الحرمات للمسلمين ولغيرهم، وهذا خير دليل على حرصه (عليه الصلاة والسلام) على إسعاد النفس البشرية، لا على أساس الدين أو المعتقد، وجاء في الروايات ((عادَ النبي (صلى الله عليه وآله) غلاما من اليهود مرض، فقعد عِندَ رَأسِهِ، فَقَالَ: أَسلِم، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِندَ رَأسِهِ، فَقَالَ لَه: أَطِع أَبَا القَاسِمِ، فأسلم، فقام النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يقول الحمد الذي أنقذه من النار))(1)، فأي قلب كقلبه وأي رحمة كرحمته.
وبعد دخوله (صلى الله عليه وآله) إلى مكة فاتحاً ماذا قال لمن آذوه وهجروه وقتلوا أحبابه خاطبهم بالقول: ((ما ترون أني فاعل فيكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء))(2).
لقد رحل (صلى الله عليه وآله) ودرعه مرهون عند يهودي، وهذا دليل آخر على التعامل مع الديانات الأخرى، بشرط الحفاظ على الثوابت الأساسية للدين، فقبول الآخر يُسهم بشكل كبير في إيضاح صورة سماحة الإسلام وحقيقته.
----------------------------------
1- العلامة الحلي، تذكرة الفقهاء: 2/126.
2- المجلسي، بحار الأنوار: 44/ ٥.