100%
لسانُ الأُمة

الرابط الحجاجي (ثمَّ) في خطاب السّيدة الزهراء (عليها السلام)

 

د . سحر المشهدي

جامعة الكوفة - الكلية التربوية المفتوحة

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 208 – الصفحة (84)

 

  لم تفرد الروابط الحجاجية بدراسة تامّة مستقلة عند القدماء، على الرغم من اهتمامهم بذكر أهمية التماسك في النص، فالربط والتماسك مزية اتصف بها الدرس النحوي في تراكيبه، فالربط والوصل هو سمة اللغة العربية (1).

 

 

وذكره النحويون (2) حين أشاروا إلى أهمية الربط في اللغة العربية، ولم يتخلَ البلاغيون عن حديثهم عنها، بل واصلوا الحديث عنه عن طريق الفصل والوصل، وحين نتابع المسير عند المحدثين، ومن بينهم الدكتور تمام حسّان، إذ يشير إلى دور المعاني والمباني في فهم العربية ومن بينها عملية الربط، فيقول:" قرائن التعليق اللفظية والمعنوية في النظام النحوي وعند قرينة الربط من القرائن اللفظية"(3).

 وبذلك نجده يتحدث عن القرائن التي اصطلح عليها تلاميذه من بعده بنظرية (تظافر القرائن)، وهي نظرية مهمة في الوصل بين التراكيب النحوية، وتعدُّ الخامسة في القرائن المقالية اللفظية بعد الإعراب والرتبة والصيغة والمطابقة ويتبعها التضام والأداة (4).

وتبعه عدد من المحدثين في الحديث عن أهمية الوصل، وقد أفادوا من المدارس الغربية اللسانية ، وعلى سبيل المثال لا الحصر د. عبد القادر الفاسي في كتابه (اللسانيات واللغة العربية)، فدرس نظرية الربط العاملي لدى تشومسكي(5).

وبذلك فإنّ الحجاج عامل مهم في عملية الربط، ويمثل وحدة لغوية تربط بين كل ملفوظين للوصول إلى نتيجة واحدة(6).

 

الانسجام داخل النص:

ولعل أبرز من مثّلها أبو بكر العزاوي فيقول:" ينبغي أن نميز بين صنفين من المؤشرات والأدوات الحجاجية، والروابط الحجاجية والعوامل الحجاجية، فالروابط تربط بين قولين، أو بين حجتين على الأصح، وتسند لكل قول دوراً محدداً داخل الاستراتيجية الحجاجية العامة، وهنالك العوامل الحجاجية  التي(لا تربط بين متغيرات حجاجية أي بين حجة ونتيجة أو بين مجموعة حجج، ولكنها تقوم بحصر وتقييد الإمكانات الحجاجية التي تكون لقول ما، وتضمّ مقولة العوامل أدوات من قبيل (ربما، تقريبا، كاد، قليلا،...) وجل أدوات القصر"(7).

  وأشار ديكرو وأنسكومبر وهما من أوائل الذين درسوا الوظائف الحجاجية للروابط اللغوية، وذلك ضمن دراستها في نظرية الحجاج اللغوي، وضمن تفصيلهما للتداولية المدمجة، وتعني اقتران الحجة بالنتيجة، ويرى بأنّها تضفي قوة حجاجية في القول(8).

فالحجاج فعل لغوي يؤشر بروابط وأدوات مهمته، ودلالته الاصلية توجيه الملفوظ وجهة حجاجية(9).

 وهي وحدات خطابية تهدف إلى تحقيق الأنساق، ولا تقف عند هذه الحدود، بل تهدف إلى تحقيق تداولية حجاجية يسعى القائل أو الزائر؛ لتحقيقها.

  ورأى الباحثان آنفا الذكر أهمية الوجهة الحجاجية في البنية اللغوية وتأثيرها في إحداث الانسجام داخل النص، وفيها تتحقق مستويات للبنية من حيث القوة والضعف، فتمثل مؤشرًا رئيسًا ودليلًا قاطعًا على الحجاج، فتنشأ علاقات بين الحجج ونتائجها في صورة تتناسب مع السياق اللغوي للمتلقي(10).

وعلى سبيل المثال لا الحصر ما يحدثه أثر الاستثناء المفرغ والنفي أو الجزاء والشرط، وهذه الروابط قد تتصل بالوظيفة النحوية من حيث أنّها وحدة معجمية مستقلة مثل: حروف الاستئناف وبعض الظروف كـ(كل وبعض وجميع)، وحروف التقليل أو قط وأبد، ومن بين المفكرين المعاصرين ظهر أبو بكر العزاوي وهو يتحدث عنها فيقول:" الروابط الحجاجية تربط بين قولين أو بين حجتين على الأًصلح أو أكثر، وتسند لكلّ قول دورا محددا داخل الاستراتيجية الحجاجية العامة"(11).

وعُرفت بأنّها:" علاقة لسانية تربط بين غرضين لغويين داخل المقولة نفسها "(12).

ومكوناتها لغوية تحاول الربط بين وحدتين دلاليتين لإحداث استراتيجية حجاجية فتسمح للربط بين المتغيرات الحجاجية(13).

   والروابط الحجاجية تهتم باتساق النص، فهي آليات لغوية هدفها بيان البنية العميقة في النص أو الخطاب أو الرسالة، وتربط بين مجموع الحجج وأحياناً بين الحجج ونتائجها؛ لتوجيه الحجاج نحو غاياته المقصودة، وقد تضمن دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عرفة بهذه الروابط فأحدث التأثير في الإقناع، وأضفت أدواته سماتها الحجاجية ليبلغ الإمام (عليه السلام) هدفه المنشود في الوحدة والدعوة والإقناع.

 

(ثمّ) في خطاب الزهراء(عليها السلام):

   وقد تنوعت الروابط الحجاجية بالنسبة إلى عملها، فكل لها مهام خاصة أو وظيفة معينة يؤديها، ووظيفتها تنظيم النص وربط بعضه ببعضه الآخر، ومن أنواع الروابط الحجاجية التي وردت في خطاب سيدتنا الزّهراء (عليها السلام) الرابط العطفي الحجاجي (ثم)

فالقاعدة الرئيسة التي تقوم عليها الروابط الحجاجية تقوم على قاعدة مفادها

الرابط الحجاجي=الوظيفة اللغوية الوظيفة التداولية الحجاجية،(وهو عامل الإقناع بالمضمون).

فكل رابط حجاجي يقوم بمهمتين:( وظيفته اللغوية زيادة على وظيفته التداولية الخاصة بالحجاج) وهما يمثلان عنصرين رئيسين في الإقناع عند المتلقي أو السّامع.

وهو رابط حجاجي عدّه أهل اللغة من الحروف الهوامل، فائدته التشريك والعطف بين المتعاطفين (14)، فالثاني يأتي متأخرًا عن الأول مما يفضي إلى مهلة معينة.

أما حجاجيًا، فعملها الجمع بين مقولتين متباعدتين ضمن استراتيجية واحدة، فالربط فيها مع عناصر غير متجانسة، اي على العكس من الواو (15).

ويقع المعطوف بعد انقضاء مدة متروك قياسها زيادة على صعوبة وضع رابط يحدد تلك المدة الطويلة داخل السياق (16).

 ويفيد هذا الحرف التراخي والمهلة بين قضيتين متباعدتين، ويرتب بين الحجج؛ لذا نجد هذا الرابط يتردد في خطاب السيدة الزهراء (عليها السلام)، فتقول:" ابْتَدَعَ الأْشَياءَ لا مِنْ شَيْءٍ كانَ قَبْلَها، وَأَنْشَأَها بِلا احْتِذاءِ أَمْثِلَةٍ امْتَثَلَها، كَوَّنَها بِقُدْرَتِهِ، وَذَرَأَها بِمَشِيَّتِهِ، مِنْ غَيْرِ حاجَةٍ مِنْهُ إلى تَكْوينِها، وَلا فائِدَةٍ لَهُ في تَصْويرِها إلاّ تَثْبيتاً لِحِكْمَتِهِ، وَتَنْبيهاً عَلى طاعَتِهِ، وَإظْهاراً لِقُدْرَتِهِ، وَتَعَبُّداً لِبَرِيَّتِهِ، وإِعزازاً لِدَعْوَتِهِ، ثُمَّ جَعَلَ الثَّوابَ على طاعَتِهِ، وَوَضَعَ العِقابَ عَلى مَعْصِيِتَهِ"(17).

وهنا أدّى الحرف (ثمّ) وظيفته الحجاجية المتمثلة بـ (الترتيب والتراخي الزمني)، وكان الحديث عن خلق الإنسان والنتيجة أو المحصّلة النهائي ما يتحصل من ثواب أو عقاب على قدر الأعمال، ولا يأتي بدرجة واحدة، بل يتدرج عن طريق مسلمات أو مراحل تتابع فيما بينها، لتصل من الأضعف إلى الأقوى.

 وقد ورد الرابط بشكل جلي في الخطبة الفدكية، وقام بدور كبير زيادة على وظيفته النحوية من ربط بين الجمل، وكأنّه يريد الانتقال بالسّامع أو المتلقي بالوصول إلى النتيجة، فترتبت الحجج منطقيًا على وفق السلم التراتبي الآتي :

ووضع العقاب على معصيته ( نتيجة 2)

جعل الثواب على طاعته ( نتيجة 1 )

 ثمَّ

مِنْ غَيْرِ حاجَةٍ مِنْهُ إلى تَكْوينِها، وَلا فائِدَةٍ لَهُ في تَصْويرِها (لو فرضنا حاجته لا تكمن الألوهية) ق3

مِنْ غَيْرِ حاجَةٍ مِنْهُ إلى تَكْوينِها (حاجة وفائدة) ق2

كَوَّنَها بِقُدْرَتِهِ، وَذَرَأَها بِمَشِيَّتِهِ (قدرة ومشيئة) ق 1

   كما أنّ التقابل الدلالي بين (الطّاعة والمعصية والثواب والعقاب) أدّى مهمته الوظيفية بعد أن تحدث عن القاعدة الأولى، المتمثلة بالقدرة والمشيئة، والقاعدة الثانية التي تتحدث عن الفائدة، والقاعدة الثالثة التي تقول بأنّه لو فرض حاجته لم تكن له مطلق الألوهية، وكلّ تلك القواعد أدّت عبر التراخي والإمهال في الحرف الحجاجي (ثم) إلى نتيجة مفادها الحديث عن عاقبة دينية ودنيوية هي: الثواب = الطّاعة والعقاب = المعصية، وهذا ما تحدث عنه القرآن الكريم.

 وتقول في موضع آخر من الخطبة:" فأنار الله بمحمدٍ ظُلمها وكشف عن اللوب بُهمها وجلّى عن الأبصار غُممها، وقام في الناس بالهداية، وأنقذهم من الغواية،...ثُمَّ قَبَضَهُ اللهُ إليْهِ قَبْضَ رَأْفَةٍ وَاختِيارٍ، ورَغْبَةٍ وَإيثارٍ بِمُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) عَنْ تَعَبِ هذِهِ الدّارِ في راحةٍ"

عَنْ تَعَبِ هذِهِ الدّارِ في راحةٍ ( نتيجة 2)

قَبَضَهُ اللهُ إليْهِ قَبْضَ رَأْفَةٍ وَاختِيارٍ ورَغْبَةٍ وَإيثارٍ ( نتيجة 1)

 ثمَّ

ودعاهم إلى الطريق المستقيم ــــــــــ ق4

وهداهم إلى الدين القويم ـــــــــــــ ق 4

وبصرهم من العماية ـــــــــــــــــــ ق3

وأنقذهم من الغواية ـــــــــــــــــ ق2

وقام في الناس بالهداية ـــــــــــــ ق 1

وهنا تمّ العطف عبر رابط العطف الحجاجي(ثم) بعد أن تبين المقولات في إرسال الرسول الأمين (صلى الله عليه وآله) بعد أن أتمّ رسالته على أتمّ وجه وأكمله ،وقد مهدّت لتلك النتيجة عن طريق بناء القواعد الأٍساسية(التعريف به وبيان فضله وخيره)؛ لتكون بعد ذلك النتائج النهائية، ونلحظ الترتيب الحجاجي في الزمن وتبيين مراحل الانتقال من الرسالة، وإخراج الناس من الظلام الى النور بنتائج مهمة، تبين بعدها انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

فقد أثّر الترتيب الزمني في وجود نتائج مرحلية في إتمام الرسالة وتأدية الأمانة مهدّت للسّامع، وكأنّها تتحدث عن رحلته الطويلة بأسلوب حجاجي موجز، فقد (هدى وأنقذ وبصر ودعا)، وهي مقولات متعددة، أفضت إلى أن الله تعالى اختاره بعد تمم كل ما سبق، ليلتحق به وهي سنته من خلق الخلق، فأختاره (رأفة واختيارا ورغبة وإيثارا)؛ ليرتاح بعد أن أكمل ما كُلف به من تعب الحياة الدّنيا، وتستمر بحديثها الحجاجي؛ لتروي لنا تغير حال القوم بعد وفاته، بمدة قصيرة وهو ما زاد الحجاج قوة فهم يشعلون الفتنة فهي تتهمهم بأنّهم رجعوا إلى عاداتهم فتقول:" وَكِتَابُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، أُمُورُهُ ظَاهِرَةٌ، وَأَحْكَامُهُ زَاهِرَةٌ، وَأَعْلَامُهُ بَاهِرَةٌ، وَزَوَاجِرُهُ لَائِحَةٌ، وَأَوَامِرُهُ وَاضِحَةٌ، وَقَدْ خَلَّفْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، أَرَغْبَةً عَنْهُ تُرِيدُونَ؟ أَمْ بِغَيْرِهِ تَحْكُمُونَ؟ (بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً)، (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ثُمَّ لَمْ تَلْبَثُوا الاّ رَيْثَ أنْ تَسْكُنَ نَفْرَتُها، وَيَسْلَسَ قِيادُها ثُمَّ أَخّذْتُمْ تُورُونَ وَقْدَتَها، وَتُهَيِّجُونَ جَمْرَتَها)" 

وَتُهَيِّجُونَ جَمْرَتَها  نتيجة 2

أَخّذْتُمْ تُورُونَ وَقْدَتَها  نتيجة 1

  ثمَّ ــــــــــــــــــــــ رابط حجاجي 2

وَيَسْلَسَ قِيادُها ( نتيجة 2   ق 1)

لَمْ تَلْبَثُوا الاّ رَيْثَ أنْ تَسْكُنَ نَفْرَتُها ( نتيجة 1)

 ثمَّ ـــــــــــــــــــــــ رابط حجاجي 1

قَدْ خَلَّفْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، أرَغْبَةً عَنْهُ تُرِيدُونَ؟ أَمْ بِغَيْرِهِ تَحْكُمُونَ؟ ق1

وهي تربط السلم الحجاجي باستعارة مكنية بليغة، فتصوّر الحالة السياسية السائدة، فتحاكي حالهم، وهم يعرفون علم اليقين كتاب الله تعالى، ويحكمون به وراء ظهورهم لا يعملون به، لتأتي بنتيجة مفادها الفتنة، وتجعل تصوّير تلك الفتنة بأنّها دابّة تنفر ممّن يقودها، وهي صورة المجتمع القائم بعد وفاة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وقد كان بإمكان المجتمع القائم تهدئة تلك الدّابة وترويضها. 

----------------------

  1. ابن الأنباري، أسرار العربية : 219 .
  2. كسيبويه (ت 180 هـ)، وابن السراج(ت 316هـ)، والفارسي(ت 377 هـ)،وابن جني(ت 392 هـ) والزمخشري(ت 538هـ) وابن يعيش(تت 643 هـ)، وابن الحاجب (ت 646هـ)، وابن عصفور الأشبيلي(ت 669 هـ)، والرضي(ت 686 هـ)، وابن هشام الانصاري(ت 761 هـ)، ومن بعده ابن عصفور وابن هشام، وغيرهم.
  3. تمام حسّان، اللغة العربية معناها ومبناها: 213 ـ 216.
  4. عمار شلواي، نظرية تضافر القرائن (عرض ومناقشة ) :  263 .
  5. عبد القادر الفاسي، اللسانيات واللغة العربية: 35
  6. المصدر نفسه.
  7. أبو بكر العزاوي، اللغة والحجاج : 30   .
  8. عز الدين الناجح، العوامل الحجاجية  في اللغة العربية: 29.
  9. ظ: أبو بكر العزاوي، الحجاج في اللغة : 376 .
  10. ظ : أبو بكر العزاوي، اللغة والحجاج : 25  .
  11. المصدر نفسه.
  12. رضوان الرقبي، الاستدلال الحجاجي التداولي وآليات اشغاله : 103 .
  13. ابتسام صغيور، دور الروابط الحجاجية وأثرها في الانسجام النصّي: 2.
  14. المرادي،الجنى الداني: 326.
  15. أبو بكر العزاوي، اللغة والحجاج : 29.
  16. عباس حسن، النحو الوافي 3 : 413.
  17. ابن ابي طاهر ، بلاغات النساء: 26 .