م.م هبة سليم عباس
جامعة الكوفة / كلية الآداب
المصدر: مجلة
الولاية – العدد 196 – الصفحة (96)
يعد تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة في مكة أحد أبرز
الأحداث المفصلية في التاريخ الإسلامي، لما يحمله من ابعاد دينية وعقدية وسياسية،
فالقبلة ليست مجرد اتجاه في الصلاة بل هي رمز روحي مكثف لمعاني الوحدة والهوية
الجماعية للأمة الإسلامية، وقد مثّل هذا التحول علامة فارقة في مسار الدعوة
الإسلامية، إذ مثّل إعلانًا علميًا في استقلال المسلمين عن غيرهم من أهل الملل،
وترسيخًا لمركزية مكة المكرمة، باعتبارها مهوى أفئدة المسلمين ومنطلق رسالتهم.
دلالة القبلة في الإسلام:
للقبلة مكانة عظيمة في الدين الإسلامي لارتباطها بكثير من الأحكام الشرعية
ومن أبرزها الصلاة، والذبح، ودفن الميت، وقضاء الحاجة، فمعرفتها ومعرفة الأحكام
المنوطة بها فرض على كل مسلم(1) فالقبلة ليست مجرد اتجاه جغرافي
للصلاة، بل هي رمز عقدي وحضاري يمثّل وحدة الأمة الإسلامية، ويرسخ شعور الانتماء
إلى جماعة واحدة رغم تباعد الأمصار وتنوع الأعراق، فهي تربط المسلمين بإرث التوحيد
الذي دعا إليه ابراهيم الخليل(عليه السلام) وتؤكد أن الاسلام امتداد للرسالات
السماوية، فضلا عن أنها تجسّد قيمة الطاعة والانقياد لأمر الله تعالى، من دون أي
اعتراض أو تعلق بعصبيات قومية او تاريخية، وتعد القبلة أيضًا مركزًا روحيًا
للمسلمين يبرز مكة المكرمة بوصفها محورًا حضاريًا ودينيًا يجتمع حوله المسلمون في
عبادتهم وشعائرهم، ويؤكد خصوصية الأمة الإسلامية واستقلالها عن غيرها من الأمم،
فيجعل منها رمزًا خالدًا للتوحيد وهويتها الدينية.
الخلفية
التاريخية للتحويل:
منذ بعثة النبي محمد(صلى الله عليه
وآله) كان المسلمون يتوجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس، وقد استمرت هذه الحال نحو
ستة عشر شهرا بعد الهجرة الى المدينة، بحسب ما تؤكد كتب السيرة والحديث(2)
وكان لهذا الاختيار رمزيته في التقارب مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى، بوصفهم
أهل ديانات سماوية سابقة، إلّا أن الكعبة المشرفة كانت، منذ عهد النبيين: إبراهيم
واسماعيلࡽ، البيت الاول للعبادة إذ قال تعالى ﴿إِنَّ أَوَّلَ
بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾[آل
عمران:96] ان المكان التاريخي والروحي للكعبة جعل منها رمزا عريقا في نفوس العرب
حتى قبل الإسلام، إذ كانت القبلة التي يطوفون حولها ويعلّقون عليها أنسابهم
ومواثيقهم، ومن هنا جاء التحويل بمثابة إعادة الأمة إلى أصلها الابراهيمي، وتذكر
الروايات التاريخية أن عملية التحويل كانت في النصف من شهر شعبان في السنة الثانية
للهجرة، أي حوالي 624 ميلادي، في حين تذكرها بعض الروايات في النصف من رجب، وقد
اختلف المؤرخون في تحديد أول صلاة صلاها رسول الله(صلى الله عليه وآله)، لكن
المتفق عليه هي صلاة العصر، بدليل تأخر وصول الخبر عن أهل قباء الى صلاة الفجر(3).
الحكمة من تحويل القبلة:
اولا: الاستقلال بهوية الأمة عبر التخلص من رواسب
الجاهلية:
لقد كان العرب في جاهليتهم يعظمون البيت الحرام، ويعتزون به بوصفه رمزًا
لمجدهم القومي وتاريخهم المتوارث، فجاء الإسلام ليحرر النفوس من هذه العصبيات
الجاهلية، وليجرد القلوب من كل تعلق بغير الله تعالى سواء تعلق بالأرض أم بالتاريخ
أم بالأنساب، ومن أجل ذلك وُجّه المسلمون أول الأمر إلى المسجد الاقصى ليظهر أن
الاتجاه في العبادة ليس امتدادًا لميراث جاهلي ، بل هو أمر ديني محض، ثم جاء الأمر
الإلهي بالتحول إلى البيت الحرام ليختبر حقيقة الإيمان في النفوس، وليمحّص
الصادقين في اتّباع الرسول(صلى الله عليه وآله) اتباعًا مجردًا من كل مؤثرات أخرى،
وليخلص الأمة من رواسب الجاهلية وظاهر العصبية، مهما كان شأن الكعبة عند العرب قبل
الاسلام(4).
ثانيا: رسم خارطة المقدسات، ولفت الانظار لتحرير المسجد
الاقصى:
إن اعتماد بيت المقدس القبلة الأولى للمسلمين جاء في حقبة كان الرومان يسيطرون
فيها عليه، ما يشير إلى أن الإسلام يربط بين المقدسات كلها، ويُشعر الأمة بضرورة
العمل يومًا على تحريره، ومن هنا يمكن القول: إن التوجه لبيت المقدس كان تكليفًا
إشاريًا يحمل في طياته معنى الارتباط التاريخي الروحي بين المسجد الحرام والمسجد
الأقصى، بما يعزز وحدة العقيدة ويربط حاضر المسلمين بماضي الأنبياء(عليهم السلام)(5).
أسباب تحويل القبلة:
أولا: الأمر الإلهي المباشر:
ورد النص القرآني واضحًا في قوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً
تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾[البقرة-144]، إن
هذا النص يبين أن التحويل كان استجابة لطلب النبي محمد(صلى الله عليه وآله)، إذ
كان يرتقب الأمر، ويكثر من النظر الى السماء انتظارا للوحي فقد ابتلى رسول
الله(صلى الله عليه وآله) وأصحابه في سبيل الدعوة إلى الله أشد البلاء، فكان
بلاؤهم في حادثة تحويل القبلة بلاءً عظيمًا، فبعد الإضرار في الدين والبعد عن
الأهل والتنازل عن الأملاك ومحاولة تأسيس مجتمع راسخ بالإيمان، ينطلق الأعداء
بكامل تسلطهم وسفههم لإكمال المحنة بالتشويش وبث الشكوك وتشويه صورة الإسلام،
فتوجه المؤمنون نحو بيت المقدس من دون قبلة أبيهم إبراهيم(عليه السلام)، إذ جعل
الأعداء يخوضون في قبلة المسلمين نحو بيت المقدس، فقال اليهود إن محمدًا (صلى الله
عليه وآله) خالف قبلة الأنبياء قبله ولو كان نبيًا لكان يصلي إلى قبلة الأنبياء،
أما المشركون فقالوا رجع إلى قبلتنا، فيوشك ان يرجع إلى ديننا، وما رجع إليها إلّا
أنه الحق، أما المنافقون فقالوا ما يدري محمد(صلى الله عليه وآله) أين يتوجه فزاد
البلاء والكرب على رسول الله(صلى الله عليه وآله)، إلّا أن الإيمان كان سيد الموقف
وعماد القلوب، فكان ثباتهم دليلًا على قوة إيمانهم، فكان جوابهم أن سمعنا وأطعنا ﴿آمَنَّا
بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾[آل عمران: 7]، فكان الهدف الالهي من تحويل
القبلة هو تأكيد استقلال الأمة الإسلامية وقطع أي لبس حول علاقتها بالديانات
السابقة، فالتحويل أصبح بمثابة إعلان عملي واضح على أن الإسلام دين مستقل، له
رموزه وشعائره الخاصة، وأن المسلمين أمة قائمة بذاتها(6).
ثانيا: الاستقلال العقدي عن أهل الكتاب :
إن تحويل القبلة من المسجد الأقصى الى الكعبة المشرفة في مكة لم يكن قرارًا
مجردًا أو فكرة حان تطبيقها، بل جاء الأمر الرباني رحمة لنبينا محمد(صلى الله عليه
وآله) وللأمة الإسلامية في وقت كان المسلمون أشد حاجة الى إثبات تفردهم عن غيرهم
وإثبات قوتهم وقدرتهم، إذ إن المجتمع الإسلامي يتأهب ويتطلع لتحرير بيت الله
الحرام من الأوثان، فجاءتهم البشارة من الله انها قبلتكم ووجهتكم ومثابكم العائدون
إليه، فعزز التحويل من الوعي الجماعي والمسؤولية المشتركة في مواجهة التحديات
الدينية والاجتماعية والسياسية، إذ أصبح كل فرد من المجتمع يشعر أنه جزء من منظومة
إيمانية واحدة(7).
ثالثا : قبلة إبراهيم:
مثّل تحويل القبلة باتجاه الكعبة المشرفة نعمة قد منّ الله تعالى بها على
المسلمين وتحررًا من هيمنة اليهود والنصارى، فعملية التحويل جسّدت استعادة الهوية
العقدية الأصيلة التي أرساها إبراهيم الخليل(عليه السلام)، التي جاء الإسلام
ليؤكدها ويجعلها محور وحدة الأمة(8).
المواقف وردود الأفعال:
سجلت كتب التاريخ والسيرة ردود أفعال مختلفة على تحويل القبلة، فمن حيث أهل
الكتاب قطعت حججهم، التي كانوا يتحججون بها، باستقبال الرسول لقبلتهم رغم معرفتهم
التامة بأنه سيصرف الى قبلة إبراهيم(عليه السلام)، فبقاؤه في اتجاه الصلاة الى بيت
المقدس طعن في نبوته على حد اعتقادهم، أما المشركون فقد قالوا اشتاق الرجل الى بيت
أبيه ودين قومه، وأنه (صلى الله عليه وآله) سيرجع إلى دينهم، إلّا أن الله تعالى
قد دحض حججهم تلك بقوله تعالى ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾[البقرة:
150]، لاسيما بعد أن وجه بعضهم أي المشركين حجة داحضة حين قالوا: إن هذا الرجل
يزعم أنه على دين إبراهيم(عليه السلام) فإن كان توجه على ملة إبراهيم، فلِمَ رجع
عنه؟ والجواب: أن الله تعالى اختار التوجه إلى بيت المقدس لما له تعالى في ذلك من
الحكمة، فأطاع ربه تعالى في ذلك، ثم صرفه إلى قبلة ابراهيم(عليه السلام) فامتثل
صلوات الله وسلامه عليه مطيعًا لله في جميع أحواله، لا يخرج عن أمر الله طرفة عين،
وقد أتمّ الله نعمته على الأمة الإسلامية باستقبال الكعبة، لتكتمل بذلك الشريعة
الإسلامية من جميع وجوهها، وليدرك العالم ان للأمة الاسلامية خاصية ليست كباقي الأمم(9).
الهوية الإسلامية:
إن حادثة تحويل القبلة لم يكن مجرد أمر تعّبدي، بل هو إعلان واضح وصريح عن
اكتمال شخصية الأمة الإسلامية وتأكيدًا لمبدأ الاستقلال الحضاري الذي يميزها عن
غيرها، ويمنحها خصوصيتها العقدية والرسالية عبر مرور الزمن فضلًا عن ذلك فقد اعادت
وصل المسلمين بجذورهم الى النبي إبراهيم (عليه السلام)، ورسّخت استقلالهم الديني
والثقافي عن الأمم السابقة، وعن طريق هذا التحول تبلورت ملامح الهوية الإسلامية
المتميزة القائمة على التوحيد الخالص والانتماء إلى بيت الله الحرام، بوصفه رمز
الوحدة ومركز الأتجاه الروحي للمســلمين. ــــــــــــــــ
1. وجدان سالم فالح واخرون، المضامين التربوية المستنبطة من نصوص حادثة
تحويل القبلة في الجانب العقائدي، المجلة العربية للعلوم التربوية والنفسية:
6/755.
2. الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القران: 411.
3. محمد بن محمد عواجي، اهتمام الرسول(صلى الله عليه وآله) بالجانب العقدي،
مجلة مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة: 39/26
4. سيد قطب، في ظلال القرآن، القاهرة : 1/ 116-118.
5. محمد بن محمد الأسطل، حادث تحويل القبلة، الرسالة الخامسة عشر:5-7 .
6. وجدان سالم فالح وآخرون، المصدر السابق :761.
7. السيد جعفر مرتضى العاملي، الصحيح من سيرة النبي الاعظم: 5/ 331-334.
8. وهبة الزحيلي، التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج: 29-36.
9. ابن كثير، تفسير القران العظيم :221.