100%
الصِّراطُ المُستقيم

أثر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في بناء المجتمع

أ.م. د سحر ناجي فاضل المشهدي

الكلية التربوية المفتوحة / مركز النجف الدراسي

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 198 – الصفحة (51)

 

قدّم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) تصورًا مبكرًا لبنية المجتمع ووظائف طبقاته، وقد سبق بذلك كل ما قدمه مفكرو الغرب بقرون عدة، فقد أكّد (عليه السلام) أنّ تماسك المجتمع يقوم على تكامل الأدوار بين فئاته كافة، لا على إلغائها، وأنّ العدالة هي الضامن لاستقامة هذا البناء.

ويتجلّى ذلك بوضوح في عهده (عليه السلام)لعامله على مصر مالك الأشتر، إذ يقول (عليه السلام) موضحًا طبيعة البناء الاجتماعي الهرمي ووظائفه: ((اعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لَا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْض..))(1)، ففي هذا النصّ يكشف أمير المؤمنين (عليه السلام)رؤية متقدمة يعتبر فيها المجتمع كيانًا هرميًّا متكاملاً، تقوم قوته على التعاون بين طبقاته، وهذه الرؤية سبقت كثيرًا من النظريات الاجتماعية الحديثة.

 

البناء الهرمي للمجتمعات:

يعتقد علماء الغرب بأن لهم الأفضلية في وضع البناء الهرمي للمجتمعات، فقد وضع عالم النفس الأميركي أبراهام ماسلو Abraham Maslo عام 1908 هرمه الموسوم بـ(هرم ماسلو أو موسلو)، ومن هذا الهرم نال شهرة واسعة، وتعد نظريته في تحقيق الذات للفرد فوضع هرم لكل إنسان واحتياجات يلبيها؛ فوضع نظرية في تصنيف حاجاته ابتداءً من حاجاته الأساسية وانتهاءً بالتكاملية، وهي النظرية التي نسبت إلیه باسمه؛ فالمدارس الفكرية في عصره ركزت على السلوك البشري، وحاول أن یعرف ما یجعل الإنسان سعیداً، وتوصل في نهاية تجربته إنّ الحاجة الضرورية أو الهدف الأسمى لتحقيق الذات يسبقه تلبية لحاجات أخرى.

وعلى سبيل المثال لا الحصر حاجة الفرد إلى الماء تسبقها حاجته للتواصل الاجتماعي (الأسبقيّة)، واقترح أوسلو خمسة أنواع رئيسة من حاجات الإنسان، وهذا يختلف عن آلاف الحاجات التي اقترحها الباحثون الآخرون كما أنها أقل من الحاجات التي عرّفها موراي في نظريّته.

فقد اختصر ماسلو الحاجات إلى مجموعةٍ صغيرة وهذه الحاجات الخمس وهي:

(حاجات البقاء - الحاجات الفيزيولوجية): وهي الحاجات الإنسانيّة الأساسيّة، وتتضمّن الحاجة للطعام والشراب والهواء والمأوى والنوم.

(حاجات الأمان): هذه الحاجات الّتي تحمي حرّيّة الفرد من الخطر، وتعني مواجهة المخاطر الوجوديّة؛ مثل: الظروف البيئيّة الشديدة(الرياح والبرد والمطر والشمس) والخوف والاعتداء من الآخرين.

(الحاجات الاجتماعيّة): تمثل هذه الحاجات رغبة الإنسان بأنّ يتلقّى العطف والمحبّة من الآخرين.

(الحاجة للتقدير): وتعني الرغبة في الإنجاز والقوّة والكفاءة والثقة والاستقلاليّة.

(الحاجة لتحقيق الذات): وهذه الحاجة لا يمكن إشباعها أبدًا بشكل كامل، فتحقيق الذات والرغبة في إشباعها، وبذلك فإن الفكر الغربي جعل المستوى الفردي هو الأهم، وماسلو (مازلو) حاول أن يتبع هرمه ويكمله وفق تصوره الخاص؛ فربط بين علم النفس والسياسة، فجعل الديمقراطية جزءًا أساسيًا من التمتع بالسلامة النفسية والعقلية للفرد وحاول أيضاً تبسيط الحاجات.

ووفقاً لرأيه فإنَّ كل واحد من مائة شخص قادر على تحقيق ذاته، فالمجتمع برأيه يكافئ الدافع ويبني ذلك على احترام الذات(2).

أمّا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)فقد قسّم طبقات المجتمع الإسلامي قائلاً:((فَمِنْهَا جُنُودُ الله، وَمِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَمِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْل، وَمِنْهَا عُمَّالُ الْإِنْصَافِ وَالرِّفْقِ، وَمِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ، وَمِنْهَا التُّجَّارُ وَأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ، وَمِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَكُلٌّ قَدْ سَمَّى اللَّهُ لَهُ سَهْمَهُ))(3).

ثمّ يبدأ بتفصيل هذه الطبقات من المجتمع، فيقول (عليه السلام): ((فَالْجُنُودُ، بِإِذْنِ الله، حُصُونُ الرَّعِيَّةِ، وَزَيْنُ الْوُلَاةِ، وَعِزُّالدِّينِ، وَسُبُلُ الْأَمْنِ، وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِهِمْ))(4).

يبدأ (عليه السلام) بأعظمهم أثراً، وهم حماة الوطن والمدافعون عنه ضد الاعتداءات الخارجية، بدأ بـ(الجنود): ((فالْجُنُودُ بِإِذْنِ الله حُصُونُ الرَّعِيَّةِ وَزَيْنُ الْوُلَاةِ وَعِزُّ الدِّينِ وَسُبُلُ الْأَمْنِ وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِهِمْ)).

(أهل الخراج): ((ثُمَّ لَا قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلَّا بِمَا يُخْرِجُ الله لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ)).

(القضاة والعمال والكتّاب): ((ثُمَّ لَا قِوَامَ لِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ إِلَّا بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَالْكُتَّابِ)).

(التجار وذوو الصناعات): ((وَلَا قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إِلَّا بِالتُّجَّارِ وَذَوِي الصِّنَاعَاتِ)).

ثم (الطبقة السفلى): ((ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ)).

فقد قسّم الإمام (عليه السلام) بناء المجتمع - بحسب علم النفس الإداري- على وفق بناء هرمي تنظيمي يحدد فيه الطبقات الرئيسة للمجتمع، كلٌّ بحسب دوره ومنصبه ومستواه ووظيفته.

ووفقاً لما تقدم يتبين لنا أنّ الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) وضع ترتيباً لطبقات المجتمع، وهذا يعني أنّ كل فرد من هذا المجتمع له موضع ومسؤولية وحقوق، حتى الفقير والمسكين والمريض ومن أسماه (الزّمنى).

 

بناء المجتمع في ضوء عهد الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر:

بالمقارنة بين البناءين يتضح أن أمير المؤمنين (عليه السلام) وضع في قمة البناء الهرمي (الجنود)، فأدرك بأنّ حاجة المجتمع الأساسية حماية البلاد من الاعتداء الخارجي، فالحاجة الى (أمن البلاد) هو أُولى متطلبات بناء المجتمع؛ في حين وضعه ماسلو في الطبقة الثانية؛ لتقديمه الحاجات البيولوجية الفردية من (طعام وغذاء وشراب ... وما إلى ذلك).

وقد اهتم الإمام (عليه السلام) بصلاح الفرد والمجتمع، ففي تشريع الأحكام وسنّ القوانين ثمة بناء لأرضية صالحة في سبيل القضاء على الطبقية؛ لتحقيق العدل بين الجميع، وقد أولى الإمام(عليه السلام) طبقة العمال أهمية كبيرة بالأخذ بالكفاءة والجهد؛ فالأجر مقابل عملهم؛ أما ماسلو فقد عبّر عن أنّ العامل لا يقوى على إشباع حاجاته الفيزيولوجية لذلك لم يول للعمل الجماعي أهمية ولم ينظر إلى راحته(5).

يتضح لنا فيما سبق أن أمير المؤمنين(عليه السلام)كان من أوائل المفكرين الذين قدّموا تصورًا شاملًا ومهماً لبنية المجتمع الهرمية، فهو تصور قائم على العدالة الاجتماعية والتكامل بين طبقاته المختلفة، وأنّ هذه الفكرة ليست مجرد رؤى نظرية بل تطبيقيّة، فقد وضع الإمام علي (عليه السلام) المبادئ الأساسية لإدارة المجتمعات ورفاهيتها، مؤكدًا أن النظام الاجتماعي لا يكون صالحًا إلا عندما تتكامل أدوار الطبقات في إطار من التعاون والتوازن فيما بينها لتكامل بناء المجتمع.

 

-------------------------

 1. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، رسالة (53)، 71/37.

2.ظ: شريفة جنان (اطروحة دكتوراه)، عقود العمل ودورها في إشباع حاجات خريجي الجامعة حسب هرم ماسلو:6.

 3. نهج البلاغة: 324 - 325 .

4. المصدر نفسه.

5. ظ: نهج البلاغة: 224.