د. يوسف علي الفتلاوي
وزارة الكهرباء
المصدر: مجلة الولاية – العدد 203 – الصفحة (9)
هناك إشكالات عدّة أثارها بعض الدارسين المخالفين لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)؛ للتشكيك في مذهب الإمامية بشكل عام، والمدرسة التفسيرية الإمامية بشكل خاص، وسنكتفي بتناول واحدة منها ومناقشتها والردّ عليها في هذه المقالة بأسلوب علمي من دون تعصب وانحياز، والاستشهاد بالكتب المعتمدة عند من أشكل، وهو إلزام لهم بما ألزموا به أنفسهم.
نبتدئ بعرض شبهة موجّهة إلى مدرسة الإمامية التفسيرية بالإشكال على أحد أهم مصادر التفسير فيها، واتهام محدِّثي الإمامية ومفسريهم بالمبالغة إلى حد الغلو مفادها: (كثرة الرواية التفسيرية عن الإمام علي (عليه السلام) كثرة جاوزت الحدَّ).
يقول الذهبي(*) وهو في معرض نقده لمدرسة الإمامية التفسيرية ما نصّه: "كثرت الرواية في التفسير عن عليّ رضي الله عنه، كثرة جاوزت الحد، الأمر الذى لفت أنظار العلماء النُقَّاد، وجعلهم يتتبعون الرواية عنه بالبحث والتحقيق، ليميزوا ما صح من غيره. وما صح عن عليّ في التفسير قليل بالنسبة لما وُضِع عليه، ويرجع ذلك إلى غُلاة الشيعة، الذين أسرفوا في حبه فاختلقوا عليه ما هو بريء منه، إما ترويجًا لمذهبهم وتدعيمًا له، وإما لظنهم الفاسد أنَّ الإغراق في نسبة الأقوال العلمية إليه يُعلي من قدره، ويرفع من شأنه العلمي. وأظن أنَّ ما نُسب إلى عليّ من قوله: "لو شئتُ أن أُوْقِرَ سبعين بعيرًا من تفسير أم القرآن لفعلت" لا أصل له، اللَّهم إلا في أوهام الشيعة، الذين يغالون في حبه، ويتجاوزون الحد في مدحه"(1).
المناقشة والردّ:
الردّ على هذا الإشكال يكون على محاور ثلاثة كما عرضها الذهبي في كلامه، وهي على النحو الآتي:
المحور الأول: كثرة الرواية عن الإمام علي(عليه السلام)، وعلاقته بالشيعة والمغالاة: هذا الكلام لم يكن علميًا، ولا يرتبط بالبحث العلمي بصلة؛ لأنَّ كثرة الروايات وردت عن طريق الفريقين، وكذلك هذه الكثرة وردت لأكثر من صحابي ممن هو أقل منه عمرًا وصحبةً وقربًا ونجوى لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذه المؤهلات متوافرة عند الإمام علي(عليه السلام)، كما ورد عن المسعودي قوله: "الأشياء التي استحق بها أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)الفضل هي: السبق إلى الإيمان، والهجرة، والنصرة لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، والقربى منه والقناعة وبذل النفس له، والعلم بالكتاب والتنزيل، والجهاد في سبيل الله، والورع، والزهد، والقضاء، والحكم، والفقه والعلم وكل ذلك لعلي (عليه السلام)منه النصيب الأوفر، والحظ الأكبر، إلى ما ينفرد به من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله)حين آخى بين أصحابه أنت أخي وهو(صلى الله عليه وآله) لا ضد له ولا ند"(2).
ولا شك في أن المؤهلات والمعايير المذكورة كلها متوافرة في شخص أمير المؤمنين (عليه السلام) بأعلى مستوياتها، ولا يمكن نكرانها وهي مستندة إلى الروايات الكثيرة الشاهدة بعظم الفضل، والواردة عن بعض الصحابة الأجلاء، ومنهم ابن عباس وهو حبر الأُمة، إذ يقر بأنَّ ما عنده من العلم هو من عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)(3)، وكذلك ابن مسعود وهو ترجمان القرآن، إذ يشهد بفضل عليّ وعلمه وأنَّه انتفع منه(4)، وهما ممن أكثرا من تفسير القرآن الكريم واعتُمدت آراؤهم في تفاسير المسلمين عامة.
ويُصرح أحمد بن حنبل في تفرد أمير المؤمنين في الفضل الأعظم بقوله: "ما جاء لأحد من أصحاب النَّبيَّ – صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم- ما جاء لعليٍّ"(5)، وفي هذا دليل واضح على مكانة الإمام عليّ (عليه السلام)، فيكون هذا الإشكال لا أساس له؛ لأنَّ مؤهلات كثرة الرواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) متوافرة.
وإذا أردنا أن نتحدث من جهة الكثرة فقد كثرت روايات أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وهو أقل من كثير من الصحابة صحبة وفضلًا وعلمًا، ولم يؤتَ ما أتوا، فضلًا عما أُتي الإمام علي (عليه السلام)، فأبو هريرة أولى من غيره بالإشكال ومع ذاك لا يُشكل عليه.
ونجد الذهبي يبرر قلة الروايات التفسيرية الواردة عن أبي بكر وعمر وعثمان، بقوله: "فأبو بكر وعمر وعثمان لم يرد عنهم في التفسير إلا النزر اليسير، ويرجع السبب في ذلك إلى تقدم وفاتهم، واشتغالهم بمهام الخلافة والفتوحات، أضف إلى ذلك وجودهم في وسطٍ أغلب أهله علماء بكتاب الله، واقفون على أسراره، عارفون بمعانيه وأحكامه، مكتملة فيهم خصائص العروبة، مما جعل الحاجة إلى الرجوع إليهم في التفسير غير كبيرة"(6).
بينما يقول في حق الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): "أما عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فهو أكثر الخلفاء الراشدين رواية عنه في التفسير، والسبب في ذلك راجع إلى تفرغه عن مهام الخلافة مدة طويلة، دامت إلى نهاية خلافة عثمان، وتأخر وفاته إلى زمن كثرت فيه حاجة النَّاس إلى من يُفسِّر لهم ما خفى عنهم من معانى القرآن، وذلك ناشئ من اتساع رقعة الإسلام، ودخول كثير من الأعاجم في دين الله، مما كاد يذهب بخصائص اللغة العربية"(7).
ويذكر أنَّ الصحابة كثيرًا ما يرجعون إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) في فهم ما خفي عنهم، أو أُشكل عليهم فهمه(8).
ويمكن أن يرد سؤالٌ بديهيٌّ هو: ألم يكن الصحابة لهم من الفصاحة وسلامة السليقة العربية والمكانة العليا فيها في زمن معاصرتهم لأمير المؤمنين(عليه السلام)؟ وهل المدعى غير أن الحاجة إلى التفسير جاءت متأخرة، لاختلاف الألسن الداخلة في الإسلام نتيجة الفتوحات الإسلامية المتأخرة عن وقت نزول القرآن الكريم زمانًا؟ وهذا ما لا ينطبق على الصحابة وهم بعيدون عنه كل البعد، فلا هم داخلون في الإسلام نتيجة الفتوحات(9)، ولا هم من غير العرب، مع أن الموضوعية تؤكد ازدياد الحاجة إلى التفسير بسبب ما تقدم، ولكن ما هو ليس بموضوعي أن يُبرر لمن ليس له القابلية والأهلية من الصحابة لتفسير كتاب الله تعالى على أن المجتمع كان مستغنٍ عمَن يُفسر له القرآن، بذريعة قرب عهده بنزول القرآن، وقلة الداخلين للإسلام من غير العرب، وعدم اختلاط الثقافات العربية بغيرها بعد، فرجوع الصحابة لشخصٍ منهم في التفسير –تحديدًا- لا يقبل الشك في أن هذا الشخص له ما يميزه عنهم وعن غيرهم، وله تفرده في المجال المعرفي فاستوجب الرجوع إليه من قِبلهم ضرورةً.
والمحصلة أنّ كثرة ورود الروايات التفسيرية طبيعية، مع إننا نعتقد جازمين أن ما ورد إلينا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من روايات –في مجال التفسير وغيره- هو ليس كل ما صدر منه (عليه السلام)، والمعروف أن أتباعه أخفوا تراثه المعرفي خشية من بطش أعدائه بهم، وأخفوه أعداؤه حقدًا وحسدًا، ومع ذاك شاء الله عز وجل أن يُظهر فضله على فضل العالمين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).
المحور الثاني: علم الإمام علي (عليه السلام): هناك روايات متظافرة، تصل حد التواتر المعنوي بعلم الإمام علي (عليه السلام)، بل تقدمه على من كان في زمانه بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بل أنّ تقدمه بالعلم والفضل من المتسالم عليه لدى جميع المسلمين، ولا خلاف في ذلك، فقد ورد عن ابن عبَّاس أنَّه قال: ((قسِّم علم النَّاس خمسة أجزاء، فكان لعليٍّ منها أربعة أجزاء، ولسائر النَّاس جزء شاركهم عليٌّ فيه فكان أعلمهم به))(10).
فهو صاحب النصيب الأوفر بالعلم، بل لا يدانيه أحد بذلك من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومما ورد في علمه في تفسير القرآن الكريم رواية عن أبي عمر محمد بن عبد الوهاب الزاهد أَنَّ عليّ بن أبي طالب قال: ((يا ابن عبّاس إذا صلّيت عشاء الآخرة فالحقني إلى الجبان، قال: فصلّيت ولحقته، وكانت ليلة مقمرة، قال: فقال لي: ما تفسير الألف من الحمد؟ قال: فما علمت حرفًا أجيبه، قال: فتكلّم في تفسيرها ساعة تامّة، قال: ثمّ قال لي: فما تفسير اللاّم من الحمد؟ قال: فقلت: لا أعلم، فتكلَّم في تفسيرها ساعة تامَّة، قال: ثمَّ قال: فما تفسير الميم من الحمد؟ فقلت: لا أعلم، قال: فتكلَّم فيها ساعة تامَّة، قال: ثمَّ قال: ما تفسير الدال من الحمد؟ قال: قلت: لا أدري، قال: فتكلَّم فيها حتَّى برق عمود الفجر، قال: فقال لي: قم يا ابن عباس إلى منزلك وتأهَّب لفرضك، قال أبو العباس عبد الله بن العباس: فقمتُ وقد وعيت كلَّ ما قال، ثمَّ تفكَّرت فإذا علمي بالقرآن في علم عليٍّ كالقرارة في المثعنجر(11)))(12).
وقد وصف الذهبي نفسه هذا العلم بكونه بحرًا بقوله: ((كان رضي الله عنه بحراً في العلم، وكان قوي الحُجَّة، سليم الاستنباط، أوتي الحظ الأوفر من الفصاحة والخطابة والشعر، وكان ذا عقل قضائي ناضج، وبصيرة نافذة إلى بواطن الأُمور))(13)، ويُعَبَّرُ بالبحر للمبالغة بالكثرة، والتوسع(14)، فعلمه (عليه السلام) بلغ حد الكثرة الكثيرة.
فمن كان بهذه المكانة والريادة من العلم والفضل، وكان مقدمًا على الصحابة جميعهم، ويرجعون له بما غمض وأشكل عليهم، أليس من الطبيعي والمنطقي أن تكون له روايات كثيرة في جميع العلوم ومن أهمها علم التفسير؟
المحور الثالث: التثبت من قول الإمام علي (عليه السلام): إن هذه الرواية موضوع البحث التي شكك بها الذهبي، التي نسبها للشيعة، واتهمهم بالغلو، قد وردت في عدة كتب معتبرة من كتب العامة، فقد ورد عن ابن أبي حمزة: عن عليٍّ (عليه السلام) أنَّه قال: ((لو شئت أوقِّر سبعين بعيرًا من تفسير أمِّ القرآن لفعلت))(15)، هذا من جهة المصادر.
أما من جهة المضمون والمحتوى لمتن الرواية، فالرواية السابقة الواردة عن تفسيره (عليه السلام) (الحمد) لابن عبَّاس أخذ من الوقت من صلاة العشاء حتى صلاة الصبح، فكيف بعلاقة هذه اللفظة بمحيطها من الجملة والجملة بالنص، وما بالك بالمفردات الأخرى في السورة المباركة ومضامينها؟ وهو ليس بغريب.
فقد ورد عن الرازي (ت: 606هـ) قوله في هذه السورة المباركة: "اعلم أنَّه مرَّ على لساني في بعض الأوقات أنَّ هذه السُّورة الكريمة يمكن أن يستنبط من فوائدها ونفائسها عشرة آلاف مسألة، فاستبعد هذا بعض الحسَّد، وقوم من أهل الجهل والغيَّ والعناد، وحملوا ذلك على ما ألفوه من أنفسهم من التّعلّقات الفارغة عن المعاني، والكلمات الخالية عن تحقيق المعاقد والمباني"(16).
فإن كان أحد المفسرين ممن بعُد عن نزول القرآن زمانًا –كالرازي في القرن السابع الهجري- يستطيع أن يستنبط من هذه السورة المباركة عشرة آلاف مسألة، فما بالك بصاحب نجوى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والمقرب منه ووارث علمه، والمصاحب له منذ بداية نزول القرآن إلى منتهاه؟
فأساس ادعاء الغلو في نسبة الكثرة في تفسير أمير المؤمنين (عليه السلام) للقرآن الكريم عمومًا ولسورة الفاتحة خصوصًا -كما يقول الرازي- هو الحسد، والجهل والغي والعناد، فقد قاسوا المسألة على جهلهم بكتاب الله، ولذلك قالوا ما قالوا، وتأسيسًا عليه نخلص إلى أنَّ هذا الادعاء ليس له أصل من الصحة والموضوعية ولا العلمية، بل أنَّ منبعه أمراض قلبية، تتصل بالحسد والجهل والغي.
-----------------
(*) محمد حسين الذهبي (ت: 1977م)، التحق بكلية الشريعة جامعة الأزهر وتخرج منها عام 1939، حصل على الدكتوراه في علوم القرآن عام 1946 من كلية أصول الدين في جامعة الأزهر؛ وذلك عن أطروحته التفسير والمفسرون التي أصبحت بعد نشرها أحد المراجع الرئيسة في علم التفسير، أصبح وزيراً للأوقاف وشئون الأزهر حتى عام 1976، ظ: الموسوعة الحرة ويكيبيديا.
1.الذهبي، التفسير والمفسرون: 1/ 62.
2.المسعودي، مروج الذهب: 2/ 330.
3.ظ: ابن عطية، المحرر الوجيز: 1/48؛ القرطبي، أحكام القرآن: 1/ 35؛ الثعلبي، الجواهر الحسان: 141.
4.ظ: ابن طاووس، سعد السعود: 558.
5.ابن الأثير، الكامل في التاريخ: 2/ 749.
6.الذهبي، التفسير والمفسرون:1/ 45.
7.م، ن.
8.ظ: م، ن: 1/ 67.
9.فمن يدخل للإسلام ولم يعاصر النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يلقَه –على الأقل- فيُسمى تابعي لا صحابي كما هو معلوم.
10.ابن الأثير، الكامل في التاريخ: 2/ 748.
11.السَّيْلُ الْكَثِيرُ. ظ: ابن منظور، لسان العرب: 4/ 103.
12.ابن طاووس، سعد السعود: 556.
13.الذهبي، التفسير والمفسرون:1/ 61.
14.ظ: الراغب الأصفهاني، المفردات: 59.
15.المدخل ابن الحاج: 2/ 306؛ السيوطي، الاتقان: 4/ 488؛ القاري، مرقاة المفاتيح: 1/ 315 و 4/ 1459؛ الخادمي، بريقة محمودية: 1/ 44.
16.الرازي، مفاتيح الغيب: 1/ 21.