الباحث: هادي العارضي
مديرية تربية محافظة النجف
المصدر: مجلة الولاية – العدد 195 – الصفحة (62)
شهدت العقود الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات انحراف الأحداث وجرائم الشباب، وهو ما يدل على اضطرابات بنيوية في منظومة القيم الاجتماعية، لاسيما في ما يتعلق بدور الأسرة في ضبط السلوك وتوجيهه. إنّ الأسرة بوصفها أول مؤسسة اجتماعية، تتحمل مسؤولية كبيرة في تربية الشباب، وتشكيل شخصياتهم، وغرس القيم الأخلاقية والدينية لديهم.
وتؤدي المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، مثل الفقر، والطلاق، والعنف الأسري، والاضطرابات النفسية داخل الأسرة، إلى ضعف وظائف الأسرة الأساسية، وعلى رأسها التنشئة الاجتماعية. ومن ثم، فإن أي إخفاق في أداء هذه الوظائف قد يُفضي إلى بروز السلوك الجانح بوصفه مظهرًا من مظاهر الخلل المجتمعي.
وقد اتفقت الدراسات الاجتماعية على أنّ الانحراف هو: ظاهرة اجتماعية تخضع في شكلها وأبعادها إلى القوانين الحاكمة للمجتمع، إذ يشير تزايد الانحراف وجرائم الشباب إلى ضعف الروابط الأسرية وتفككها، وأن فقدان الأسرة لوظيفتها الأساسية في تعليم الأبناء القيم والمعايير الاجتماعية يؤدي إلى تزايد المشكلات السلوكية والجريمة، فالمنزل الخالي من كلمات المحبة آفة للنمو العقلي والعاطفي والاجتماعي للمراهق، ونقص الحب والمودة ونقص الاستقرار والوئام في الأسرة هو أساس السلوك الإجرامي. وكلما ضعف الأساس العاطفي والأخلاقي للأسرة، أثّر ذلك على نظامها (الطلاق)، وتحدث الجريمة أيضًا، وللنظام والتوازن في الأسرة علاقة عكسية مع عملية الانحراف، وعندما تتزايد حالات الطلاق ترتفع الصراعات الداخلية في الأسرة، ويتورط الأبناء في هاوية الإدمان والانحراف وغير ذلك، بعيداً عن أعين والديهم(1).
ومع ذلك، فإن العلاقة بين الوالدين والأبناء، وتفكك الأسرة وانعدام النظام والتوازن فيها، وضعف المعتقدات الدينيـــــة والأخلاقية، تلعب دورًا خطيرًا في جنوح الأحداث، فإذا كانت قيم الشخص وقيم الأشخاص ذوي التأثير القوي عليه تدعم السلوك الإجرامي بدلًا من دعم السلوك غير الإجرامي، فمن المحتمل أن يصبح هذا الشخص مجرمًا، وإن تضامن أفراد الأسرة واستقرارهم يخلقان بيئة مناسبة للناس بطريقة متكاملة نسبيًا، فالأسرة هي جماعة صغيرة، سمتها الأساسية التي لا تنفصل هي الألف، فالأسرة المستقرة والمتضامنة توفر بيئة مناسبة للأفراد، إذ يتعلمون المعايير المقبولة ويؤدون أدوارهم الاجتماعية بسهولة، وأن الألفة والترابط الأسري ضروريان لتنشئة الأجيال القادمة، والتفاهم هو الذي يجعل الأسرة متماسكة، بينما الكراهية تؤدي إلى الخيانة والانفصال والصراع، إذ إنّ تنشئة الجيل القادم اجتماعيًا هي واحدة من أبرز واجبات الأسرة وأكثرها جوهرية(2).
إذا نظرنا إلى هذه الظاهرة من منظور اجتماعي، يُمكن اعتبار جنوح الأحداث وجرائمهم أمراضًا اجتماعية تستدعي العلاج. وبالطبع، لمكافحة أي مرض، يجب أولًا التعرّف عليه ومعرفة أسبابه، ثم إنقاذ المصاب ومنع تكرار هذه المضاعفات. وإذا اعتُبر الجنوح مشكلةً اجتماعيةً وضررًا، فإنّ "المراهقين" كإحدى الفئات الضعيفة في المجتمع معرضون لخطر الإصابة بهذه المشكلة أو عانوا منها بشكل أو بآخر، ومن أبرز الأسباب التي تؤدي إلى بروز السلوك الجانح بوصفه مظهرًا من مظاهر الخلل المجتمعي.
أولًا: البيئة الاجتماعية والانحراف - الأسرة كنموذج
رغم الاعتراف بأثر العوامل البيولوجية والنفسية والاقتصادية في تشكيل سلوك الأفراد، فإن العوامل الاجتماعية ــ وخاصة الأسرة ــ تظل حجر الزاوية في فهم ظاهرة الانحراف. فالأسرة المتفككة، التي يسودها العنف أو الإهمال، تُنتج بيئة محفزة لسلوكيات التمرد والانحراف، إنّ الطفل الذي ينشأ في بيئة مضطربة، تفتقر إلى الحب والاحتواء، يكون أكثر عرضة للانسلاخ عن القيم المجتمعية. وقد أثبتت الدراسات أن حالات الانفصال الأسري، وغياب أحد الأبوين، والاضطرابات داخل الأسرة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بارتفاع معدلات الجريمة بين المراهقين. كما أن الافتقار إلى الرقابة الأبوية يؤدّي إلى انخراط الأبناء في جماعات منحرفة تعزز من سلوكهم الخارج عن القانون.
ثانيًا: النظام الأسري وعلاقته بجنوح الأحداث
يلعب النظام الداخلي للأسرة دورًا حاسمًا في تهيئة الأبناء للتكيّف مع القواعد الاجتماعية، وكلما كان هذا النظام قائمًا على أسس من التفاهم، والمودة، والحوار، انخفضت احتمالات ظهور السلوك المنحرف. في المقابل، يُعد الخلل في بناء الأسرة كغياب الانسجام، وتكرار النزاعات الزوجية، وضعف الدور التربوي للوالدين – من العوامل الرئيسة التي تسهم في الجنوح، يرتبط الاستقرار العاطفي داخل الأسرة ارتباطًا مباشرًا بالصحة النفسية للأبناء. وعندما تضعف هذه الروابط، يجد المراهق نفسه مدفوعًا للبحث عن مصادر بديلة للإشباع العاطفي، غالبًا في بيئات غير آمنة، ما يؤدي إلى تبني أنماط سلوكية منحرفة.
ثالثًا: جنوح الأحداث كظاهرة اجتماعية مرضية
يُنظر إلى الجنوح بوصفه مرضًا اجتماعيًا يتطلب علاجًا وقائيًا وتدخلًا. إذ لا ينشأ الانحراف من فراغ، بل هو نتاج تراكمات نفسية واجتماعية وثقافية. وتُعدّ الأسرة هنا العنصر الأول القادر على التدخل في مرحلة مبكرة، للحد من مظاهر السلوك المنحرف. المراهق الجانح هو في الأصل ضحية لبيئة اجتماعية مضطربة، ومؤسسة أسرية فشلت في احتوائه وتوجيهه؛ لذا فإن فهم الأسباب المؤدية إلى الجنوح، ومن ثم معالجتها، يُعد أمرًا أساسيًا في الوقاية المجتمعية الشاملة.
تفوق الوقاية على العلاج:
قبول مبدأ تفوق الوقاية على العلاج، ليس فقط في القضايا الطبية، بل في حياتنا الاجتماعية أيضًا، بناءً على هذا المبدأ، وباختيار أساليب فعّالة، ومراعاة مجموعة من العوامل البيئية والاجتماعية والتقنية، يمكن الحد من دوافع ارتكاب الجرائم، ومن ثَمّ تقليل معدلها. تُعد الوقاية الاجتماعية من أهم الموضوعات الاجتماعية، التي قلّما نوقشت في مجتمعنا. تهدف الوقاية الاجتماعية إلى القضاء على عوامل خطر الجريمة التي تجعل الناس عرضة للانحراف أو الوقوع ضحية، ولكن عمليًا، لا يمكن أبدًا الوصول إلى حالة تنجح فيها جميع تدابير الوقاية الاجتماعية، ومن مظاهر الانحراف التشرّد الذي يعدّه العلماء شكلًا من أشكال الانحراف والهرب، وهو مغادرة المنزل كدليل على القلق وضيق الحدث داخل العائلة، هذا على الرغم من استحالة تطبيق إجراءات إصلاحية بنسبة 100% على جميع المجرمين الحاليين؛ لذلك، منطقيًا، لا خيار أمامنا سوى قبول أن الوقاية الاجتماعية لا تكتمل باستخدام الأساليب النفسية وحدها، ومن المبادئ الأساسية للوقاية من الجريمة استعمال استراتيجيات تعتمد على التعاون والشراكة بين المؤسسات الحكومية والمنظمات العامة وغير الحكومية والقطاع التجاري والمجتمع المدني(3).
سبل الوقاية من جنوح الأحداث وجرائم الشباب:
تمثل الوقاية من جنوح الأحداث عملية متعدّدة الجوانب، تنطلق من الأسرة وتمتد إلى مؤسّسات المجتمع كافة، وفيما يليأتي أبرز سبل الوقاية المقترحة:
1. إنّ ظاهرة جنوح الأحداث تعدّ من أخطر الأمراض الاجتماعية التي تواجه الأمم وتهددها، في كيانها واقتصادها ومستقبل أبنائها، وإن مواجهة هذه الظاهرة يعدّ من أولى الأولويات التي تقع على عاتق الدولة والمجتمع، وصولا ً إلى الأسرة التي تعدّ نواة المجتمع وأساس تكوينه، ولذلك كان لا بد من وضع سياسة جنائية منبثقة من الواقع الذي يعيش فيه الحدث، وصياغتها صياغة عملية تحد بالفعل من الظاهرة الإجرامية، كما يجب أن تهتم السياسة بعوامل الوقاية من الانحراف عند الأحداث، وأن تتبنّى في ذلك وسائل ملائمة وكافية لمكافحة الإجرام؛ لأنّ عدم نجاح السياسة الجنائية في ذلك، سيؤدي إلى زيادة عدد جرائم الأحداث، ومن ثَمَّ تفاقم المشكلة أكثر فأكثر.
تعزيز التماسك الأسري: من خلال بناء علاقات قائمة على الثقة، والحب، والاحترام المتبادل، وتوفير بيئة آمنة نفسياً وعاطفياً للأطفال والمراهقين(4).
2. التربية القائمة على القيم: زرع المبادئ الأخلاقية والدينية في نفوس الأبناء منذ الصغر، وتعزيز الشعور بالمسؤولية والانتماء المجتمعي.
3. الرقابة الإيجابية: إشراف الوالدين المستمر على سلوك الأبناء، ومتابعة تحصيلهم الدراسي، وعلاقاتهم الاجتماعية، من دون فرض أو قمع.
4. الدعم النفسي والعاطفي: التعامل مع مشكلات الأبناء بالحوار والفهم، وتقديم الدعم اللازم لتجاوز الأزمات النفسية والضغوط.
5. التثقيف الأسري: توعية الآباء والأمهات بأهمية أدوارهم التربوية، من خلال الندوات، وبرامج الإرشاد الأسري، والدورات التثقيفية.
6. دور المدرسة والمجتمع: تنسيق الجهود بين المؤسسات التربوية، والدينية، والإعلامية، لبناء شبكة دعم فاعلة تحيط بالمراهقين، وتوفر لهم البدائل الإيجابية.
7. تطبيق السياسات الاجتماعية العادلة: عبر تحسين مستوى المعيشة، وتوفير فرص العمل، والرعاية الصحية والتعليمية، بما يحد من العوامل الخارجية المسببة للجنوح.
أخيرًا خلصت الدراسة إلى أن الإنسان مدني بطبعه لا يستطيع العيش بمفرده في عزلة اجتماعية، لذلك يمكن اعتبار الأسرة الدعامة الأساسية في وقاية الأحداث من السلوكيات المنحرفة، وأن أي إخفاق في أداء وظائفها التربوية والاجتماعية يؤدي إلى نتائج سلبية تتجلى في ارتفاع معدلات الجنوح. ويتضح أن الوقاية من هذه الظاهرة تتطلب تعزيز استقرار الأسرة، وتوفير بيئة داعمة للناشئة، إلى جانب تفعيل دور المؤسسات التربوية والاجتماعية في بناء جيل متوازن نفسيًا وسلوكيًا، إن الاستثمار في الأسرة ليس خيارًا فرديًا، بل مسؤولية مجتمعية تقتضي تظافر الجهود بين الدولة والمجتمع، من أجل ضمان نشأة آمنة وسليمة للأجيال القادمة.
ــــــــــــــــ
1. محمد فرج اليامي، دور الأسرة وعلاقته بانحراف الأحداث، المجلة الاكاديمية للأبحاث والنشر العلمي العدد 72: 171.
2. إسماعيل باقي محمد الأسدي، دور الأسرة في ظاهرة جنوح الأحداث، مجلة البحوث التربوية والنفسية، العدد الثامن: 212.
3. نجية عرّاب ثاني، أثر التفكك الأسري على انحراف الأحداث، مجلة الأسرة والمجتمع، العدد:120.
4.هناء الجبوري محمد، البيئة الأسرية وأثرها في الأحداث:1.