الباحثة: مروة حيدر
النجف الاشرف
المصدر: مجلة الولاية – العدد 201 – الصفحة (17)
يُعدّ الراوي حجر الأساس في بناء علم الحديث، إذ تقوم عليه عملية نقل السنة النبوية وحفظها عبر العصور، فبسلامته تستقيم الرواية، وباختلاله يعتري النص الخلل والاضطراب، ولم يكن مصطلح الراوي وليد البيئة الحديثية فحسب، بل سبق ظهوره في الحقل الثقافي العربي، لا سيما في حفظ الشعر الجاهلي ونقله، حيث ارتبط كل شاعر براوٍ يتولى حفظ شعره، ونقله بدقة وأمانة.
ومع بزوغ فجر الإسلام، انتقل هذا المفهوم إلى ميدان أشرف وأعظم، وهو ميدان نقل الحديث النبوي عن النبي(صلى الله عليه وآله)، فغدا الراوي واسطة العقد بين المصدر الأول للتشريع والأمة، مما استدعى وضع ضوابط دقيقة تضبط شخصيته العلمية والأخلاقية.
من هنا نشأ علم الرجال، بوصفه علمًا نقديًا يُعنى بتمييز الرواة، وبيان مراتبهم، والحكم على عدالتهم وضبطهم، حفاظًا على نقاء السنة وصيانتها من التحريف.
وإذا كان الراوي قد مثّل منذ البدايات الأولى للثقافة العربية حلقة الوصل بين القول وصاحبه، فإن هذا الدور ازداد خطورة وأهمية مع انتقاله إلى ميدان نقل الحديث النبوي، إذ لم يعد مجرّد حافظ للنص، بل أصبح مسؤولًا عن سلامته وصيانته، فكان لا بد من الوقوف على مفهوم الراوي، وحدود هذا الوصف، والشروط التي اشترطها علماء الحديث فيمن يتصدّى لحمل الرواية، وهي المحاور التي يتناولها هذا المقال في عرضه الآتي:
مفهوم الراوي:
الراوي لغةً: هو الرجل المستقي، ورجل روّاء إذا كان الاستقاء بالرواية له صناعة، ويقال: روى فلان شعرا، إذا رواه له حتى حفظه عنه، وقيل: رويت الحديث والشعر رواية(١)، (الراوي) راوي الحديث أو الشعر حامله وناقله، وجمعه رواة(٢).
وقد عُرف هذا المعنى في الثقافة العربية قبل الإسلام، حيث كان الراوي حافظًا لأشعار القبيلة وأخبارها.
الراوي اصطلاحًا: أما في الاصطلاح الحديثي، فالراوي هو من يروي الحديث مطلقا، سواء أكان رواه مسندًا أم مرسلًا أو غيرهما(٣).
وقيل الراوي كناقل الحديث، والمروي: هو ما أضيف الى النبي(صلى الله عليه وآله)أو إلى غيره من الصحابة أو التابعين(٤)، ويُطلق عليه هذا الوصف متى تحمّل الحديث وأدّاه على وفق طرق التحمل المعروفة. وإذا قُيّد الراوي بالسند، فالمراد به من ينقل الحديث بإسناده، وإن وقع التداخل بين مصطلحي الراوي والمُسنِد في بعض الاستعمالات(٥).
مراتب الرواة عند علماء الحديث:
لا بأس للراوي أن يكون متحملا الحديث بأحد الطرق المعروفة وفي نقل الرواية، وإلا يعد حاكيا لا راويا، لذلك قرر علماء الحديث، أن له صفات ومراتب علمية متعددة، بحسب قوة الحفظ وسعة الرواية ومدى الاعتماد عليهم، ومن أبرز هذه المراتب:
المُسنِد: من يروي الحديث بإسناده، وإن لم يكن واسع الحفظ.
المحدّث: من اشتغل بعلم الحديث روايةً ودرايةً.
الحافظ: من أحاط بعدد كبير من الأحاديث وأسانيدها.
الحُجّة: من بلغ الغاية في الإتقان حتى يُحتج بقوله.
الحاكم: من أحاط علمًا بالأحاديث ورجالها وعللها.
ويُعدّ هذا التصنيف أداة علمية لضبط الرواية وتمييز درجات الثقة بين الرواة(٦).
اشتراط الإيمان والإسلام في الراوي:
اختلف العلماء في اشتراط الإسلام والإيمان في الراوي، إلا أن المشهور بينهم هو اشتراط ذلك، لما للرواية من اتصال وثيق بأصول الدين وأحكام الشريعة، فلا تُقبل رواية فاسد المذهب أو مختل العقيدة، صيانةً للسنة من التحريف والدس.
وقد استدل المحقق الحلي (الإيمان معتبر في الراوي) على هذا الشرط بقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾[الحجرات: 6]، إذ دلت الآية على أن الفسق موجب للتوقف في قبول الخبر، مما يؤكد ضرورة تحقق الاستقامة الدينية في الراوي، أي يدل على الايمان بالمعنى الخاص وليس العام، يعني إضافة إلى الاعتقاد بالله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) أن يكون معتقدا بإمامة الائمة (عليهم السلام)الإثني عشر بعد رسول الله ((صلى الله عليه وآله)(٧).
ألفاظ التعديل والمدح عند علماء الرجال:
استعمل علماءُ الرجال ألفاظًا دقيقة، للدلالة على توثيق الراوي، وبيان مدى الاعتماد عليه، ومن أبرز هذه الألفاظ: عدل، ثقة، حُجّة، وكيل صحيح الحديث، من أصحابنا، عين، وجه ممدوح، شيخ الإجازة،.
وقد يُستعمل لفظ العدل مقرونًا بغيره، كما في قولهم: «فلان عدلٌ إماميٌّ ضابط»، إذ يُعدّ هذا الاقتران من أكثر العبارات صراحةً في الدلالة على كون الرجل من الصحاح، ولا يخفى أن لفظ الإمامي ظاهرٌ في الانتماء إلى المذهب الاثني عشري، وهو اصطلاحٌ خاصٌّ به، فلا يشمل سائر فرق الشيعة(٨).
أما لفظ الثقة، فدلالته مأخوذة من معنى الوثوق، بمعنى الائتمان، ولا وثوق بمن يتساوى، أو يغلب سهوه على ذكره(٩).
قال: الوحيد البهبهاني: ((لا يخفى أن الرواية المتعارفة المسلمة المقبولة انه إذا قال عدل إمامي - النجاشي كان أو غيره- (فلان ثقة)، أنهم يحكمون بمجرد هذا القول بأنه عدل إمامي، كما هو ظاهر))(١٠).
وأما لفظ الحُجّة، ومعناه لغةً مَنْ يحتج بحديثه، وقد أطلق عليه اسم المصدر، من باب المبالغة في الثناء.
أما كون هذا اللفظ دالا على كون موصوفه من رجال الصحاح أي (إمامي، عادل، ضابط) فمن الواضح أن المعنى اللغوي لا يساعد عليه، إلّا أن الشهيد الثاني في الرعاية ذكر أن علماء الرجال قد استقر اصطلاحهم على كون المراد من لفظ "حجة" العدل الإمامي الضابط(١١).
لكن المامقاني يقول في مقياسه بعد أن عرض كلام الشهيد الثاني: (ومثل هذه الشهادة بضرس قاطع كاف في إثبات المطلوب)(١٢).
وأما لفظ (وكيل) المراد به وكيل المعصوم (عليه السلام) وقد نسب الى شيخ البهائي أنه قال: (آن قولهم): "وكيل" من دون إضافته إلى أحد الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ايضا يفيد ذلك، لأن من الاصطلاح المقرر بين علماء الرجال من اصحابنا أنهم إذا قالوا (فلان وكيل) يريدون أنه وكيل أحدهم (عليهم السلام)، فلا يحتمل كونه وكيل بني أمية(١٣).
وكذلك تُستعمل ألفاظٌ أخرى في التوثيق، منها: صحيح الحديث، من أصحابنا، عين، وجه ممدوح، وتتّضح أهميةُ هذه الاصطلاحات في كونها ألفاظًا نقديّة دقيقة، تُبنى عليها أحكامُ قبول الرواية أو ردّها، كما تُبرز مدى ضبط الراوي واستقامته العلميّة.
ألفاظ الجرح والذم عند علماء الرجال:
وضع علماءُ الرجال ألفاظًا خاصّةً للدلالة على ضعف الراوي أو سقوط روايته، تهدف إلى بيان مدى عدم صلاحيته للاحتجاج بخبره، ومن أبرز هذه الألفاظ: ضعيف، وهو وصفٌ عامّ يدل على خللٍ في عدالة الراوي أو ضبطه، وكذّاب، ويُطلق على من يتعمّد الكذب في الحديث، وكذلك وضّاع للحديث، أي من يختلق الحديث من قبل نفسه وينسبه زورًا.
ومنها وصف مضطرب، ومعناه أنّ الراوي لا يستقيم على حالٍ واحدة؛ إذ يضبط الحديث تارةً ويخطئ أخرى، أمّا قولهم: «مضطرب الحديث»، فيُراد به أنّ حديثه تارةً يُقبل وتارةً يُردّ، كما ذكر ابن الغضائري في إسماعيل بن مهران بقوله: ((حديثه ليس بالنقي، يضطرب تارة، ويصطلح أخرى))(14).
ويُستعمل كذلك وصف مرتفع القول، أي لا يُعتبر قوله ولا يُعتمد عليه، ولين الحديث، وهو من يتساهل في الرواية عن غير الثقات، ومن الألفاظ الدالّة على شدّة الضعف قولهم: واهٍ، أي ضعيف في الغاية، وهي كناية عن شدّة وهنه (15).
كما يُطلق وصف ساقط، وقد يُراد به سقوط الراوي في نفسه، وقد يُراد به سقوط حديثه خاصة، الأمر الذي يستدعي التدبّر في سياق الاستعمال(16)، ومن عبارات المبالغة في نفي الاعتبار قولهم: ليس بشيء أو لا شيء، وكذلك وصف متروك، سواء أُريد به ترك الراوي في نفسه أم ترك حديثه.
ومع اختلاف هذه الألفاظ في درجاتها ودلالاتها، إلّا أنّها تشترك جميعًا في إفادة معنى واحد، هو عدم صلاحية الراوي للاحتجاج بروايته (17).
ألفاظٌ تدلّ على مرتبةٍ متوسّطة بين القبول والردّ:
يستعمل علماءُ الجرح والتعديل ألفاظًا لا تبلغ درجة التوثيق التام، ولا تنحدر إلى حدّ الجرح المؤثر، بل تدلّ على منزلةٍ وسطى بين القبول والرفض، ومن أبرزها:
لا بأس به: قال الشهيد الثاني إن (لا باس به) لا يدل على الوثاقة، بل المشهور أن نفي البأس يوهم البأس(١٨)، وقضى ظاهر العبارة نفي البأس منه من جميع الوجوه من حيث المذهب والرواية وغيرها (١٩)، كما في ترجمة حفص بن سالم قال عنه النجاشي "ثقة لابأس به"(٢٠).
مقارب الحديث: يدلّ على أنّ رواية الراوي قريبة من الصواب، إلا أنّ ضبطه لا يبلغ مرتبة الحجّة أو الثقة المتقنة، فيُقبل حديثه مع الملاحظة والتحفّظ(٢١).
قريب الأمر: المراد به أن الراوي على خلاف المذهب، لكنه ليس بذاك البعد والمباينة، بل هو قريب ما قصاه أن يكون أماميا غير ممدوح ولا مقدوح.
وغيرها مثل، يكتب حديثه، وشيخ، وغال، ومن اهل الارتفاع والطيارة، يعرف وينكر... وتُبرز هذه الألفاظ دقّة منهج علماء الرجال، إذ لم يكتفوا بالحكم الإجمالي على الرواة، بل عبّروا بألفاظٍ دقيقة عن مراتب متفاوتة تعكس مستوى الضبط، وسعة العلم، والاستقامة، ومدى الاعتماد على الرواية، وهو ما يؤكد أنّ علم الرجال قائمٌ على نقدٍ علميٍّ متدرّج، لا على أحكامٍ ثنائية صارمة(٢٢).
الخاتمة:
يتبيّن مما سبق أنّ الراوي لم يكن مجرّد واسطةٍ آلية في نقل الحديث النبوي، بل كان عنصرًا محوريًا تتوقّف عليه سلامة النص وصحّة الاستدلال به، من هنا جاءت عناية علماء الحديث بعلم الرجال عنايةً استثنائية، فأسّسوا له منهجًا نقديًا دقيقًا، يقوم على فحص شخصية الراوي من حيث إيمانه وعدالته وضبطه، مع مراعاة مراتب متفاوتة، عبّروا عنها بألفاظٍ اصطلاحية دقيقة في التعديل والجرح.
وقد كشف هذا المنهج عن وعيٍ علميٍّ مبكّر بخطورة الرواية، وحرصٍ بالغ على صيانة السنة النبوية من الدسّ والتحريف، بعيدًا عن الأحكام الانطباعية أو المجاملات الشخصية، كما يظهر من خلال تنوّع مراتب الرواة، وتدرّج ألفاظ الحكم عليهم، أنّ علم الرجال علمٌ قائم على النقد الموضوعي المتدرّج، لا على التقسيمات الحادّة بين القبول المطلق والردّ المطلق.
وبذلك يتّضح أنّ دراسة مفهوم الراوي ومراتبه وألفاظ الحكم عليه ليست مسألةً نظريةً فحسب، بل هي مدخلٌ أساس لفهم المنهج الحديثي برمّته، والوقوف على دقّة الآليات التي اعتمدها علماء الإسلام في حفظ السنة، مما يؤكّد رصانة هذا التراث وعمق أسسه العلمية عبر العصور.
---------------
1.ابن منظور، لسان العرب: مادة روى. الازهري، تهذيب اللغة 225.
2.المعجم الوسيط: 799.
3.المامقاني، مقباس الهداية: 3/٤٩.
4.القطان، مباحث في علوم القرآن: ٥٣.
5.اللبيادي، علوم الحديث: ٢٣.
6.ظ: المولف، المبادئ العامة لمصطلح الحديث المقارن: ٧٨.
7.معالم الدين: ٢٠٠.
8.انظر: المامقاني، مقباس الهداية: 2 / 142.
9.الفيومي، المصباح المنير:647.
10.فوائد الوحيد البهبهاني المطبوع في ذيل رجال الخاقاني:18
11.الرعاية :204.
12.مقباس الهداية:2/ 171.
13.المامقاني، مقياس الهداية: 2 / 258.
14.الصدر، نهاية الدراية :432.
15.الشهيد الثاني، الرعاية:209.
16.الصدر، نهاية الدراية: 435.
17.الشهيد الثاني، الرعاية: 209.
18.المصدر نفسه:207.
19.الكوجري: مهدي، الفوأئد الرجالية، 95، الوحيد البهبهاني، 31.٣٢.
20.النجاشي: الرجال، 152.
21.مختار الصحاح، 1/220.
22.الكاظمي: عدة الرجال، 1/125.