100%
لسانُ الأُمة

معركة الطف وملامح العقيدة الإسلامية عند أبي الفضل العباس (عليه السلام)

د. محسن تركي عطية الزبيدي

جامعة القادسية – كلية التربية

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 204 – الصفحة (53)

 

 

   لا شك في أن الحسين (عليه السلام) يعد صيحة الإسلام المحمدي العظيم في صحراء كربلاء، تلك الصيحة التي ملأت أركان الكون في القرون الماضية، وستظل تملأه حتى يرث الله الأرض ومن عليها. لأنه صلوات الله عليه وبما يملكه من ثقل نبوي تمكن من هز جذع الضمير العربي والإسلامي، فتساقط إباء وصحوة وعظمة، ينذر الأنظمة الفاسدة في كل مكان وزمان بحسين جديد وكربلاء جديدة، فالدماء الطاهرة التي سالت على ذلك الأديم المقدس علمت الثوار أن لا يعيشوا التناقض المميت الذي يحصل بين المتبنيات الفكرية والممارسة الفعلية، وهذا الأمر في الواقع هو لب الإسلام ولبابه.

 

   وإذا كانت المعركة وما حملته من تضحيات وإيثار ومواقف نبيلة ودماء زكية فجعت بها العالم الاسلامي والإنساني إلى يومنا هذا، قد استأثرت بالجانب الأكبر من أفكار الناس وعواطفهم، فإن الشعر يمثل لوحة أخرى من لوحات الوقوف الباسل، إذ استطاع الشعر أن يؤدي مهمته، كما استطاع الشاعر أن يوظف هذا الفن في خدمة الموقف الذي تسنّم أحداث المواجهة.

الشعر العقَدي:

   وهنا يأتي الشعر العقَدي وأثره في مواجهة الكفر والفساد والبغي، فالشعر العقدي وما يتمخض عنه من التزام يتمكن من رسم صورة الإنسان الذي يخوض نزالات المعركة، وهو مستعد لكل نتائجها المتوقعة؛ بل هو يروم عبر هذه الصور دفع الناس عن الوقوع في مثل هذه الحروب الظالمة، ووضع الداعين لشواظها في دائرة النقد والذم وصب اللعنات، جزاء ما اقترفت أيديهم من ويلات وآلام.

   وقـد حظيت مـفردة العقيــدة باهتمـام الباحثيــن الإسلاميين وأربـاب الفــكر والثقافـة، فلا يكاد يخلو كتاب ذو شـأن مـن ذكـر ما لها من خصائص وقيم. وقد ذكر (ابن منظور) في كتابه لسان العرب أن العقد هو (العهد واليمين، يعقدهما عقدا وعقدهما: أكدهما... المعاقدة: المعاهدة والميثاق... والجمع عقود)(1)، ويقول في مكان آخر: (قال الزجاج (أوفوا بالعقود) خاطب الله المؤمنين بالوفاء بالعقود التي عقدها الله عليهم، والعقود التي يعقدها بعضهم على بعض على ما يوجبه الدين)(2).

أما في الاصطلاح فالعقيدة: مجموعة الاعتقادات الحقة، ومحلها القلب، أي يجب الإيمان والاعتقاد بها باطنا، وتسمى الأصول الاعتقادية، ومنها التوحيد والنبوة والمعاد (3). وهذه الأصول تعد قوام الدين وأساسه، والإخلال بها يعد إخلالا بالدين.

وعلى هذا فالشـعر العقـدي هو الشعر الإسلامي الملتزم بأركان الدين الإسلامي ومبادئه، فالأصول والقواعد الإسلامية دعائم متينة للالتزام في الشعر الإسلامي، وهو التزام وليس إلزاماً، وهو كذلك شعر هادف وليس بالعبث، يتخذ الشاعر حريته من شريعته، وينبع التزامه من ذات نفسه وأعماقه، حين آمن بالإسلام ودعا إليه ودافع عنه(4).

وقد لا نأتي بجديد إذا قلنا: إن الشعر الطفّي شعر إسلامي ملتزم بالمبادئ التي نزل بها الوحي، يتسم بالصدق والصراحة، وتشيع فيه حرارة الإيمان وقوة العقيدة.

وليس من الجديد المستحدث إن قلنا: إن الشعر الطفي يعد أصدق صورة أدبية للإسلام المحمدي، الذي رام من المؤمنين عدم اعطاء الدنية في دينهم، وأمرهم بتجنب المصانعة والنفاق وممالأة الطغاة، فكان شعرهم مرآة صافية لعقيدتهم.

   ويمكن تسليط الضوء، أو الاشارة إلى عدد من المظاهر العقدية التي تأسر بصدقها فيما وصلنا من مقطوعات شعرية أو أبيات مفردة. ومن هذه الملامح والمظاهر ما يأتي:

الإيمان بالمنظومة الدينية الكبرى:

    وما نقصده هنا هو المعرفة الحقة بالله عز وجل عبر المعرفة الحقة بالقرآن الكريم، والمعرفة هنا تستدعي الإيمان والتصديق بكل ما جاء به الأنبياء والمرسلون، مع العمل في حدود تلك المعرفة، وخير مثال لهذا الإيمان العقدي العميق الذي يقترب من اليقين المطلق هو الإمام العباس بن امير المؤمنين (عليه السلام)، ففي أراجيزه الأربعة التي رويت له نلمس ذلك الإيمان الكلي غير المجزأ، الذي ينطوي على نظرة واعية وعميقة لفلسفة الطاعة لله والانقياد لأحكامه.

ففي الأرجوزة الأولى التي هي أشهر من نار على علم يقول ابن أمير المؤمنين(عليهما السلام):

والله إن قطعتـمُ يـمينـي    إني أحامي أبداً عن ديني

وعن إمامٍ صادق اليقين    نجل النبي الطاهر الأمين(5)

   إن الفطرة السليمة لأبي الفضل العباس (عليه السلام) توحي لصاحبها بحفظ القيم والمبادئ، عبر العمل الذي يستدعي التضحية أحيانا، وهذا الإيمان العقدي جعل العبد الصالح يرى كل ما يشاهده، أو يتعرض له أو يمارسه في الحياة، من شأنه أن يكون كمالا للنفس. فقطع اليمين لا يعني خسرانا، كما أنه لا يعني نقصا؛ بل هو نعمة إلهية خص الله بها نفسا كريمة من دون غيرها. فهو يبدأ بواو القسم، ثم يردفها باسم الجلالة؛ ليؤكد أن قطع اليمين لا تثنيه عن الدفاع عن الدين، بل هي الضريبة التي لا بد أن يدفعها التقي الورع في طريق التكامل النفسي والسمو الروحي. فالدين هوية معيارية، به ومنه يتم تقييم الأعمال، وتحديد صالح الأفعال من طالحها؛ لذلك نجد العباس (عليه السلام) بدأ بذكر وجوب الدفاع عن المنظومة الكلية للاعتقاد (أي الدين) ثم تحول إلى الأصول الاعتقادية الأخرى.

   والأصول الاعتقادية التي خصها (العباس) (عليه السلام) بالذكر بعد ذكر الدين هي الأثافي الثلاث (التوحيد والنبوة والإمامة)، وبذا يكون الانتقال الطبيعي من الاعتقاد الكلي إلى الاعـتقادات الجزئية الأسـاسـية للمعرفة الكليـة انتقالا طوعيا سلسا. فالدفاع عن الدين يتطلب الإيمان بالله والدفاع عن النبوة والإمامة، وهذه الأصول الثلاثة يسند بعضها بعضا، فالتوحيد فطرة الله التي غرسها في عباده، وهي تدعـوهم إلـى الإيمـان بالنبوة والإمامة، والنبوة والإمامة كلاهما يدعوان إلى التوحيد. من هنا نفهم وقفة الخير المطلق ممثلا بشخصية العباس بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الذي تمثّل الاعتقاد بالدين وحب الله ونبيه والإمام في ذاته وصفاته وأفعاله، فراح يدافع عن اعتقاده بيمينه حتى قُطعت.

وابشري برحمة الجبّار:

وبعد أن قُطعت يمينه أخذ السيف بشماله، ليضع لنا قاعدة جديدة ومصداقا جليا في الثبات على العقيدة، وهو يقود حركة الصراع التاريخي بين الخير والشر. وعندما قُطعت يساره نكاد نسمعه وهو يرتجز فخرا ويقول:

يا نفس لا تخشي من الكفارِ 

وابشـــــــري برحمة الجبّارِ

مـــع النبـي السـيد المـختـارِ  

قد قطعوا ببغيــــهم يساري

 فأصلهم يا رب حر النارِ(6)

 وبقطع اليد اليسرى يدخل الاختبار الإلهي مرحلة جديدة، يجعل العباس (عليه السلام) أكثر قربا من دخول التاريخ، عبر قيادته لحركة الصراع الأزلي بين الحق والباطل، أو بين الخير والشر. ونجده في البيتين أكثر ثباتا وفرحا على الرغم من شدة الآلام والعذابات التي يتعرض لها وهو يخوض النزال لوحده نيابة عن القلة المؤمنة التي وعدها الله بالنصر.

   ويبدأ الارجوزة باستعماله لحرف النداء (يا) الذي يُستعمل لنداء البعيد، ليوحي للسامع بقصدية الخطاب عبر استعمال صيغة النكرة. فانسيابية البيت تحتمل مخاطبة أبي الفضل (عليه السلام) لنفسه، ومحاولة تحذيرها من الوقوع في دائرة الخوف من العدو الذي يذهب بتضحياته وصبره ادراج الرياح ؛ لكن المعنى الحقيقي أو الأدق لاستعماله النكرة في لفظة (نفس) هو تحذير المؤمن من الانخداع بقوة الباطل ومن ثم الركون إليه. فالخوف يسلب الإنسان بصيرته وعزمه، فيكون لقمة سهلة للشيطان الذي يدفعه عبر خوفه إلى الخضوع للظالم، ومن ثم طاعته والاستسلام له، وهذا ما يبعده عن حوزة الله والعياذ بالله.

   وبعد أن وجد ابو الفضل العباس (عليه السلام) في نفسه الانقطاع إلى الله، والصبر والصمود في وجه الكثرة الظالمة، استبشر بالخير، واستيقن نجاحه بالامتحان الإلهي، وعبوره إلى الضفة الثانية ضفة القرب من الله ورضوانه، وهذه المرحلة هي مرحلة زوال الفتن وسقوط العقبات. لذلك نجده يقول :

وابشري برحمة الجبارِ

وهذه المرحلة هي مرحلة الفتح التي بشر بها الإمام الحسين(عليه السلام) في بداية مسيره إلى كربلاء(7)، ولا شك في مجاورته الأنبياء والصالحين في هذه المرحلة، بعد أن حطم (عليه رضوان الله) ومغفرته قلاع الحجب قلعة بعد قلعة.

   وبعد الأشطر الثلاثة التي سلفت يخبرنا العباس (عليه السلام) أن يساره ببغيهم قد قطعت فأُلحقت باليمين، وهذا الأمر كان مدعاة للدعاء عليهم بالويل والثبور، لأنهم ببغيهم يمثلون حالة الاستكبار والطغيان والظلم، يتربعون في الظلام لذا يحاربون بصيص النور، يقتاتون على الفتنة لذا يعيقون حركة الانسان باتجاه التحرر؛ والسبب في ذلك لأنهم يعيشون حالة النكوص والتخاذل والاستسلام الأعمى للطاغوت، وهذا ما حاربه الأنبياء والرسل والصالحون في الصراع التاريخي الأزلي بين القلة المظلومة والكثرة الظالمة.

توظيف النص القرآني:

   ويبرز الأثر القرآني جليا في أرجوزتي العباس (عليه السلام)، إذ يوظّف اللغة القرآنية عبر مفردتي اليمين واليسار، ليصل بهما إلى صورتين كنائيتين في غاية الدقة، يؤدي الربط الدلالي بينهما إلى صورة ثالثة، هي أقرب إلى الميتا لغة في صناعتها الدلالية.

ففي قوله:

 واللهِ إن قطعتم يميني       إني أحامي أبدا عن ديني

يستعمل لفظة (اليمين) استعمالا متساوقا مع الاسلوب القرآني، فالقرآن يستعمل هذه الملفوظة كناية عن الصفة المعنوية، ويريد بها كرم المنزلة والرفعة، كقوله تعالى في سورة الواقعة(وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين، في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب، وفاكهة كثيرة، لا مقطوعة ولا ممنوعة، وفرش مرفوعة، إنا أنشأنهن إنشاء، فجعلنهن أبكارا، عربا أترابا، لأصحاب اليمين) [الواقعة : 26 -38].

فاليمين في المصطلح القرآني يساوي الإيمان والسعادة والبركة، وأصحاب الميمنة تقف في قبالة أصحاب المشأمة (أصحاب الميسرة). وأرجوزة العباس تتسم باستلهام مبادئ العقيدة الاسلامية، والانصهار في المفهوم القرآني، فتستعمل اليمين في سياق الدفاع عن الدين والعقيدة، وتحمّل اللفظة طاقات دلالية إيجابية، تظهرها بمظهر البداهة العقلية غير المنسلخة عن النص المقدس.

   أما في الأرجوزة الثانية فيقول:

قد قطعوا ببغيهم يساري         فاصلهم يا رب حر النارِ(8)

وفي هذا المقطع الشعري يستعمل العباس (عليه السلام) ملفوظة اليسار في مقتضى منطق السياق القرآني، ونسـق الأقـوال فيه، فاليسار في القرآن قرين الكفر والشرك والشقاء، وتستعمل قرآنيا كناية عن هوان المنزلة، ومن ذلك قوله تعالى (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال، في سموم وحميم، وظل يحموم، لا بارد ولا كريم، إنهم كانوا قبل ذلك مترفين) [الواقعة: 40-44].

وهي في الأرجوزة وظفت لهذا الغرض، وتلك الدلالة، وكأن ابن الإمام المعصوم يغترف من الخطاب القرآني نصا وروحا وأسلوبا، فاليسار استعمله مع الكفر الذي يقود إلى النار

   والجمع بين الارجوزتين، أو الجمع بين الصورتين في الارجوزتين ينتج صورة دلالية للنص الشعري في غاية الثراء، استطاعت استلهام النص القرآني وتوظيفه دلاليا بما يخدم جمالية النص الشعري وطاقته التأثيرية. بعبارة آخرى أن الأرجوزة الأولى تنتج صورة كنائية أولى، والأرجوزة الثانية تنتج صورة كنائية ثانية والجمع بين الصورتين الأولى والثانية ينتج صورة كنائية ثالثة منتزعة بعناية من النص القرآني الكريم.

   ولم تكن هذه الصورة هي الصورة الوحيدة في الخطاب العباسي، الذي تتماهى فيه اللغة الشعرية مع النص القرآني، ويجنـح فيـها الموضوع الإنساني إلى الغرض الرباني، ليزداد الملفوظ البلاغي ألقا وإثارة في وعي المتلقي.

   فلحامل لواء الحسين (عليه السلام) أرجوزة في غاية الإثارة، يتمثل فيها الترابط الشرطي بين الخطاب الآيدلوجي للنظرية الإسلامية والسلوك الإيماني للفرد الحامل للخطاب. فقد ذكر الرواة أن العباس (عليه السلام) في العاشر من محرم استأذن إمامه في المعركة، ثم ركب جواده قاصدا الفرات الذي ازدحم على حمايته ما ينيف على أربعة آلاف مقاتل، فلم تثبت له الرجال، ونزل إلى الماء مطمئنا ليشرب، ولما اغترف غرفة ليروي ظمأه تذكر عطش الحسين (عليه السلام)، فارتجز ارجوزته المشهورة وقال:

يا نفس من بعد الحسين هوني   

وبعده لا كنت أن تكوني(9)

هذا الحسـين وارد المـنـونِ

وتشـربـين بـارد المعـينِ

 تالله ما هذا فعال ديني (10)

   فالبيت الأول يميط اللثام عـن حقيقـة ذوبان شـخصيـة العبـاس في شـخصية الإمـام الحسين (عليه السلام)، ومقدار العشق الروحي الذي يربط بين الإثنين، إذ يرى العباس (عليه السلام) في حب الحسين (عليه السلام) جزءا من عقيدة التوحيد عنده، فالله جل ذكره يقول في كتابه الكريم (والذين آمنوا أشد حبا لله)[البقرة: 156]، ومن ثَمّ يصبح حب الأنبياء والمرسلين وأولياء الله الصالحين - ومنهم الحسين (عليه السلام) مظهرا من مظاهر التوحيد. لذا نجده (عليه السلام)يعبر عن هذه العاطفة العارمة وهذا الإحساس المتدفق بوجدان ثر، يعتمد على العقل في البصيرة والتخطيط المسبق للعمل، لذلك يجد الفخر في بذل روحه رخيصة بين يدي أبي عبد الله (عليه السلام) (يا نفس من بعد الحسين هوني) ؛ بل يذهب إلى أبعد من ذلك، حين لا يجد لنفسه كيانا بعد الحسين (وبعده لا كنت أن تكوني).

أما البيت الثاني فيعد صرخة من صرخات الوفاء، بقيت معانيها حية طرية، تعبر السنون، وتجتاز معمريها، لتعلم الأجيال قيم الإخلاص والتضحية، وتعبد سبل النجاة، لسالكي طرق الحرية.

وقد وجدت فيه نكتة أخرى، إذ يحيلنا البيت الشعري إلى مضمون قرآني، يتجسد فيه الماء والظمأ اختبارا قاسيا لأتباع الأنبياء والأوصياء، الذين صدقت سرائرهم، وقدموا لسلوكم مقدمات عقلية مشتملة على مصالح أفعالهم ؛ ولكنهم – على ما يبدو – ما زالوا يخضعون للاختبارات والامتحانات للوصول إلى مرحلة المخلصين، التي لا ينالها إلا ذو حظ عظيم، وهي سنن الله في خلقه، ولا تبديل لكلمات الله (فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فانه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين)[البقرة: 248].

   فالماء ابتلاء قرآني يسوقه النص المقدس في معرض سرده لقصة طالوت ونبي الله داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، والماء ابتلاء طفي يسوقه الرواة في سردهم لقصة مقتل السبط المطهر عليه وعلى جده النبي المصطفى تحية وسلام.

فالمعركة في جوانبها الجهادية واحدة، والإبتلاء في كلتا المعركتين واحد، بيد أن الجندي الذي يحمل لواء الطف ويقف إلى جنب السبط المعظم لا يوجد مثله في معركة طالوت وجنوده. من هنا يجب أن نفهم مكانة العباس الكبيرة، الذي يعد ضمير الأمة المتوقد على مر العصور والأزمنة. فالظمأ في معركة الطف أخذ من الإمام العباس مأخذا يضاف إلى حر الصيف، وثقل الحديد، ولكنه عندما كشف الجيش وامتلك الماء وقف على النهر ممتنعا عن الشرب

          هذا الحسين وارد المنون     وتشربين بارد المعين

                           تالله ما هذا فعال ديني(11)

وأبى حتى الغرفة، على الرغم من معرفته بالإباحة، على خلاف معركة داود النبي الذي أفتى بمنع شرب الماء إلا من اغترف غرفة.

فسلام عليه متى طلعت شمس ومتى غربت، وسلام عليه يوم ولد، ويوم مات، ويوم يبعث حيا.

------------------

1- لسان العرب: 9 / 309.

2- المصدر نفسه: 9 /310.

3-التيار الإسلامي في شعر العصر العباسي – د مجاهد مصطفى بهجت – 1982: 819.

4- ينظر: أصول العقائد في الاسلام-مجتبى الموسوي: 14/15.

5-مقتل الحسين (عليه السلام) : 282.

6-مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة:4 / 403.

7-ذكر المؤرخون وأرباب المقاتل أن الحسين (عليه السلام) كتب إلى بني هاشم : من لحق بنا منكم استشهد ومن تخلف لم يبلغ الفتح.

8-مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة: 4 / 403.

9- وفي بعض المصادر (أوتكوني).

10-مقتل الحسين (عليه السلام) : 281.

11-المصدر نفسه (عليه السلام): 281.