قد يسأل سائلٌ: هل شريعة الإسلام صالحة للتطبيق في كلّ زمانٍ ومكانٍ؟ وإذا كان الجواب: نعم، هل يجب أنْ تُطبَّق كاملةً أم بحسب الظروف؟
هذا السؤال فيه شقّان، الأول منهما: هل الإسلام صالحٌ للتطبيق في كلّ زمانٍ ومكان؟ والآخر: وعلى تقدير الجواب بـ "نعم" فهل تطبَّق الشريعة كاملةً كما أرادها الله، أم بعضًا منها كما حكمت الظروف؟
جواب السؤال الأوّل:
حينما نتأمّل بعيون بصيرتنا في قوانين هذا الكون الصارمة والدقيقة، نعلم جيدًا أنَّه يجري على وفق نظامٍ ودقَّةٍ عاليين، يكونان مرآةً تنعكس عنها أنوار حكمته تعالى.
فهذا الخالق العظيم الذي وضع قوانين الكون من الجاذبيَّة التي ترفع السماوات بلا عمد، وزيَّنها بالنّجوم تضيء كالمصابيح، وتومض كالقناديل، والذي خلق الشمس تجري لمُستقرٍ لها، والذي بسط المهاد، ودحا الأرض ووتَّدها بالجبال، هذا الخالق الذي وضع هذه القوانين الكونيَّة الدقيقة، هو نفسه من وضع القوانين التشريعيَّة الصارمة التي نستطيع القياس من خلال حكمته الدقيقة في خلق الكون، دقَّة حكمته في وضع التشريع.
أبعاد القوانين التشريعيَّة
وميزة هذه القوانين التشريعيَّة أنَّ لها ثلاثة أبعاد:
البعد الأول: تنظيم العلاقة بين الله تعالى وعباده، وكان من جملة ذلك تشريع العبادات.
البعد الثاني: تنظيم العلاقة بين الإنسان ومحيطه الاجتماعيّ والطبيعيّ، فمن الأول تنظيم المعاملات بينه وبين بني جنسه، فشرع حرمة الظلم، وحبَّب التكافل، وزيّن التعاون على البرّ والتقوى، وكرَّه التنابز بالألقاب، وأن يغتب بعض النّاس بعضا، كلُّ أولئك في سبيل صلاح المجتمع، واستقراره.
ومن الثاني: تنظيم العلاقة بينه وبين الطبيعة، فحثَّ على عمارة الأرض، وغرس الأشجار، وشقّ القنوات، والحفاظ على الخيرات، والثروات ونحو ذلك.
البعد الثالث: تنظيم العلاقة بينه وبين نفسه، فمن حيث النفس فإنّه حرَّم إذلالها وانتحارها، ومن حيث الجسد فإنّه حرَّم التمثيل به وبيع بعض أعضائه كاليد والعين.
الشريعة ليست بمعزلٍ عن الحياة
وللشريعة ميزةٌ أخرى تفترق عن باقي الشرائع، وهي أنَّها تتدخَّل في توجيه الإنسان وتنظيم سلوكه في أدقّ تفاصيل حياته، وأشدّ خصوصيَّاته، وأضرب لك مثلين:
الأول: في الخلوة حين يُريد قضاء الحاجة، فقد جعلت له آدابًا وسُننًا، من السِتْر والذّكْر، واتقاء مساقط الثمار، والتنزّه عن شواطئ الأنهار، وتجنّب أفنية المساجد، وتحاشي قارعة الطريق.
الثاني: في الفراش حين يختلي الزوجان، أيضًا جعلت لهما آدابًا يحتذيان بها، وسننًا لا يحيدان عنها، فكرّه لهما الجماع عند كسوف الشمس، والمقاربة حين خسوف القمر، وعند هبوب الريح الحمراء، ووثوب الريح الصفراء، وفي أول ليلة الشهر وأوسطه وآخره، وحبّب التسميّة قبله، والاستعاذة بعدها.
والذي غطّى أخصّ الخصوصيات يغطي العموميّات أيضًا، فللإسلام في الاقتصاد رأيٌّ، وفي السياسة رأيٌّ، وفي كلّ مناحي الحياة رأي، حتى اشتهر على لسان الفقهاء قاعدةٌ اقتنصوها من أحاديث الأئمّة (عليهم السلام) ((ما مِنْ شيءٍ إلَّا وفيه كتابٌ أو سنَّةٌ))(1) فقالوا: (إنَّ لله في كلِّ واقعةٍ حكمًا).
عين الرقابة الغيبيَّة
وللإسلام رقابته التي تختلف جذريًّا عن المراقبات الوضعيَّة الأخرى، فالموظف الملتزم مثلًا لا يخشى الكاميرا المعلَّقة في غرفة عمله، ولا سجلَّ الانصراف والحضور، ولا جهاز البصمة؛ لأنَّه يراقب عين الله تعالى في حضوره وانصرافه وتأدية عمله، فسيَّان عمله في حضور المراقب وغيابه، وفي عمل الكاميرا وعطلها؛ لأنَّ مديره في العمل هو الله تعالى وليس صاحب العمل، (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [التوبة:105]، فتجده شديد الالتزام، عظيم المواظبة، بخلاف من لا يلتزم فبمجرد سنوح الفرصة يترك عمله، ويتقاعس في أداء واجبه.
والإنسان المتديّن لا يمدُّ يده إلى البضاعة الحرام في المحلّ، ولا إلى الأموال الحرام في الخزينة، يوم تسقط الأنظمة، وتنقلب الأوضاع؛ لأنَّه يخشى الله تعالى في السّلم والحرب، وفي اضطراب الأحوال واستقرارها، بخلاف من لا يؤمن بالشريعة الإسلاميَّة، ويتقيّد بالقوانين الوضعيَّة، بمجرّد أنْ لا يكون للرقابة القانونيّة دور، فهو السارق، والخائن، والمجرم.
شروط واضع القانون: النزاهة، والعلم
وواضع القوانين مهما كان نزيهًا فلا بُدَّ أنْ يضع القوانين – ولو من ناحيةٍ لا شعوريَّةٍ – بما يحفظ مصالحه، فكلُّ فئةٍ تشرع القوانين لتأمين منافعها، وحفظ مصالحها، بينما الله تعالى ليست له مصالح تعود عليه بالنفع ليكتب تشريعاته وفقهه، نعم، هو سبحانه يكتبها لمصالح العباد، فيعود النفع بها عليهم جميعًا، لا يختلف في ذلك عربيٌّ وأعجميٌّ، ولا يتخلّف عن نفعها أبيض عن أسود.
ولو فُرض أنَّ واضع القوانين البشريَّة مجموعةٌ في منتهى النزاهة، وفئةً في غاية الأمانة ولكن؛ لقصور العقل البشريّ عن معرفة المصالح بحسب الواقع، والملاكات في نفس الأمر لا يصحُّ لها أنْ تكتب قانونًا، وتشرّع أحكاما؛ لأنَّها غير محيطةٍ بأسرار المجتمع تمام إحاطة، ولا خبيرة بشؤونه أحسن ما يكون.
إذن، خلاصة البحث، وزبدة القول ولبابه، أنَّ من يصلح لكتابة القانون: من لا مصلحة له يراعيها يوم تشريعه، وعلمه فوق الزمان والمكان ساعة رسمه، وهو الله (عزَّ وجلَّ) لا غير، وهو تعالى شرع الإسلام منهجًا للإنسان، وطريقًا له، وهذه الشريعة أحرى من غيرها بالتطبيق، وأجدر من سواها بالالتزام.
إذا تبيَّن جواب السؤال الأول ممّا مضى، فتعال إلى جواب السؤال الثاني ممّا يأتي: هل الإسلام صالحٌ للتطبيق كلًّا أم بعضًا؟
الجواب:
الإسلام – من حيث المبدأ - صالحٌ للتطبيق في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، ولكن لا بُدَّ من أنْ يكون التطبيق بيد القيّم على الإسلام، ومن ذلك المعصوم (عليه السلام)، ومن جعله نائبًا عنه كالفقهاء الجامعين للشرائط.
فقد يكون الظرف مؤاتيًا لتطبيقه، مساعدًا على الأخذ به، ولكن من يسعى في هذا الأمر غير فقيهٍ بأحكامه، أو مخلصٍ في خدمته، وذلك كما حصل بعد شهادة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فقد كانت نار الإيمان تتلظّى في قلوب أولي التقوى، و أنفاس العبادة تتصعّد في جوانح ذوي الإيمان، وصوت النبي (صلى الله عليه وآله) يتردّد في المسامع، وصورته تتشكّل في العيون، ومن أنفاسه في الجوّ عبير، ومن صوته في المساجد صدى، وأرواح الناس مشرئبةٌ إلى تلك التعاليم، وقلوبهم تهفُّ إلى هذه التشريعات، ولكن جاء من لا يعرف الفاكهة من الأبِّ، وأحكام الكلالة، وموارد التيمم، ممّن ألهاه الصفق في الأسواق عن التفقّه في الدين، فحرّف أحكامه عن أصولها مع وضوحها، فأتى بأحكامٍ ما له بها من علم، ولا نزل عليه بها من رسول.
حتى عاد الظرف لتطبيقها غير مواتٍ، والقائم عليها غير فقيه، وقد لا يكون الظرف صالحًا لعمليَّة التطبيق، فيؤخذ ببعض أحكامه التي يتحمّلها الظرف، ويترك الباقي إلى يوم المساعدة عليه، مثل حدّ السارق، ورجم الزاني، فاليوم لا تساعد الظروف على تطبيق الحدود لأمورٍ لا تخفى على القارئ اللبيب.
وقد يأتي اليوم الذي يكون فيه الظرف مؤاتيًا لتطبيقه كلّه في البلاد كلّها، مع وجود القائم عليه، كما عند قيام القائم (عليه السلام) إن شاء الله، الذي يملأها قسطًا وعدلًا بعدما ملئت ظلمًا وجورًا، هنالك تشرق شمس السعادة على أفق البشريَّة، وينعم المؤمنون في جنّات الحكم الإلهيّ السديد، ويعرف الناس يومئذٍ الفرق بين أحكام الله تعالى، والقوانين التي يشرّعها البشر، فهو مثل الفرق بين قرنيّة العين وعدسة الكاميرا، وصيوان الأذن ولاقط السماعة، لا قياس بينهما أبدًا، ولا مقارنة بينهما أبدًا.
----------------
1- الكليني، الكافي: 1/59.