100%
الكلم الطيب

أثر القرائن في توثيق الحديث

د. ضياء الدين المشعشع

الحوزة العلمية في النجف الاشرف

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 208 – الصفحة (15)

 

يعد علم الحديث من أشرف العلوم الإسلامية؛ إذ يعنى بحفظ السنّة النبوية الشريفة وتمييز صحيحها من ضعيفها، وقد بذل المحدثون جهوداً كبيرة في وضع الضوابط والقواعد على الروايات، التي تكفل الوصول إلى الحكم الصحيح، ولم يقتصر اعتمادهم في توثيق الحديث على دراسة أسانيده وأحوال رواته فحسب، بل توسعوا في الاستفادة من القرائن التي قد تحف بالحديث أو بالراوي، فتسهم في تقوية الوثوق بصدور الرواية، أو تضعف الاعتماد عليها عند فقدها أو قيام ما يعارضها.

 

وتكتسب القرائن أهمية خاصة في الدراسات الحديثية؛ لأنها تمثل عنصراً مساعداً في بناء الاطمئنان بصدور الحديث، ولا سيما في الموارد التي لا يُكتفى فيها بالنظر السندي المجرد للوصول إلى نتيجة حاسمة؛ من هنا اهتم علماء الإمامية، إلى جانب غيرهم من علماء المسلمين، ببيان أنواع هذه القرائن، كالقرائن المتصلة والمنفصلة، والقرائن الداخلية والخارجية، وما يرتبط بموافقة القرآن الكريم، واشتهار العمل بالرواية، وتلقي العلماء لها بالقبول، وغير ذلك من المؤشرات التي تعين الباحث على تقويم النص الحديثي.

وتسعى هذه المقالة إلى تسليط الضوء على مفهوم القرائن في علم الحديث، وبيان أثرها في توثيق الروايات، مع إبراز مكانتها في المنهج الحديثي، وبيان مدى اعتماد المحدثين عليها في ترجيح بعض الأخبار أو الحكم بوثاقتها، بما يكشف عن مرونة المنهج النقدي في التعامل مع النصوص الحديثية، ويؤكد أن عملية التوثيق تستند إلى منظومة متكاملة من الأدلة والقرائن، التي تقرب الباحث من الحكم الصحيح.

 

مفهوم القرائن وأنواعها:

إنّ علماء الإمامية لم يضعوا - بحسب ما اطلعت عليه من مصادر - تعريفاً اصطلاحياً مستقلاً لمصطلح "قرائن الحديث" كما فعلوا مع مصطلحات اخرى: كالصحيح، والحسن، والموثق، وغير ذلك، بل تكلموا عن القرائن المفيدة للعلم أو الوثوق بصدور الخبر، وذكروا أمثلتها وآثارها.

فقد ذكر الشيخ الطوسي (قدس سره)أن المتواتر يفيد العلم، وما ليس بمتواتر على ضربين فضرب منه يوجب العلم أيضاً، وهو كل خبر تقترن إليه قرينة توجب العلم، وما يجري هذا المجرى يجب أيضاً العمل به، وهو لاحق بالقسم الأول، والقرائن أشياء كثيرة منها أن تكون مطابقة لأدلة العقل ومقتضاه، ومنها أن تكون مطابقة لظاهر القرآن الكريم(1)، فهذا النص يدل على أنّ الشيخ الطوسي (قدس سره) يجعل القرينة أمراً يورث العلم بصدور الخبر؛ أمّا الراوندي (قدس سره) فيذهب أيضاً الى أنّ الأخبار المتواترة توجب العلم على الإطلاق، وكذلك إذا كانت غير متواترة، وقد اقترن بها قرينة من أحد خمسة أشياء من أدلة: العقل، والكتاب، والسنة المقطوع بها، أو إجماع المسلمين أو إجماع الطائفة، فهذه القرائن تدخل الأخبار – وإن كانت آحاداً - في باب المعلوم، فتكون ملحقة بالمتواتر(2)؛ فإن المقياس في الأخذ بمضمون الروايات ليس هو دوماً صحة السند من ضعفه، فليس كل ما لم يثبت فيه سند صحيح، فإنّ ذلك دليل على صحة طرحه وعدم الأخذ بموجبه، فإنّه توجد في بعض الأحيان قرائن داخلية وخارجية تحيط بالرواية وتكتنفها، تستوجب الوثوق بالصدور وتشهد بصحة محتوى الحديث(3)؛ وإليك بعض أنواع القرائن:

القرائن السنديّة: القرائن السنديّة مثل: الوثاقة ونحوها(4)، والتعرّف على أحوال الرواة من حيث كونهم عدولاً أو غير عدول، موثقين أو غير موثقين، ممدوحين أو مذمومين، أو مهملين، أو مجهولين والاطلاع على مشايخهم وتلاميذهم وحياتهم وأعصرهم وطبقاتهم في الرواية، حتى يعرف المرسل عن المسند ويميز المشترك، إلى غير ذلك مما يتوقف عليه قبول الخبر(5)، ومن القرائن السندية أيضاً كثرة الطرق وتعدد الأسانيد، وزيادتها، ولا إشكال في رجحانه إذ ربما تكون الرواية بواسطة ذلك من القسم المستفيض أو المحفوف بالقرائن المتاخمة للعلم، بل قد يبلغ العلم(6).

القرائن المتنية: مثل موافقة القرآن والسنة القطعية، وهذه القرائن كلها قرائن علمية يرتبط بعضها بتصحيح مضمون الخبر، وهي مثل موافقة القرآن الكريم وموافقة السنة القطعية(7).

القرائن الخارجية: منها مثلاً: عمل المشهور، أو الشهرة الروائية، أو وجود الحديث في الأصول المعتبرة وغير ذلك، فإنّ العِلْمَ له أسباب كثيرة، منها الخبر المحفوفُ بالقرائن وإن ضَعُفَ هذا الخبر فإنّ القرائنَ الخارجيّةَ قد توجِبُ العلمَ بمضمونه(8).

 

أثر القرائن في توثيق الحديث:

جبر ضعف السند: مثلاً جبر ضعف السند بعمل الأصحاب، ومن المعلوم أنّ اعتماد جُلّ الأصحاب على رواية شخص - مع تفاوتهم في توثيق الرجال واختلاف مبانيهم فيه - يكشف بنحو الآن عن ظفرهم بقرينة على صدورها من المعصوم (عليه السلام)، وهو موجب للاطمئنان الشخصي بالصدور، والمختار في حجية الخبر الواحد هو الوثوق به الأعم من الخبري و المخبري(9).

زيادة الاطمئنان بصدور الحديث: إذ تختلف مراتب الحديث الضعيف باختلاف الأسباب الموجبة لتضعيفه، فالذي يرويه المعروف بالفسق أو الكذب من الإمامية أسوأ حالاً من الذي يرويه مجهول الحال، والذي يرويه مجهول الحال من غيرهم أسوأ حالاً مما يرويه المجهول منهم، وهكذا كلما كانت أسباب الضعف واضحة جلية لا تقبل المراجعة، كان الخبر أبعد عن الاعتبار وأشد ضعفاً، فالذي يرويه العدل الإمامي الفقيه الورع الضابط، أصح مما يرويه العدل الإمامي الفاقد لبقية هذه الصفات، والحديث الحسن المروي بطريقين أو ثلاثة أقوى من المروي بطريق واحد وهكذا بالنسبة إلى الموثق، وربما يكون الحسن في مرتبة الصحيح، كما لو روي بطريقين أو أكثر واقترن ببعض المرجحات، ومردّ ذلك إلى قوة الاطمئنان بصحة الحديث والوثوق بصدوره عن المعصوم في أمثال هذه الموارد(10).

أن بعض الأحاديث حكم بصحتها اعتماداً على اجتماع القرائن، وإنْ لم يكن جميع رواتها موثقين، وقد تجتمع أحياناً القرائن الخارجية والداخلية معاً لإثبات مضمون الخبر والرواية(11).

الاطمئنان بوثاقة الراوي: إنّ سعي المستنبط على جمع القرائن والشواهد المفيدة للاطمئنان على وثاقة الراوي أو خلافها، من أوثق الطرق وأسدّها... للتسلط على طبقات الرواة والإحاطة على خصوصيات الراوي، من حيث المشايخ والتلاميذ، وكمية رواياته من حيث القلة والكثرة، ومدى ضبطه، إلى غير ذلك من الأمور(12).

 

نماذج لأخذ العلماء بالقرائن:

-  ومن ذلك ما عالج به السيد الخميني (رضوان الله عليه) ضعف المستند لقاعدة ضمان اليد، وهو الحديث النبوي: ((على اليد ما أخذت حتى تودي))(13)، إذ قال: " لعل من مجموع ذلك ومن اشتهاره بين العامة قديماً على ما يظهر من علم الهدى & ومن اتقان متنه وفصاحته بما يورث قوة الاحتمال بأنه من كلمات رسول الله (صلى الله عليه وآله) لسمرة بن جندب وأشباهه، ربما يحصل الوثوق بصدوره، ولعل بناء العقلاء على مثله مع تلك الشواهد لا يقصر عن العمل بخبر الثقة (14).

ويمكننا الاستشهاد أيضاً بما تعرض له بعض علمائنا لإثبات تأثير القرائن في تصحيح الخبر مع كونه مرسلاً أو ضعيفاً من ناحية السند، ومن أمثلة ذلك ما قال الشيخ المفيد (رضوان الله عليه) عند ذكره لفضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) وكراماته اذ قال:  "ومن ذلك ما رواه أهل السير وأشتهر الخبر به في العامة والخاصة حتى نظمه الشعراء وخطب به البلغاء ورواه الفهماء من حديث الراهب بأرض كربلاء والصخرة، وشهرته يغني عن تكلف إيراد الإسناد له"(15)، وقال أيضاً عن خطبته (عليه السلام) المعروفة بـ (الشقشقية): ((فأما خطبته (عليه السلام) التي رواها عنه عبد الله بن عباس (رحمه الله) فهي أشهر من أن ندل عليها ونتحمل لثبوتها))(16).

ومما تقدم يتضح أنّ القرائن تعد من أهم الأدوات التي يعتمد عليها المحدثون في توثيق الأحاديث وتمييز صحيحها من ضعيفها، إذ لا يقتصر الحكم على الحديث على دراسة السند المجردة، بل يمتد الى ملاحظة القرائن المحيطة به، سواء أكانت داخلية تتعلق بمتنه أم خارجية ترتبط بطرق روايته وعمل العلماء به وموافقته للأصول الشرعية، ومن هنا أسهمت القرائن في تعزيز دقة المنهج الحديثي وتحقيق قدر أكبر من الاطمئنان بصحة الروايات، مما يكشف عن مرونة المنهج النقدي عند علماء الحديث وعمقه، ويبقى استثمار القرائن، على وفق الضوابط العلمية المعتبرة، ضرورة لتحقيق نتائج أكثر دقة في دراسة السنّة النبوية، وعليه يمكننا الخروج ببعض النتائج، أبرزها الآتي:

- إنّ القرائن عنصر أساسي في المنهج الحديثي.

- إنّ التوثيق لا يعتمد على السند وحده، بل على مجموع الشواهد والقرائن.

- إنّ الجمع بين دراسة السند والمتن والقرائن يحقق نتائج أقرب إلى الواقع في الحكم على الحديث.

------------------------

  1. الطوسي، الاستبصار: 1/3.
  2. الراوندي، الخرائج والجرائح: 3/1040.
  3. الهاشمي، حوار حول الزهراء: 286.
  4. المفيد، أوائل المقالات: 378.
  5. السبحاني، كليات في علم الرجال: 12.
  6. الخاقاني، رجال الخاقاني: 106.
  7. الفضلي، أصول الحديث: 85.
  8. الشهيد الثاني، رسائل الشهيد الثاني: 1/574.
  9. المروج، منتهى الدراية: 8/168.
  10. الحسني،هاشم معروف،دراسات في الحديث والمحدثين: 46-47.
  11. الهاشمي، حوار مع الزهراء (عليها السلام): 306.
  12. السبحاني، كليات في علم الرجال: 157.
  13. الطبرسي، مستدرك الوسائل: 14/8.
  14. الخميني، كتاب البيع: 1/376.
  15. المفيد، الإرشاد: 1/334.
  16. المفيد، الجمل: 62.