م.م مؤمل هاشم عبيد الربيعي
جامعة الكوفة- كلية الآداب
المصدر: مجلة الولاية – العدد 195 – الصفحة (57)
تُعدُّ المسؤولية في الدين الإسلامي مهمة جداً؛ وذلك لتحديدها لمصير وتطور الأمة الإسلامية بأكملها من جانب، ومن جانب آخر فإنّها تحدّد تطور الرسالة المحمدية في الأرض، وأيضاً مستقبل الدعوة الإسلامية والإنسان خلق لغاية لا بد من تحقيق الغاية التي من أجلها استخلفنا الله في أرضه، ألا وهي عبادته، قال تعالى : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[الذاريات: 56]، وكذلك عمارة الأرض نحو الإصلاح ونشر الإسلام وتقويم الانحرافات التي تحصل فيها لنكون بمستوى المسؤولية الإصلاحية لمواجهة الضلالات والانحرافات والتصدي للهجمات الشرسة الفكرية والقضاء على الأفكار التي بدأت تحرف مجتمعاتنا العربية المسلمة، بحجة التكنلوجيا والتحرّر، ما أدى إلى الانسلاخ عن الهوية الإسلامية والابتعاد عن القيم والأخلاق النبيلة، التي دعا إليها الإسلام، فمن واجب كل فرد أن يقوم بالمسؤولية كلٌّ بحسبه كما ورد عن النبي(صلى الله عليه وآله): (كُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والأمِيرُ راعٍ، والرَّجُلُ راعٍ علَى أهْلِ بَيْتِهِ، والمَرْأَةُ راعِيَةٌ علَى بَيْتِ زَوْجِها ووَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ)(1).
ويعد من لزوم الإيمان ومكملاته العمل على نشر الدين ونصره والدفاع عنه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾[محمد: 7] ويعدُّ الجهاد في مواجهة الكفار المحاربين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مصاديق نصر دين الله.
وإن من القيم العظيمة التي أرساها الإسلام ودعا إليها وربّى أتباعه عليها تحمل المسؤولية، خاطب بذلك الأفراد والمجتمع والأمة، وجعل القيام بهذه المسؤولية سبباً للفوز في الدنيا والآخرة.
يجب على كل مسلم أن يستشعر مسؤوليته العظيمة نحو نفسه ومن حوله وواقعه، وهذا الشعور بالمسؤولية هو مفتاح الأعمال المجيدة التي تغيّر الواقع إلى ما يُرضي الله، وهذا التغيير يبدأ بتنمية الشعور بالمسؤولية، فيحرص المسلم على إصلاح النفس الأسرة المجتمع الحكومة الأمة الإسلامية كلّها، وهذا التغيير العام لا يمكن أن يكون إلا بتظافر جهود المسلمين وتعاونهم وتناصحهم وتواصيهم بالحق وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وحينئذ تسعد البشرية بشرع الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[الرعد: 11]
ولنا بأهل البيت(عليهم السلام) قدوة وأسوة ولاسيما أم الأئمة الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء(عليها السلام)، نتعلم منها كيف كان لها دورٌ رياديٌّ القيام بالمسؤولية، منها لما رأت الاعوجاج و الانحراف الذي أصاب الأمة قامت بالمسؤولية، ووقفت بوجه ذلك الانحراف والتزييف وتغيير الحقائق، ووضعت النقاط على الحروف رغم قلة الناصر، وهي مرآة لكن هذا لا يمنع من القيام بالمسؤولية، نجد أنّ الصديقة الكبرى خطبت واحتجت أمام القوم، وطالبت بإرثها بينّت أحقية أمير المؤمنين(عليه السلام) ومكانته من رسول الله وذكّرت القوم بفضلها فقالت في خطبتها الفدكية: (أيُّها النّاسُ! اعْلَمُوا أنِّي فاطِمَةُ، وَأبي مُحمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وبينّت مكانة أمير المؤمنين وقربه من رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((أاُهْضَمُ تُراثَ أبِيَ وَأنْتُمْ بِمَرْأى مِنّي وَمَسْمَعٍ، ومُبْتَدأٍ وَمَجْمَعٍ؟! تَلْبَسُكُمُ الدَّعْوَةُ، وتَشْمُلُكُمُ الْخَبْرَةُ، وَأنْتُمْ ذَوُو الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، وَالأَداةِ وَالْقُوَّةِ، وَعِنْدَكُمُ السِّلاحُ وَالْجُنَّةُ؛ تُوافيكُمُ الدَّعْوَةُ فَلا تُجِيبُونَ، وَتَأْتيكُمُ الصَّرْخَةُ فَلا تُغيثُونَ))(2).
مستويات المسؤولية:
اولاً: المسؤولية تجاه الأسرة
الأبوان مسؤولان عن تربية أفراد الأسرة، والقيام بشؤونهم وتغذيتهم بالفكر والأخلاق والمبادئ الصحيحة، والقرآن يبين أنّ مسؤولية الأب والأم هي وقاية الأولاد من الوقوع في الحرام والانحرافات، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾[التحريم: 6] وكذلك يأمرنا القرآن بتعليم الأولاد العبادات ومنها الصلاة ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾[طه: 132] ومن الطبيعي أن تكون لهذه التربية قواعد وأصول وضوابط؛ قد ألهمها الله للصديقة الزهراء، كما علّمها أبوها(صلى الله عليه وآله)، فيا ترى متى بدأت الزهراء(عليها السلام) وكيف ربّت أبناءها وبناتها؟
فالحقيقة تؤكّد لنا أنّ فاطمة الزهراء(عليها السلام) قد أنشأت بطريقتها التربوية أعلى مدرسة مثالية؛ تخرّج عنها الحسنان وزينب (عليهم السلام)، إضافةً إلى ذلك فإنّ الحبّ والحنان اللذين يبديها لسان الروايات في تعامل الزهراء (عليها السلام) مع أولادها تكاد تستشعرهما لشدّتهما، ويبدو ذلك واضحًا في خطابها لهما فتناديهما بأمثال: (يا ثمرة فؤادي، وقرة عيني)..
أما من الناحية العلمية؛ فقد ذكرت لنا الروايات ـ على شحتها ـ كيف أن الزهراء كانت تعلّم الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) خطب رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهما لم يبلغا الخامسة من العمر بعد، حيث كانت تطلب إليهما ـ كطريقة من طرائق التعليم ـ إعادة ما سمعاه من خطاب الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) على مسامعها.
وكذلك يروى أنها كانت تعلم أولادها على حفظ ما يقوله رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وتسمع منهم حيث يروى أنّ النبي كان يخطب الخطب للرجال فيأتي أمير المؤمنين إلى البيت فيجد ما قاله النبي(صلى الله عليه وآله) عند الزهراء (عليها السلام) فسألها من أين لكِ ذلك فقالت من ولدي الحسن فجاء أمير المؤمنين (عليه السلام) في أحد الأيام ووقف خلف جدار وأخذ يسمع يا يقوله الإمام الحسن(عليه السلام) لأمه الزهراء(عليها السلام)، فسكت فقالت: لمَ سكتَّ. فقال: هنالك من يسمع خلف الجدار فخرج أمير المؤمنين وقبّل ولده الحسن(عليه السلام).
هذا درس منهم نتعلمه من الزهراء(عليها السلام) في تربية الأولاد عند حضور هذه المجالس العلمية وكذلك زرع الثقة في نفوسهم، وتعليمهم على فصاحة الكلام وغيرها من الأمور.
ومن الأمور التي ربّت الزهراء(عليها السلام) أولادها حبُّ الخير للآخرين، إذ يروى عن الإمام الحسن(عليه السلام) أنه قال:- ((رأيت أمي فاطمة(عليها السلام) قائمة في محرابها ليلة الجمعة، فلم تزل راكعة ساجدة حتى انفلق عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسمّيهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت:- يا أماه لم تدعي لنفسك كما تدعين لغيرك؟ قالت:- "يا بني الجار ثم الدار))(3).
وهذا أمر آخر في التربية على حب الخير للآخرين والابتعاد عن الأنانية والبغض والكراهية؛ لأنّ الأولاد يتأثرون بأمهم، فإن الشعور بالمسؤولية والقيام بها وأداءها على أكمل وجه يجب أن يصبح في حياتنا خلقاً وسلوكاً وضرورةً، يمارس في واقع الحياة حتى لا يحدث التساهل في الواجبات، وحتى لا تضيع الحقوق، وحتى تنجز الأعمال وتنجح المشروعات وتسود الأخلاق وقيم الخير في المجتمع.
ثانيا: المسؤولية تجاه المجتمع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
من الأمور البارزة والجلية في حياة الزهراء(عليها السلام) أنها قامت بالإصلاح في مواجهة الانحراف الذي أصاب الأمة الإسلامية بعد شهادة النبي(صلى الله عليه وآله)، وهذا من منطلق المسؤولية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو واجب على كلّ مسلم أن يتحمل مسؤوليته للعمل لهذا الدين، وهذه الأمة هي خير أمة أُخرجت للناس كما قال الله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾[آل عمران: 110] وهو ما ذكرته بخطبتها الفدكية حيث تقول: ((وَالأْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعامَّةِ))(4).
وهذه الخيرية مرتبطة بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر وإيمانها بالله، واستمرار الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله هو عنوان خيريتها، فهي مسؤولية عظيمة على الأمة، يجب أن تتحملها لتبقى لها هذه الخيرية، وتكون لها الصدارة والقيادة لسائر الأمم، فتهديها إلى الصراط المستقيم، وتخرجها من الظلمات إلى النور بإذن الله، وعندما كانت أمة الإسلام تعي مسؤوليتها سادت الأمم وحكمت العالم وأسست حضارة لم يعرف لها التاريخ مثيلاً، فكل مسلم كان يعرف دوره ومسؤوليته فيقوم بواجبه ولا ينتظر أن يأمره احد، ولا يُلقي المسؤولية على الآخرين مهما كانت ظروفه، ولا يرضى أن يكون على هامش الحياة ليس فيه نفع للأمة الإسلامية، وبسبب هذا الشعور العالي بالمسؤولية نصرهم الله وأعزهم، ثم انحط المسلمون وضعفوا وصاروا غثاء كغثاء السيل، وإن من أبرز أسباب ضعفهم انتشار ثقافة التبرير واختلاق الأعذار وإلقاء المسؤولية على الآخرين، وهذا الأمر من أخطر العلل والأمراض التي أصابت الكثير من المسلمين اليوم، فقد ظهر ضعف الشعور بتحمل المسؤولية في أغلب شرائح المجتمع وفئاته.
لقد طُبع أكثر المسلمين اليوم على قلة الاهتمام بشأن الأمة والعزوف عن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاحتجاج بأن المسؤولية تقع على العلماء والدعاة والخطباء فقط.
وإن أخطر ما يترتب على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إصابة الأمة المهملة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعذاب العام، وعدم إجابة الدعاء، واستحقاق اللعنة من الله، وعدم الاستقرار وانعدام الأمن والأمان، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): ((لا تزال أمتي بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وتعاونوا على البر، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات وسلط بعضهم على بعض ولم يكن لهم نــــاصر في الأرض ولا في السماء))(5).
وقد أقسم الله في كتابه الكريم على أنّ الناس جميعا في خسارة إلا من حقق أربع صفات مهمة فقال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾[العصر: 1-3]
وإن التواصي بالحق ليس مسؤولية العلماء والدعاة والأمراء فقط، بل هو مسؤولية كل مسلم، فكل مسلم هو مسؤول عن نفسه وأهله ومنطقته بحسب قدرته واستطاعته، والعلماء والدعاة والأمراء لا يستطيعون وحدهم القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فعلى كل مسلم أن يعينهم بقيامه بواجبه، فإن كل مسلم على ثغر يجب عليه أن يحافظ عليه حتى لا يُؤتى المسلمون من قِبَله بسبب تفريطه أو تضييعه، وليس المؤمن الذي لا يحمل هماً لأمته، ولا يعاني نصباً في العمل لدين ربه، فالعمل لهذا الدين فريضة شرعية على كل فرد في المجتمع الإسلامي.
ثالثا: التكافل الاجتماعي:
الدين الإسلامي يحثُّ على التكافل والتعاضد ومساعدة الآخرين وحب الخير، وعدم التفكير بالذات فقط، ولذلك ورد عن النبي(صلى الله عليه وآله) من بات وجاره جائع فليس بمسلم وذلك شرع الإسلام، وأوجب الزكاة والخمس واستحباب الصدقة، وكفالة الأيتام، هذا كلّه من منطلق المسؤولية تجاه المجتمع وحب الخير إليهم، وأهل البيت أنموذج لذلك نزلت سورة كاملة بهذا الخصوص، إذ قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللـَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾[الإنسان: 8].
وكانت الزهراء (عليها السلام) تعطي أفضل ما عندها، إذ ورد أنّ النبي جاء بثوب جديد إلى الزهراء(عليها السلام) لكي تلبسه في يوم زفافها، وفي صباح يوم زفافها جاءت امرأة مسكينة طرقت الباب وقالت يا أهل بيت النبوة مسكينة تريد من يسترها، سلّمت الزهراء(عليها السلام) الثوب الجديد للمسكينة وعندما صارت ساعة زفافها شاهدها النبي بثوبها القديم سألها النبي عن الثوب الجديد فقالت(عليها السلام) جاءت مسكينة تسأل فأردت أن أعطيها ثوبي القديم فتذكرت قول الله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾[آل عمران: 92] فأعطيتها الثوب الجديد، فكانت كلّها عطاء وبذلا ومساعدة للناس، ما طرق باب دارها شخص إلا وخرج ممتلئ اليدين.
روي عن رسـول الله(صلى الله عليه وآله) أنه صلَّى بالمسلمين ذات يوم، ولمّا فـرغ من صلاته جلس في مصلاَّه والناس حوله، فـبينما هم كذلك إذ أقـبل إليه شيخ طاعـن في السن فقـير الحال وهو لا يكاد يتمالك كبراً وضعـفاً، فقال: ((يا نبي الله أنا جائع الكبد فأطعـمني وعـاري الجسد فاكسني وفقير فارشني، ولم يجد النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) شيئاً ينفقه عـليه فقال: ما أجد لك شيئاً ولكن الدال عـلى الخير كفاعـله، يا بلال قم فقف به عـلى منزل فاطمة، فانطلق الأعـرابي مع بلال، فوقف عـلى باب فاطمة ونادى بأعـلى صوته: السلام عـليكم يا أهل بيت النبوة... ثم حكى لها قـصته، ولم تكن فاطمة ولا زوجها ولا أبوها قد طعـموا طعاماً خلال ثلاث ليال، فعـمدت الزهراء(عليها السلام) - عـلى ما بها من الجـوع أن تستجيب لهذا الشيخ الفقير- إلى عِـقْدٍ كان في عـنقها أهدته لها فاطمة بنت عـمها حمزة بن عـبد المطلب رضي الله عنه، فـقطعته من عـنقها (رعاية للحشمة كي لا يتصوره عليها)، وأعـطته إلى الأعـرابي فقالت: خذه وبعه عـسى الله أن يعـوضك به ما هو خير منه، فأخذ الأعـرابي العـقد وانطلق مسروراً إلى مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) والنبي(صلى الله عليه وآله) جالس مع أصحابه فقال: يا رسول الله أعـطـتني فاطمة هذا العـقد وقالت بعه عـسى الله أن يصنع لك، فـلما سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله) كلام الأعـرابي، بكى وقال: وكيف لا يصنع الله لك وقد أعـطتك إيَّاه فاطمة بنت محمد سيدة بنات آدم، فعـرض الشيخ العـقـد للبيع، فقال عـمار بـــــن ياسر رضي الله عنه: بكم العـقـد يا أعـرابي؟
قال الأعـرابي: بشبعه من الخبز واللحم، وبردة يمانية أستر بها عورتي وأصلي فيها لربيِّ، ودينار يبلغـني إلى أهلي، وكان عـمار(رحمه الله) قد باع سهمه الذي أعـطاه رسول الله(صلى الله عليه وآله) من خيبر، فقال: للأعـرابي لك عـشرون ديناراً وماءتا درهم وبردة يمانية وراحلتي تبلغك أهلك وشبعـك من خبز البر واللحم، ففـرح الأعـرابي بما سمع، بذل عـمار(رحمه الله) في شراء العـقـد وشكره عـلى ذلك ثم أرخى يده داعـياً، فقال: اللهم أعـط فاطمة ما لا عـين رأت ولا أذن سمعـت، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): آمين، فعـمد عـمار(رحمه الله) إلى العـقـد فـطيبه بالمسك، ولفه في بردة يمانية، وكان له عـبد اسمه ((سهم)) ابتاعه من ذلك السهم الذي أصابه بخيبر، فدفع العـقـد إلى المملوك، وقال له: خذ هذا العـقـد فادفعه إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأنت له، فأخذ المملوك العـقـد فأتى به رسول الله(صلى الله عليه وآله) أخـبره، بقول عـمار(رحمه الله)، فقال النبي(صلى الله عليه وآله): انطلق إلى فاطمة فادفع إليها العـقـد وأنت لها، فجاء سهم بالعـقـد وأخبرها بقول رسول الله(صلى الله عليه وآله) فأخذت فاطمة العـقـد وأعـتـقت سهماً المملوك، فضحك الغلام سهم فقالت فاطمة(عليها السلام) ما يضحكك يا غلام؟
فقال سهم: أضحكني عِـظًمُ بركة هذا العـقـد، أشبع جائعاً، وكسى عـرياناً، وأغـنى فقيراً، وأعـتـق عـبداً، ورجع إلى ربه))(6).
ــــــــــــــــ
1- محمد الريشهري، ميزان الحكمة: 2/1212.
2- المجلسي، بحار الانوار: 29/228.
3- المصدر نفسه: 86/113.
4- الشيخ الصدوق، علل الشرائع: 1/248.
5- الحر العاملي، وسائل الشيعة: 16/123.
6- محمد الطبري، بشارة المصطفى: 218-221.