100%
الشرق والغرب

تقييم النظم الاقتصادية الغربية

هيئة التحرير

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 202 – الصفحة (92)

 

تميّزت النّظم الاقتصاديّة الغربيّة في القرن العشرين بتنوّعها ومرونتها النسبيّة، وقدرتها على التكيّف مع المتغيّرات، لكن نظمها المعرفيّة ومرجعيّاتها الفكريّة ومناهجها العلميّة كانت منقسمةً بقوّة. ولا يمكن صرف النّظر مثلًا عن أنّ الماركسيّة هي ظاهرةٌ مرتبطةٌ بأوروبا في المقام الأوّل، وردّة فعل على الآثار التي تركتها الثورة الصناعيّة الأولى على النسيج الاجتماعي والاقتصادي في غرب القارة، وتلتقي الاشتراكيّة العلميّة مع نظيرتها المثاليّة في عدّ الملكيّة عنصرًا من عناصر الأزمة، وفي إعطاء التوزيع أهميّة تفوق الإنتاج في تحليل الوقائع الاقتصاديّة، والبحث عن مصادر الاختلال في فائض القيمة، لكنّ الماركسيين الجُدد نقلوا الاهتمام إلى قضايا التبادل الدولي في تتبع الاختلال المذكور، وجعلوا من العلاقة الصراعيّة بين دول المركز وبلدان الأطراف موازية للصراع الطبقي داخل الدول في تفسير الأزمات، بل ربما تفوقه أهميّة، وفي المقابل كنّا نجد عناصر اتّفاق بين مدارس متعارضة، كالتقاء آدم سميث رائد الرأسماليّة الكلاسيكيّة مع كارل ماركس على النّظر إلى العمل بوصفه مصدر القيمة للموارد والسلع والخدمات.

كانت نوازع الانقسام والخلاف بين المدارس الاقتصاديّة الغربيّة أقوى من دوافع الاتّفاق، مما أثّر في السياسات المعتمدة هنا وهناك، فاليسار كما اليمين لم يكن شيئًا موحّدًا، وكانت المساحة الفاصلة بينهما مملوءة بالاتّجاهات والتيّارات والنّظم ذات الألوان المتعدّدة المتباعدة حينًا والمتقاربة حينًا آخر. وكان تبادل الأدوار يجري طوال الوقت.

وقد أُبعدت الرأسماليّة الكلاسيكية عن مواقع الريادة منذ أواسط القرن التاسع عشر، وتحديدًا منذ اتّبعت ألمانيا سياسات دولة الرفاه بعد توحيدها عام 1871 وقيام الرايخ، وكان هدف رئيس الوزراء آنذاك «أتو فون بسمارك» شدّ لحمة الأمّة الألمانية وصدّ تغلغل الأفكار الاشتراكية بين العمال، وأصيبت الرأسماليّة الكلاسيكيّة بانتكاستين في أوائل القرن العشرين، الأولى جسدتها الثورة البلشفية التي سيطرت على الحكم، واتبعت طريقًا اشتراكيًا بقيادة فلاديمير لينين، والثانية التحوّل الذي أحدثته المدرسة الكينزيّة بإعطائها الدولة كما سبقت الإشارة دورًا رئيسًّا في النشاط الاقتصادي، ولم تكن الرأسماليّة الكلاسيكيّة أفضل حالًا بعد الحرب العالمية الثانية؛ إذ واصلت تسجيل الخسائر وفقدان المواقع أمام تقدّم سياسات السوق الاجتماعيّة ودولة الرعاية الشاملة وتبني البلدان التي استقلت حديثًا أواسط القرن العشرين، سياسات قوامها تدخل الدول في التخطيط للتنمية وتوزيع الموارد، صرنا نرى طيفًا واسعًا من الأفكار والرؤى والمدارس والآيديولوجيات التي يمكن أن توصف بأنّها رأسماليّة من دون أن تنطوي على المضمون نفسه، إلى حدّ كاد يمحي أحيانًا الفارق بينها وبين عدوتها اللدود الاشتراكيّة.

ومع ذلك يمكن القول: إنّ النّظم الاقتصاديّة الغربيّة حقّقت تحت وطأة المنافسة الضارية بين الجبارين خلال الحرب الباردة، والخوف من تغلغل الشيوعيّة والماركسيّة في عقول الطبقات العاملة والفقيرة، نتائج مقبولة، ولاسيما في الربع الثالث من القرن العشرين، فحافظ الاقتصاد الأميركي على صدراته عالميًا، وأدّى السباق بين القطبين العالميين إلى تحفيز البحث العلمي في مجالات الفضاء والتسلّح والتكنولوجيا الدقيقة، مما أعطى الابتكار والتجديد والتعليم والمعرفة دفعة قوية إلى الإمام، واضطرّت الحكومات الغربية بفعل حرصها على توحيد مجتمعاتها في مواجهة الخصوم، إلى تبني سياسات معقولة لإعادة التوزيع، الأمر الذي تمثّل بقدر ما من الإيجابية على المساواة، وقلّل بعض الشيء من معدّلات الفقر ووفّر الخدمات الأساسيّة لعموم الناس، وللأسباب نفسها اتّسعت برامج المعونات والمساعدات الدوليّة التي شكّلت نسبًا ملحوظة من نواتج الدول المتقدّمة والغنيّة، وهو ما أتى ضمن شروط مخفّفة ومعقولة، خوفًا من ارتماء الدول النامية والفقيرة في أحضان المعسكر الشرقي.