لا يخفى أن كتاب نهج البلاغة هو من أعاظم الكتب التي أخذت مكانتها السامية بين المسلمين شيعة وسنة، ونال إعجابهم، وذلك لما فيه من بدائع المواعظ والحكم، وعظائم الدرر والكلم، المُصاغِ بقوالب النور الربّاني على لسان ربيب النبي العربي، سيد الكلام وأمير البيان بعد النبي العدنان(صلى الله عليه وآله)، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وكيف لا يكون كذلك وهو القائل ((وَإِنَّا لأُمَرَاءُ الْكَلاَمِ، وَفِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ، وَعَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ غُصوُنُهُ))(1)، فالكلام طوعُ أمره، يصوغه بحكمته كيف شاء، ليبلغ به مكانا عليّا وموضعاً جليّا، فيصبح بذلك دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق.
يقول الشيخ محمد عبده أحد شرّاح نهج البلاغة في مقدمة شرحه واصفاً هذا الكتاب العظيم: "وبعد، فقد أوفى لي حكم القدر بالاطلاع على كتاب نهج البلاغة مصادفة بلا تعمّل أصبته على تغيّر حال، وتبلبل بال، وتزاحم أشغال، وعطلة من أعمال، فحسبته تسلية، وحيلة للتخلية، فتصفحت بعض صفحاته، وتأملّت جملاً من عباراته، من مواضع مختلفات، ومواضيع متفرقات. فكان يُخيّل لي في كل مقام أن حروباً شبّـت، وغارات شنّت، وأنّ للبلاغة دولة، وللفصاحة صولة... بل كنت كلما انتقلت من موضع إلى موضع، أحس بتغيّر المشاهد، وتحوّل المعاهد فتارة كنت أجدني في عالم يغمره من المعاني أرواح عالية في حلل من العبرات الزاهية، تطوف علي النفوس الزاكية... وأحياناً كنت أشهد أن عقلاً نورانياً لا يشبه خلقاً جسدانياً، فصل عن الموكب الإلهي، واتصل بالروح الإنساني... وآنات كأني أسمع خطيب الحكمة ينادي بأعلياء الكلمة، وأولياء أمر الأمة، يعرفهم مواقع الصواب، ويبصّرهم مواضع الارتياب، ويحذرهم مزالق الاضطراب، ويرشدهم إلى دقائق السياسة، ويهديهم طريق الكياسة... وليس في وسعي أن أصف هذا الكتاب بأزيد ممّا دلّ عليه اسمه، ولا أن آتي بشيء في البيان مزيّته فوق ما أتي به صاحب الاختيار"(2).
وإنّ كتاباً كهذا الكتاب ليس بعيداً أنْ يُرمى بهذيان الجهال، بما حملوا في صدورهم من ضغائن وحسد على علي (عليه السلام)، وهو ليس بأعظم من كتاب الله المنزل الذي رماه الكفار بشتى أنواع التهم فتارة يعبرون عنه بأساطير الأولين كما في آيات عديدة منها: (وإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)[النحل، 24]، وقوله تعالى:(وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الفرقان: 5]، وتارة يصفونه بالسحر كما في قوله تعالى: (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ)[المدثر:23-24]، وينعتون تارة أخرى صاحبه بالجنون كما في قوله تعالى: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)[الحجر: 6]، فبعد ذلك لا نستغرب أن نرى من يضعّف أسانيده تارة وأخرى ينفي نسبته لعلي (عليه السلام)لاشتماله على أقوال تتناول الخلفاء قبلَهُ بما لا يليق به ولا بهم، وتنافي ما عرف عنه من توقيره لهم ـ على حد قول المستشكل ـ في إشارة واضحة لما جاء بخطبته المعروفة بالشقشقية، التي يدّعي المستشكل أنه (عليه السلام) يظهر فيها حرصه الشديد على الخلافة، رغم ما اشتهر عنه من التقشف والزهد.
ثم ينبري آخر ليقول: ((ومن المطاعن على كتاب نهج البلاغة ما فيه من الاعتزال من الصفات لأن الرافضة اعتمدوا على كتب المعتزلة في العقليّات، فوافقوهم في القدر وسلب الصفات؛ وكان المرتضى واضع كتاب نهج البلاغة أو المشارك في وضعه كما أسلفنا معتزليّا) إلى أن يقول: (ومن هذا المشرب الكدر حشي نهج البلاغة))(3).
وهذه من أسخف الشبهات المطروحة حول كتاب نهج البلاغة، إذ إنّ لسان حال هذا المستشكل هو قوله: نحن نرفض كتاب نهج البلاغة لأنه يخالف ما نعتقده، لا لوجود مشكلة فيه!(4) وأيضا لأنه يخالف الصورة التي رسمناها في أوهامنا لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، فعقيدة علي لا يمكن أن توافق عقيدة المعتزلة! وبالتالي وضع المعتزلة كلاما يوافق عقائدهم نسبوه لعلي (عليه السلام) سمّوه (نهج البلاغة)، والأعجب من ذلك أن هذا المستشكل لا يعلم أن المرتضى علم الهدى ليس معتزليّا أصلاً، ولو اطلع على مصنفاته، ومنها الشافي في الإمامة وهو من أهم مصنفاته لأدرك ذلك، لأنّ السيد رحمه الله في الشافي يرد على إمام المعتزلة في زمانه القاضي عبد الجبار فكيف يكون معتزليّا؟! فضلاً عن إيراده خطباً في نهج البلاغة ربما لا توافق ما ذهب إليه المعتزلة!.
وهكذا هلمَّ جرا تجد القوم يبحثون عمّا يظنون أنه زلّات وعثرات في نهج البلاغة حتى يضعفوه وينكروا نسبته لعلي (عليه السلام)، وقد مررت على هذه الشبهات مروراً من غير توقف؛ لأن غرضي من كتابة هذه المقالة أنْ أجيب على واحدة من الشبهات التي طرحت حول كتاب نهج البلاغة، التي تنصُّ على أن في نهج البلاغة صيغاً فلسفية، ومقالات كلامية، إنّما عرفها المسلمون في القرن الثالث الهجري حين ترجمت الكتب اليونانية والفارسية، وهي أشبه ما تكون بكلام المناطقة والمتكلمين منها بكلام الصحابة.
لا شك أن مباحث علم الکلام تبلورت وأخذت موقعها بين العلوم الإسلامية من أواخر القرن الثاني الهجري وحتى بداية القرن الثالث الهجري، ولم يكن علم الكلام قبل ذلك عِلماً قائماً بذاته، وأن سبب نشأة علم الكلام هو الرد على المبتدعة، الذين أكثروا من الجدال، وأوردوا شُبهاً بسببها احتاج العلماء إلى مقاومتهم ومجادلتهم ومناظرتهم؛ حتى لا يلبسوا على الضعفاء أمر دينهم، وحتى لا يُدْخِلُوا في الدين ما ليس منه، ولكن هذا لا يعني أنّ موضوعات علم الكلام بأجمعها وُجدت في زمان واحد، وأنّ مباحث مثل علم التوحيد وصفات الله تعالى والقضاء والقدر لم تكن قبل ذلك الزمان، ولم يتعرض إليها المسلمون الأوائل، بل دلّ الدليل على تعرض المسلمين الأوائل لأمثال هذه القضايا في موارد ومناسبات متعددة، بل أنّ من أمهات المشكلات الكلامية التي أثيرت في عصر الإمام عليّ (عليه السلام) مشكلة القضاء والقدر والأفعال الإنسانية، فقد بيّن (عليه السلام) أن بعض الأقدار محتومةٌ، وبعضها الآخر ليس كذلك، ومن ذلك قوله (عليه السلام) وقد سأله بعض أصحابه: ((يا أمير المؤمنين: أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله وقدر؟ فقال (عليه السلام): والله ما علونا تلعة ولا هبطنا وادياً إلا بقضاء من الله وقدر، فقال السائل: فعند الله أحتسب عناي، فما أرى لي من الأجر شيئاً؟! فقال (عليه السلام): أظننت قضاءً لازماً وقدراً حتماً؟ لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب وامتنع التكليف، تلك مقالة عبدة الأوثان وشهداء الزور وخصماء الرحمان أنّ الله أمر تخييراً ونهى تحذيراً وكلف يسيراً، ولم يُعص مغلوباً، ولم يُطَع مُكرِها ولم يرسل الرسل هزلاً ولم ينزل القرآن عبثاً ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً، فقال الرجل: فما القضاء والقدر الذي ساقنا؟ فقال (عليه السلام): الأمر بالطاعة والنهي عن المعصية والتمكين من فعل الحسنة وترك المعصية والمعونة على القربة إليه والخذلان لمن عصاه والوعد والوعيد والترغيب والترهيب، كل ذلك قضاء الله في أفعالنا وقدره لأعمالنا، وأما غير ذلك فلا تظنه فإنّ الظن له محبط الأعمال))(5)، بل نقول أكثر من ذلك: إنّ أرباب الكلام في زمانهم أمثال عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء والحسن البصري رجعوا إلى ما قاله علي (عليه السلام) في حسم مسألة القضاء والقدر، فعن جماعة من العلماء أن الحجاج بن يوسف الثقفي كتب إلى الحسن البصري وإلى عمرو بن عبيد وإلى واصل بن عطاء وإلى عامر الشعبي أن يذكروا ما عندهم في القضاء والقدر، فكتب الحسن البصري: ((أحسن ما وصل إلينا من أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: إن الذي دهاك إنما دهاك أسفلك وأعلاك والله بريءٌ من ذلك، وكتب إليه عمرو بن عبيد: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول علي بن أبي طالبٍ (عليه السلام): لو كان الوزر في الأصل محتومًا كان الموزور في القضاء مظلومًا، وكتب إليه واصل بن عطاء: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالبٍ (عليه السلام): أيدلك على الطريق ويأخذ عليك بالمضيق؟ وكتب إليه الشعبي: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالبٍ (عليه السلام): كل ما استغفرت الله تعالى منه فهو منك، وكل ما حمدت الله تعالى عليه فهو منه، فلما وصلت كتبهم إلى الحجاج قال: لقد أخذوها من عين صافيةٍ))(6).
ولا يخفى أنّ تعدد هذه الإجابات منهم بصيغها المختلفة دليل على أن الإمام (عليه السلام) تكلّم في هذه المسألة في أكثر من كلمة وأكثر من موقف ومناسبة، وهذا يعني أن هذه المسألة كانت تعبّر عن إشكالية كلاميّة متداولة في ذلك العصر تصدّى لها أمير المؤمنين (عليه السلام).
وفي الخلاصة فإنّ استناد هؤلاء المتكلمين في هذه المسألة إلى كلام علي (عليه السلام) يعني أمرين: الأول: أهمية كلام أمير المؤمنين في هذه المسألة، الثاني أن هذه المسألة الكلامية المهمّة ليست من المسائل التي برزت في القرنين الثاني والثالث.
إذن فقول المعترض: إنّ المسلمين عرفوها في القرن الثالث الهجري، يُردّ بأنّ ذلك إذا كان صادقاً على أهل القرن الثالث، فلا يعني أن أحداً حتى ولو أفراداً من المسلمين لم يعرفوها قبل ذلك، وقد تبيّن لك الأمر من مسألة القضاء والقدر.
إيراد المقالات الكلاميّة في نهج البلاغة:
يقول المستشكل(7): ((فإنّا مع اعتقادنا الكامل بأنّ الإمام كان خير قدوة في الزهد والورع، وأعلى مثال في التقوى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، نرى أنّ ما عُزي إليه في هذا الباب لا يخلو من دخيل منتحل، فهاك اقرأ خطبته التي يذكر فيها ابتداء خلق السماء والأرض، وانظر قوله فيها:
"أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه؛ لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه ثنّاه، ومن ثنَّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن قال: فيم فقد ضمّنّه، ومن قال: علامّ فقد أخلى منه، كائن لا عن حَدَث، موجود لا عن عَدَم، مع كلّ شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة...الخ"، ترى أنّ هذا الأسلوب قصيّ عن نهج الإمام ومسلكه، فإنّ الفقرة الأولى مفرَّغة في قالب مقدّمات منطقية تفضي إلى نتيجة هي نفي الصفات عن الله تعالى، والفقرة التالية لها مقدّمات أخرى تنتج أن من يثبت له الصفات فقد عدَّه من الحوادث، وهذا الأسلوب المنطقي لم يُعهد في كلام العرب، ولم يستعمله العلماء إلا بعد ترجمة المنطق والعلوم الدخيلة، وذلك العصر لم يدركه الإمام.. وفوق هذا، فإنّ تلك المباحث من مباحث علم الكلام، وإثبات صفات المعاني لله تعالى أو نفيها عنه، وكون الصفة عين الموصوف أو مغايرة له، موضع جدل شديد بين الأشعرية والصفاتية والمعتزلة، ونشأة ذلك العلم وتلك الفرق متأخَّرة عن علي في الوجود، ولا تخلنّ من ذلك أنا نرمي الإمام بجهله بعلم التوحيد، لا، ولكنا نقول: إن التوحيد بالمعنى العلمي المعهود ومباحثه المعروفة لم تكن وُجدت في ذلك الحين))(8).
إنّ دعوى الأسلوب المنطقي في تشكيل القضايا لم يكن معروفاً بين العرب إلا بعد الترجمة يحتاج إلى دليل، نعم غاية ما يمكن قوله لم يكن شائعاً ولكنّ نفيه يحتاج إلى دليل وهذا صعب ؛لأن دليله لا يكون إلا باستقراء كامل وهو متعسر، ثمّ إننا نتحدث عن رجل لا يشبه أقرانه من الرجال، لا من الصحابة ولا من التابعين ولا غيرهم، إننا نتكلم عن رجل وصف علاقته بالرسول الله(صلى الله عليه وآله)بقوله: ((ولقد كنت أتبعه إتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورسوله وخديجة وأنا ثالثهم، أرى نور الوحي والرسالة وأشم ريح النبوة))(9).
هذا إنسان علاقته برسول الله (صلى الله عليه وآله)، رسول الله الذي كان يتلقى العلم عن طريق الوحي الإلهي من الطبيعي أن يكون اتباعه (عليه السلام) له (صلى الله عليه وآله) لأخذ هذا العلم، وتلقيه أيضاً، وهو القائل: "سلوني قبل أن تفقدوني" وإن أمره بسؤاله دون أن يحدد نوع المسؤول عنه بعلم خاص أو بباب خاص، لدليل واضح على أنه سيد الفلاسفة وإمام الحكماء(10).
رجلٌ جعله رسول الله(صلى الله عليه وآله) باب مدينة علمه(11)، ومن أراد المدينة فليس له إلّا الباب، فمن كان باباً لمدينة علم النبي(صلى الله عليه وآله) هل سیکون أقل شأناً من أرسطو وأفلاطون وابن خلدون وفولتير حتى يصبح ما جاء به هؤلاء فتحاً علميًّا منشؤه نبوغهم وعبقريتهم، وما جاء به أمير المؤمنين (عليه السلام)منسوب إليه ومنحول عليه؛ لأنه عاجز عن الإتيان بما جاء به أولئك(12).
المشكلة أن القوم يقيسون علياً (عليه السلام)بغيره، إذا عرف هؤلاء علياً كما هو أهله وخرجوا من دائرة المقايسة تلك حينئذ يدركون أنّ هذه الدرر السنيّة لا تخرج إلا منه(عليه السلام)، حين ذاك سيذهبون إلى ما هو أبعد من ذلك فيعترفون أنّ علم الكلام من تلك العلوم التي أسسها علي(عليه السلام)، وأعلام الكلام لم يخلقوا بعد، ثم إننا لا بد أن نلحظ أيضاً الظروف الموضوعية التي حدت بالأمير (عليه السلام) لأن يتكلم بالمسائل الفلسفة والكلامية، عندما خرج الإمام علي (عليه السلام) من المدينة ودخل بلاد ما بين النهرين التي كانت تمتاز بقدمها التاريخي لعدة آلاف من السنين، ولوجود الحضارات الفارسية الزرادشتية والمسيحية والمانوية، وتهيأت للإمام علي (عليه السلام)الأرضية المناسبة لطرح المسائل الكلامية، ومن هنا نفهم السر في طرح الإمام لمجموعة من المسائل الكلامية الدقيقة في وسط يمتاز بحضارة عريقة(13).
لماذا لا نكون أكثر إنصافا ونضع النقاط على حروفها بأن نقول: إن علياً (عليه السلام) أول من استعمل الألفاظ العربية لبيان المقاصد الفلسفية، التي لا تفي بها الألفاظ – في اللغة العربية – بمعانيها الشائعة، واستعمالاتها المتعارفة، إلا بعد تجريدها – على نحو ما –عن غواشي المادة، وشوائب الخصوصيات، من ذلك قوله (عليه السلام): ((منعتها منذ القدمة، وحمتها قد الأزلية وجنبتها لولا التكملة))، وقوله (عليه السلام): ((إن قيل كان فعلى تأويل الأزلية، وإن قيل لم يزل فعلى تأويل نفي العدم)) وقوله (عليه السلام): ((واحد لا من عدد، دائم لا بأمد))، وغير ذلك من الألفاظ كلفظ «الحقيقة» ولفظ «القوة» ولفظ «الاستعداد» ولفظي «العلة والمعلول» وغير ذلك(14).
ليس ذلك ببعيد عنه فإليه تعود منابع العلم كما يؤكد ذلك ابن أبي الحديد المعتزلي في مقدمة شرحه لنهج البلاغة حيث يقول: ((وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة، وتنتهي إليه كل فرقة، وتتجاذبه كل طائفة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها، وأبو عذرها، وسابق مضمارها، ومجلي حلبتها، كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ، وله اقتفى، وعلى مثاله احتذى))(15).
هكذا نكون قد أدينا بعض حقوق علي (عليه السلام) علينا، ورفعنا عنه بعض ظلاماته الممتدة إلى يومنا هذا.
-----------------
(1) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 13/12.
(2)مقدمة شرح الشيخ محمد عبده، على نهج البلاغة: 1/3-4.
(3)الشيخ أحمد سلمان، نهج البلاغة فوق الشبهات والتشكيكات: 103.
(4)المصدر نفسه.
(5)ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللئالي: 4/ 108.
(6)ابن طاووس، الطرائف 2 / 329، المتقي الهندي، كنز الفوائد 1 / 364.
(7)الدكتورأحمد زكي صفوت في كتابه ترجمة علي بن أبي طالب.
(8)أحمد زكي صفوت، ترجمة علي بن أبي طالب: 143.
(9)خطب الإمام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة: 2/ 157.
(10)موقع العرفان على الشبكة العنكبوتية، الأستاذ حسين أنصاريان،عنوان المقالة (الفلسفة في نهج البلاغة). https://www.erfan.ir/arabic .
(11) العلامة الأميني، الغدير: 6/ 61.
(12) الشيخ أحمد سلمان، نهج البلاغة فوق الشبهات والتشكيكات: 122، 123..
(13)موقع العرفان على الشبكة العنكبوتية، الأستاذ حسين أنصاريان، عنوان المقالة (الفلسفة في نهج البلاغة). https://www.erfan.ir/arabic .
(14)المصدر نفسه.
(15)ثم يذكر علوم الدين وأربابها وطريق عودها إلى علي (عليه السلام)، ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة،: 1/17.