أ.د. مازن الحسني
جامعة واسط/ كلية التربية البدنية وعلوم الرياضة
المصدر: مجلة الولاية – العدد 197 – الصفحة (55)
يُعَدُّ الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) أعظم الشخصيات الفكرية والروحية في التاريخ الإنساني بعد النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله)، إذ جمع بين عمق الإيمان ونور العقل واتساع المعرفة، فهو لم يكن إمامًا في الدين فحسب، بل كان مفكرًا في منطقه، وعالمًا في نظرته إلى الكون والإنسان والحياة.
وقد أسّس (عليه السلام) منهجًا عقليًا علميًا متكاملًا يُعدّ ركيزةً من ركائز الفكر الإسلامي المبكر، يتجلّى فيه توازن الإيمان والعقل، والوحي والعلم، والتجربة والتأمل.
العقل في فكر الإمام علي(عليه السلام):
إن العقل عند الإمام علي (عليه السلام) هو أسمى ما منحه الله للإنسان، وهو الوسيلة التي بها يعرف ربه، ويهتدي به إلى الحق، ويقيم العدل في الأرض، إذ روي عنه(عليه السلام) قوله : ((على قدر العقل يكون الدين، على قدر الدين تكون قوة اليقين))(1)، فأمير المؤمنين(عليه السلام) يجعل من العقل أداة للعبادة وميزانًـا للهدايـة.
وفي هذا التحديد العميق يبرز فهم الإمام لعلاقة الإنسان بخالقه عن طريق العقل الذي يُعتبر (الحجة الباطنة) مقابل (الحجة الظاهرة) المتمثلة في الرسائل السماوية التي أتى بها الرسل والأنبياء.
دعا الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى تحرير العقل من أسر التقليد والجمود، فحذّر من الانقياد الأعمى عبر قوله(عليه السلام): ((هلك فيَّ اثنان: محبّ غالٍ، ومبغض قالٍ))(2)، أي: أن الغلو والتعصب يُلغيان وظيفة العقل، التي تقوم على الاعتدال والفهم المتزن للأمور.
من هنا كان فكره(عليه السلام) منفتحًا على البحث والتساؤل، بعيدًا عن الانغلاق الفكري، مؤكدًا أن الحقيقة لا تُنال إلا بالبرهان والدليل.
منهجه العلمي في النظر والتفكير:
يمتاز منهج الإمام علي(عليه السلام) في التفكير العلمي بخصائص دقيقة يمكن أن نعدّها ملامح لمنهج فلسفي متكامل سبق عصره بقرون فهو يقوم على مــا يــأتي:
أولاً: الملاحظة والتأمل في الكون، إذ نجد في دستوره (نهج البلاغة) إشارات علمية دقيقة تصف حركة الأفلاك، وتكوّن الكائنات، وارتباط الظواهر بعضها ببعض، ما يدل على عقل متفكر يسعى إلى اكتشاف القوانين الكونية، إذ جاء في قوله(عليه السلام): ((أنشأ الخلق إنشاءً، وابتدأه ابتداءً بلا روية أجالها ولا تجربة استفادها))(3)، وهو تصريح بفهم فلسفي عميق لمبدأ الخلق من العدم وارتباط المسبّبات بالمسبّب الأول.
ثانيًا: اعتماد الإمام علي(عليه السلام) التحليل المنطقي والاستنتاج العقلي في تفسير الظواهر والأحداث، سواء أكانت طبيعية أم اجتماعية أم سياسية، إذ كان(عليه السلام) يرى أن لكل أمر سببًا، ولكل نتيجة مقدمات، وأن البحث في العلل هو طريق العلم والمعرفة ويقول(عليه السلام) بهذا الصدد: ((العلم نقطة كثرها الجاهلون))(4)، وهذه إشارة رمزية إلى أن جوهر العلم بسيط في أصله، لكنه يتعقّد بسوء الفهم وتعدد التأويلات.
العلم والإيمان:
إن العلاقة بين العلم والإيمان في فكر أمير المؤمنين(عليه السلام) لا تعارض بينهما، بل هما طريقان متكاملان لمعرفة الحق، فالعلم عند أمير المؤمنين(عليه السلام) هو وسيلة لفهم سنن الله في الكون، والإيمان هو الضمان الأخلاقي لاستخدام العلم في الخير والإصلاح.
ومن هذا المنطلق دعا(عليه السلام) إلى طلب العلم بوصفه عبادة، فقال: ((قيمة كل امــرئ ما يُحسن))(5)، إذ أكد(عليه السلام) أن العالِم هو من أحيا بعلمه قلوبًا ميتة، وأنار بنوره عقولًا مظلمة.
واجبات ضرورية:
كان الإمام علي(عليه السلام) يرى أن من واجب الحاكم والعالم أن يقيم أحكامه على المعرفة والبرهان لا على الهوى أو العصبية، وقد تجلّى هذا المنهج في رسالته(عليه السلام) إلى مالك الأشتر حين ولّاه مصر، إذ وضع له دستورًا إداريًا قائمًا على المشورة، ودراسة أحوال الناس، والعدل في القرارات، وهو ما يمكن أن نعدّه تطبيقًا للعقل العملي في الحكم والإدارة.
إن تلك الرسالة تمثّل في جوهرها مدرسة في التفكير العلمي الأخلاقي، تجمع بين التجربة والرحمة والملاحظة الدقيقة للواقع.
آخر المطاف:
لقد أسّس الإمام علي(عليه السلام) من خلال فكره وسيرته أنموذجًا فريدًا للعقل الإيماني المتزن، الذي لا يكتفي بالتأمل النظري، بل يوظف العقل في خدمة الحق والإنسان، وإن منهجه(عليه السلام) العقلي في التفكير العلمي يُعدّ من أوائل المحاولات في الفكر الإسلامي لربط المعرفة بالمسؤولية، والعقل بالأخلاق، والبرهان بالعمل.
ومن يقرأ تراثه يدرك أن الإمام عليًا (عليه السلام) لم يكن فيلسوفًا بالمفهوم المدرسي، بل كان عقلًا كونيًا ناطقًا بالحكمة، سبق العصور في رؤيته الكلية للعلم والإنسان والوجود.
ــــــــــــــــ
1- محمد الريشهري، ميزان الحكمة: 3/2038.
2- محمد محي الدين عبد الحميد، التحفة السنية: 92.
3- نهج البلاغة: 1/16.
4- محمد الريشهري، العلمة والحكمة في الكتاب والسنة: 29.
5- نهج البلاغة: 4/18.