نادى الله سبحانه نبيه محمّدًا (صلى الله عليه وآله) بأوصاف، أودعها فيه؛ للتنويه بشأنه، وزيادة رفعة قدره، وبيّن له أركان رسالته فقال- تعالى - له: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا ) [الأحزاب: 45-46]، فذكر له هنا خمسة أوصاف هي: شاهد، ومبشر، ونذير، وداع إلى الله، وسراج منير، فهذه الأوصاف تنطوي على مجامع الرسالة المحمدية؛ فلذلك اقتصر عليها من بين أوصافه الكثيرة، ومن أروعها التشبيه الأخير، إذ شبّه الله سبحانه نبيّه محمّدًا (صلى الله عليه وآله) بالسراج، وهو من باب التشبيه البليغ؛ لأنّه (صلى الله عليه وآله) أزال ظلمة الكفر والشرك، وأنار الخلق بنور الإيمان والتوحيد، والسراج في الأصل يعني المصباح، الذي يُضاء سابقًا بواسطة الفتيلة والزيت، وبواسطة الطاقة الكهربائية وأمثالها في العصر الحاضر، فينبعث ضياؤه ونوره، إلا أنه أُطلق على كل مصدر للنور فيما بعد؛ لأن السراج "يُعبَّر به عن كل مُضيء"(1)، لذلك يُطلق على الشمس سراجٌ؛ لأن نورها ينبع من داخلها، ولا تكتسب نورها من مصدر آخر كالقمر، (وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا) [الفرقان: 61]، (وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) [نوح: 16].
فالتعبير القرآني بـ(السراج المنير) أي: أرسلناك كالسراج المنير في الهداية الواضحة، التي لا لبس فيها، التي لا تترك للباطل شبهة إلا فضحتها، وأوقفت الناس على دخائلها، كما يُضيء السراج الوقاد ظلمة المكان، وهذا الوصف يشمل ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) من البيان وإيضاح الاستدلال، وانقشاع ما كان قبله في الأديان من مسالك للتبديل والتحريف، ووصف السراج بـ(منيرًا)، مع أن الإنارة من لوازم السراج، هو كوصف الشيء بالوصف المشتق من لفظه في قوله: شعر شاعر، وليل أليل؛ لإفادة قوة معنى الاسم في الموصوف به الخاص(2)، ولعل فيه دلالة على احتمالية وجودِ سراجٍ مصطنعٍ يتوهم الإفادة منه ومن إنارته في الوقت الذي يلازم وجوده وجود ما هو أكثر منه نورًا وسطوعًا، كما فيمن يتوهم قوة نور الشمعة المضيئة في وقت ارتفاع الشمس في النهار، كذلك الدين الحق الذي جاء به النبي(صلى الله عليه وآله)هو أوضح وأجلى من كل ما يُدّعى أنه موصلٌ إلى الله عز وجل من الأديان والمسميات من بعد مجيئه (صلى الله عليه وآله).
وفيه إشارة إلى المعجزات وأدلّة أحقّية دعوة الرّسول، وعلامة صدقها، فهو سراج منير شاهد بنفسه على نفسه، يزيح الظلمات ويلفت الأنظار ويجذب القلوب إليه، فكما أنّ بزوغ الشمس دليل على وجود الشمس، فكذلك وجوده (صلى الله عليه وآله) دليل على كونه حقًّا، ودليل على أحقّيته، وأنّ وجوده كالشمس المنيرة التي تزيح ظلمات الجهل والشرك والكفر عن سماء روح البشر، لكن كما لا ينتفع الأعمى بنور الشمس، وكما تخفي الخفافيش أنفسها عنه؛ إذ لا طاقة لعيونها برؤية هذا النور، فإنّ عمى قلوب المعاندين المتعصّبين لم يستفيدوا ولن يستفيدوا من هذا النور مطلقًا.
وكما أنّ الظلام يبعث الخوف والوحشة دائمًا، فإنّ النور يبعث الاطمئنان والراحة، فالسرّاق واللصوص يستغلّون ظلام الليل للسطّو والنهب، والظلام يسبّب الفرقة، والنور يسبّب الاجتماع، وأنّ الضياء أساس نمو الأشجار، ونضج الفواكه والثمار، وكلّ نشاطات الحياة، وتشبيه وجود النّبي(صلى الله عليه وآله) بمصدر للنور يبعث على تداعي كلّ هذه المفاهيم في الذهن، وأنَّ وجوده (صلى الله عليه وآله) أساس الهدوء والاطمئنان، وفرار لصوص الدين والإيمان، وهرب الذئاب الضارية الظالمة لمجتمعاتها، بما يوجب هدوء الخاطر، ونمو روح الإيمان والأخلاق(3).
-------------------------
1-الراغب الأصفهاني، مفردات غريب القرآن: 229.
2-ظ: ابن عاشور، التحرير والتنوير 22/ 54.
3-ظ: ناصر مكارم الشيرازي؛ تفسير الأمثل: 13/ 298-299.