الباحث: الشيخ فلاح محمد السعدي
الحوزة العلمية في النجف الاشرف
المصدر: مجلة الولاية – العدد 197 – الصفحة (41)
يُعدّ نهج البلاغة من أعظم النصوص الفكرية، التي ورثتها الأمة الإسلامية عن الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فهو سجلّ جامع لخطبه ورسائله وحكمه، يقدّم رؤية متكاملة للإنسان الناجح والقيادة الراشدة والمجتمع المتوازن.
وفي ظلّ الانبهار بالنجاح المادي المعاصر، يُبرز الإمام عليّ (عليه السلام) نجاحًا من نوعٍ آخر؛ نجاحًا أخلاقيًا وإنسانيًا وروحيًا وعقليًا، يربط بين صلاح الذات وإعمار الأرض.
العقل.. البوصلة الأولى للنجاح:
يرى الإمام عليّ(عليه السلام) أنّ العقل هو أصل النجاح وأساس الرشد، فيقول: ((العقلُ ما عُبِدَ به الرحــــــمنُ واكتُسِـبَ بــه الجنان))(1)، فالعقل في فكر الإمام ليس أداة معرفةٍ فحسب، بل قوة توجيهية تحدد مسار الحياة، ومن دون عقلٍ منضبط، يضلّ الإنسان عن هدفه، ولذلك يقول(عليه السلام) أيضًا: ((ثمرةُ العقلِ مداراةُ الناس))(2)، مما يعني أنّ النجاح الاجتماعي وليدُ الوعي والحكمة.
ومن هنا فإنّ أولى خطوات النجاح هي تحرير الفكر من الأهواء، وتغليبه على العاطفة العمياء، وهو ما عبّر عنه الإمام(عليه السلام) بقوله: ((استرشد العقل وخالف الهوى تنجح))(3)، محذرًا من طغيان الهوى على الرأي.
العمل والإتقان.. جوهر التفوق الحقيقي
العمل عند الإمام عليّ(عليه السلام) هو مقياس القيمة الإنسانية: ((قيمةُ كلِّ امــــرئٍ ما يُحسنُه))(4)؛ إذ يقاس العمل الصالح بناء على نتاج الأعمال نفسها فيثمر النجاح، ومثله قياس العمل الفاسد وبنفس المقياس والنتاج لكن يثمر الفشل، بهذا المبدأ يؤسس الإمام (عليه السلام) لفكرةٍ مركزية في فلسفة النجاح: أن الجدارة والإتقان هما معيار التفاضل، لا النسب ولا المــال.
يُشدّد أمير المؤمنين(عليه السلام) على أن النجاح لا يتحقق بالتمنّي، بل بالجدّ والمجاهدة: ((مَنْ أَطَاعَ التَّوَانِيَ ضَيَّعَ الْحُقُوقَ - ومَنْ أَطَاعَ الْوَاشِيَ ضَيَّعَ الصَّدِيقَ))(5)، فمجرد القول الحسن بلا عمل صحيح ومتقن لا يؤدي إلى النتيجة الحقة والمطلوبة، ولا يثمر إلا أن يقترن بالفعل الحسن، فالأمنيات الخالية من التطبيق كسل، والكسل مآلــه للخسران والخيبــة، فعنــه (عليه السلام): ((مَنْ دَامَ كَسَلُهُ خَابَ أَمَلُهُ))(6).
ويقول (عليه السلام) في موضع آخر: ((... العمل العمل، ثم النهاية النهاية، والاستقامة الاستقامة، ثم الصبر الصبر، والورع الورع، إن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، وإن لكم علمًا فاهتدوا بعلمكم))(7)، مؤكدًا ضرورة أن يكون العمل مؤسسًا على علمٍ وبصيرة، وجهد وتوكل وسعي، بلا غش وخداع، بل لا بد من الورع والنظر للنهاية الطيبة الآمنة، التي يحققها العلم فيما لو تم الاهتداء به، وهو شرط النجاح في الفكر العلوي.
الزهد والتوازن.. نجاح بلا استعباد للمادة
الزهد في نهج البلاغة ليس انقطاعًا عن الدنيا، بل تحرّرًا منها، إذ يقول الإمام(عليه السلام): ((الزهدُ كلُّه بين كلمتين من كتاب الله: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللـَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾[الحديد: 23]، ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه))(8).
عاش أمير المؤمنين (عليه السلام) حياة الزهد رغم منصبه، ورفض التميز عن الرعية في المعيشة، فكانت سمات التواضع والمساواة عنده أساس الخلق الرفيع والمنبع الصادق، فعاش حياته الدنيا للآخرة، ويبين (عليه السلام) هذا المفهوم عمليًا حين يقول: ((الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ لَا دَارُ مَقَرٍّ والنَّاسُ فِيهَا رَجُلَانِ - رَجُلٌ بَاعَ فِيهَا نَفْسَه فَأَوْبَقَهَا ورَجُلٌ ابْتَاعَ نَفْسَه فَأَعْتَقَهَا))(9)، فالحياة الدنيا بمثابة رحلة نكون فيها ضيوفًا، وينبغي على كل ضيف أن يستثمر وقته في ما هو نافع ومفيد، ويوظف وقته لتحقيق المنفعة، وأن يكون ذلك دافعًا له في طريقة لقائه بالآخرين وحديثه معهم والاستماع إليهم، لتحقيق المنفعة المتبادلة في اللقاءات والتفاعلات مع الآخريـن.
فالزهد بهذا المعنى هو لتحقيق التوازن النفسي الذي يجعل الإنسان يملك المال من دون أن يملكه المال، فهذا هو الذي اشترى نفسه واعتقها وحررها، وعمل للدنيا بقدر بقائه فيها، وللآخرة بقدر بقائها له.
العدالة والمسؤولية.. البعد الاجتماعي للنجاح
النجاح في فكر الإمام عليّ (عليه السلام) ليس نجاحًا فرديًا فقط، بل مشروع إصلاحٍ اجتماعي، فكان (عليه السلام) يرى أن الحكم "أمانة" وليس "مغنماً" أو "امتيازاً"، ففي عهده لمالك الأشتر، يقدم قواعد الحكم الرشيد، قائلاً: ((وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ - والْمَحَبَّةَ لَهُمْ واللُّطْفَ بِهِمْ - ولَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ - فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ - وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ-))(10).
ويقول مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في موضع آخر: ((العدل يضع الأمور مواضعها، والجود يخرجها من جهتها. والعدل سائس عام، والجود عارض خاص. فالعدل أشرفهما وأفضلهما))(11).
من هنا يظهر أن العدالة هي الركن المؤسس لنجاح الأمة، وأن الإنسان سواء أكان حاكمًا أم مسؤولًا لا يُعدّ ناجحًا ما لم يقم بالقسط ويحفظ كرامة الناس، ويعدل بينهم في ما يستحقون ويكونون فيه من الموضع الصحيح، إذ إن العدل سائس عام يشمل الجميع وينظم الأمور، وهو من مقومات النجاح العليا في حياة الشعوب، ولا بد في العدل من مخالفة الهوى وحكم الهوى، حيث في خطبة له(عليه السلام) يصف أحب العباد لله ، يقول: ((... قد ألزم نفسه العدل ، فكان أوّل عدله نفي الهوى عن نفسه...))(12)، فكان من مقومات العدل، بل أساسه هو نفي الهوى وهي ابلغ من مخالفة الهوى.
الإخلاص والنية.. الطاقة الروحية للنجاح:
كلما كان الإنسان مخلصًا كان عمله بصدق وتفانٍ، إذ يكون النظر عنده إلى أن يسعى للقيام بواجبه على أكمل وجه، مما يحقق فيه التمييز والنجاح، وتلك منزلة كبرى عند الباري جلّ وعلا، كما ورد عن أمير المؤمنين(عليه السلام): ((...في صفة المخلص من عباد الله فهو من معادن دينه وأوتاد أرضه...))(13)، فما أعظمه من وصف وما أكمله من حديث، فإن العمل لا يُثمر إلا إذا خَلُصت النية لله تعالى، وخلاصها بمثابة محفز داخلي ينبع من ذات الإنسان يمنحه طاقة، ويزيد لديه الرضا النفسي المنتج للاستمرارية، وكذلك من حوله من الناس سواء أكانوا أقارب أم أصدقاء أم زملاء في العمل، حيث ترتفع نسبة بناء الثقة ممــا يوفر محيطًا متحركًا داعمًا للنجاح.
إن الإخلاص عند الإمام ليس مجرد خلقٍ روحي، بل هو الطاقة الدافعة للإبداع والنجاح الحقيقي؛ لأنه يحرّر الإنسان من طلب المدح أو الخوف من النقد، ويوجه عمله نحو الحقّ وحده، وهذا بيانه في كلام سيد المتقين (عليه السلام): ((...بحسن الأفعال يحسن الثّناء * بالإخلاص ترفع الأفعـــال...))(14).
يُظهر التحليل أن الإمام عليًا (عليه السلام) قد وضع في كلماته النورانية، سواء في نهج البلاغة أم في مصادر ومراجع أخرى، معادلة فريدة للنجاح تتكوّن من خمسة أركان مترابطة:
(العقل الهادئ الذي يوجّه المسار - العمل المتقن الذي يعبّر عن القيمة - الزهد الواعي الذي يحرّر من التعلّق - العدالة الاجتماعية التي تحقّق الاستقرار - الإخلاص الذي يمنح العمل بُعده الروحي).
وبهذا يمكن فك شفرة النجاح عن طريق العلم والمعرفة بالنهج العلوي المبارك، والانتقال من حيز النظرية إلى التطبيق، إذ يتبين أن النجاح في المنظور العلويّ ما هو إلا عملية بناء متكاملة، تبدأ من الذات وتنتهي بالمجتمع، هدفها النهائي هو رضا الله وإعمار الأرض وإصلاح الإنسان، لينعم بالخير والعدل.
ــــــــــــــــ
1. البرقي، المحاسن: 1/310 ، الكليني، الكافي: 1/ 11.
2. عبد الواحد الآمدي التميمي، غرر الحكم ودرر الكلم،: ٣٢٨.
3. محمد الريشهري، ميزان الحكمة،: 4/ ٧٢٨.
4. خطب الإمام علي(عليه السلام) تحقيق صالح، نهج البلاغة،: ١٥.
5. المصدر نفسه.
6. عبد الواحد الآمدي التميمي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم،: ٤٦٣.
7. نهج البلاغة: 2/ ٩٢.
8. نهج البلاغة: 4/ ١٠٢.
9. خطب الإمام علي(عليه السلام) تحقيق صالح، نهج البلاغة،: ٤٩٣.
10. المصدر نفسه: ٤٢٧.
11. نهج البلاغة: 4/ ١٠٢.
12. المصدر نفسه: ١٥٢ - 153.
13. ابن ميثم البحراني، شـــرح مئة كلمة لأمير المؤمنين(عليه السلام):٢٤١.
14. عبد الواحد الآمدي التميمي، غرر الحكم ودرر الكلم:٢٩٩.