100%
لسانُ الأُمة

حضور ثورة الحسين(عليه السلام) في شعر أمل دنقل

 

د. زيد العكايشي

جامعة جابر بن حيان

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 205 – الصفحة (57)

 

شاعر من صعيد مصر(1) عربيّ الأُرومة والأصل، يتفاخر(( بأنّ نسبه يعود إلى قريش...من نسب يرجع إلى الأشراف))(2)، قومي الهوى والتوجه(3)، أطلّ برأسه عام 1359هـ -1940م(4)،  لوالد أزهريّ، علّمه المبادئ الأولى للفقه والشريعة، وأورثه خير جليس الكتاب والمكتبة(5)، هو ((محمد أمل بن فهيم دنقل))(6)، أبو القسام دنقل(7)،  المعروف بـ (أمل دنقل)، ((وسُمي أمل بهذا الاسم تيمناً لنجاح أبيه))(8)، الذي عُد أمل عنده وعند أهل قريته،( فكان الوحيد في العائلة، بل في القرية كلها، الذي حصل على إجازة عالمية من الأزهر عام 1940م وهو نفس العام الذي ولد فيه أمل)(9)، ومن الصعيد ذي الصبغة الريفية، من قرية القلعة في قنا، أثر به والده كثيراً، وزرع في عقله الأنموذج الديني والوطني، فـ(فتعددت قراءاته وتكوينه الثقافي بين الكتب الدينية في  مكتبة والده عالم الازهر والشاعر)(10).

لكنّ الأقدار لم تسمح لهذه الرفقة المثمرة، والصحبة المربّية المعلّمة أن تدوم طويلًا، فما أن حطّت قدماه العاشرة من عمره، حتى فقد عموده الفقري، إذ سقت  المنية والده من كأسها، ولعلّ مشاهد اليُــتم ارتسمت على قسمات وجه أمل، ووجدت صداها حاضراً في أدبه وشعره، حتى قيل عنه: (إنّه صوت الحق والحقيقة والشفافية ورفض الزيف، إنّه الباحث عن الحرية والاطمئنان طيلة حياته) (11)،  ولعلّ البحث المستمر عن نتاج حياة اليتم التي عاشها الشاعر، فيقول: ( إنّني رجل بدأت رحلة معاناتي من سن العاشرة، وفي سن السابعة عشرة اغتربت عن كل ما يمنح الطمأنينة حتى الان )(12).

الامام الحسين(عليه السلام) في شعر أمل دنقل:

    عبر هذه المسيرة الحياتية الصعبة، يحق لنا أن نتساءل: كيف عرف أمل دنقل الإمام الحسين (عليه السلام) واستوحاه؟ إننا بوصفنا قرّاء لديوان الشاعر عرفنا ثورة الإمام الحسين وشخصيته (عليه السلام) في شعر أمل دنقل بصورتها الإجمالية، إذ رأيناه ماثلاً في قصيدته (أوراق أبي نواس)، الورقة السابعة، كلوحة لم تكتمل رسم ملامح البطل من جميع زواياه، ولم ينقل لنا منعطفات واقعة الطف التأريخية بتفاصيلها، كما عوّدنا الشاعر العراقي أو اللبناني عندما يقف إزاءها، اي لم تمثل ثورة الإمام الحسين عنده سوى اللمحة الخاطفة، ولم يكن المحور الأساس في نصه الشعري، وهذا ما سجلناه في قصيدته الشعرية (أوراق ابي نواس)، بينما لو قرأنا نصه الشعري(مقتل القمر) وتجربته التي حملها فيه، فإننا نلحظ بأنه قد تعمد ورود اسم الإمام الحسين(عليه السلام) لكل مجريات الأحداث عن قضية الحسين(عليه السلام)، التي شغلت النقلات  بدء من أول النص الى آخره، وانما اتخذه ضمنيا في ورقة واحدة من نصه، واذا أردنا أن ننظر إلى نص مقتل القمر، فنجد أن القصة الحسينية تأخذ حيزاً أكبر من التوظيف التراثي والقناع المستمر فيه ، وهذا ما سجلناه في قصيدته الشعرية(13):

كنتُ في (كربلاء)

قال لي الشيخُ: إنّ الحسينَ ماتَ مِن أجلِ جرعةِ ماء!

وتساءلتُ: كيفَ السيوفُ استباحتْ بني الأكرمين؟

فأجابَ الذي بصّرته السماء:

إنه الذهبُ المتلألئُ في كلِّ عينٍ

إن تكُن كلماتُ الحسينْ..

وسُيوفُ الحُسينْ..

وجَلالُ الحُسينْ..

سَقَطَتْ دون أن تُنقذَ الحقَّ من ذهبِ الأمراءْ؟

أفتقدرُ أن تنقذ الحقَّ ثرثرةُ الشُّعراء؟

والفراتُ لسانٌ من الدمِ لا يجدُ الشَّفتينْ

ماتَ من أجل جرعةِ ماءْ! 

   خاض الشاعر تجربة شعرية مع المألوف من قضية الطف الخالدة، في الورقة السابعة من قصيدته (أوراق أبي نواس)، واستمد منها العطش، الذي تحول إلى أبرز عنصر في الواقعة، وأضحى رمزًا لها، فالعطش الذي أصاب الإمام الحسين (عليه السلام)يوم عاشوراء غدا ايقونة كبرى لمصاب كربلاء، على الرغم من كونها قيمة واحدة من عذابات يوم الطف العاشورائي، والأهمية تكمن في مخالفة الشاعر لهوى البيئة المصرية لعامة أبناء دولة مصر العربية، الذين يعيشون احتفالية عاشوراء، (ومن بين العادات الشيعية الباقية في مصر اليوم، ذكرى عاشوراء، وإن كان صلاح الدين قد حولها من ذكرى حزينة إلى ذكرى سعيدة، واستمر المصريون يحتفلون بها على طريقته)(14)، بينما الشاعر يكسر هذا التقليد والجمود على المعتقدات، ويذهب بنفسه عبر تجربته الفنية إلى ذلك الزمان، وينظر بعين البصيرة، ويستمد منه قيمة واحدة؛ لأنه اراد سحب كربلاء، وواقعها التأريخي الضارب في التأريخ إلى زماننا المعاصر؛ لكي يقول لنا: أخشى عليكم تكرار الزمان، فلا بدّ لأمتنا من أخذ العبرة من ذلك القائد العربي العاطش، الذي لم يتنازل عن مبادئه، طلب الشاعر التعرف عليه بوصفه شكلاً من أشكال التطهير من واقع التخاذل، وقتل روح التخلي عن القائد في الميدان وحيدًا فريسة للأعداء، وإن سلط الأعداء أشدّ العذابات؛ لأنّ الشاعر فهم الإمام الحسين (عليه السلام) بـ( أنه الظافر في كل الأزمنة والعصور، ولا فخر في تاريخ البشرية يضاهي فخره؛ فإنه استوعب البشرية كلها من عرب وعجم ومن قدیم وجديد، فهو حقًا أبو الشهداء: وباء بالفخر الذي لا فخر مثله في تواريخ بني الانسان غير مستثني منهم عربي ولا أعجمي وقديم ولا حديث ... وحسبه أنه وحده في تاريخ هذه الدنيا الشهيد ابن الشهيد أبو الشهداء في مئات السنين)(15)، فصوته وصورته وذكراه تقمصه الشاعر قناعاً ليتجول فيه بين ضمائر أبناء العروبة والاسلام، مخلدًا فيهم صرخات القناع، عارضا أمامهم لقطات محكية عن استشهاده عطشانا مع عياله واهل بيته وأصحابه.

إنّ اللافت في توظيف العطش أن الشاعر لم يجعله عنوان الانكسار والخسارة، وفقدان الانتصار في المعركة، بل أعطى العطش القدرة لضم معانٍ أُخرى، بحيث حوّله إلى أداة لقصم ظهر الحاكم الجائر، وسبيلا يفضح به علامات القهر والجور الذي يمرّ به من يقول (لا) للحاكم الظالم، فإدخال العطش إلى عالم يخالف منع الماء، ويفهمه القارئ العربي، وهي رسالة بثها في نصه أنّ الحسين (عليه السلام) قاتل وقاوم وبقي مصّرا على ما أراده، مع قسوة الظروف التي لاقاها، فالانتصار يقابله أثمان عالية التكلفة، ويحتاج إلى من يستعد إلى ذلك.

   وغيّر الشاعر موقفه من الماضي بما يجسده من أحداث وتصورات، بل حمله بطريقة الخطفة السريعة؛ لكي يعلن صراحة البراءة من الأسباب والنتائج التي جعلت ابن قائد الإسلام يستشهد عطشانًا بلا ناصر، وفي الوقت نفسه يعلن الدعوة صراحة من الإفادة من الماضي، بحملاته، وقصصه، وحكاياته، واستيعاب تجاربه، لما ينفعنا في وقتنا المعاصر، حتى تتحول تجربته إلى وسيلة يتكئ عليها، لكي يربي الأجيال عبر قبسات الماضي.

------------------

1) معجم الشعراء منذ بدء عصر النهضة، د.أميل يعقوب:1/ 188.

2) هاني الخيّر، شاعر الوجدان والتمرد، أمل دنقل:11.

3) د. أميرة عبد السلام زايد، جدلية الشعر والتربية، القيم التربوية في شعر أمل دنقل:29.

4) ظ/:1/ 188.

5) معجم الشعراء منذ عصر النهضة:1/ 11.

6) م.ن: 1/ 188.

7) ظ/ جدلية الشعر والتربية، القيم التربوية في شعر أمل دنقل:21.

8) م.ن: 21.

9) م.ن: 21.

10) م.ن: 26.

11) شاعر الوجدان والتمرد، أمل دنقل: 27-28.

12) جدلية الشعر والتربية، القيم التربوية في شعر أمل دنقل:21.

13) أمل دنقل، الاعمال الكاملة: 266-267.

14) صالح الورداني، الشيعة في مصر من الإمام علي (عليه السلام) حتى الإمام الخميني: 75.

15) عباس محمود العقاد، أبو الشهداء حسين بن علي: 2/235.