100%
حتى يتفقهوا

تقليد الفقيه المتوفّى ابتداءً

آية الله السيد محمد رضا السيستاني (دام ظله)

أستاذ البحث الخارج/ النجف الأشرف

 

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 205 – الصفحة (25)

 

المشهور بين فقهاء الإمامية عدم جواز تقليد الفقيه المتوفّى ابتداءً، وذهب قليل منهم إلى جواز ذلك، وقد استدلّ للجواز بوجوهٍ لا تخلو من الخدش، والمعنيّ بالبحث عنه في هذا المختصر وجه واحد هي (السيرة) التي اعتمدها بعض الباحثين في الحكم بالجواز وتردّد لأجلها بعضٌ آخر.

 

ويمكن تقريب السيرة بوجهين:

(الوجه الأول)

إنه لا إشكال في أن سيرة العقلاء كانت ولا تزال جارية على رجوع الجاهل إلى العالم والأخذ بقوله في مختلف حقول المعرفة ومنها علم الشريعة، وقد كان المسلمون منذ عهد النبي (صلى الله عليه وآله)والأئمة المعصومين (عليهم السلام) يتّجهون إلى الفقهاء في تعلّم أحكام الشرع الحنيف للعمل وفقها، ومقتضى الوضع الطبيعي أنهم لم يكونوا يفرّقون بين الأحياء والأموات في ذلك، فمن كان يأخذ الفتوى في مسألة من فقيه ينقلها إلى أولاده وأحفاده ليعملوا بها وإن كانوا ممن تجدّد تكليفهم بعد وفاة ذلك الفقيه، ولا يُراعى في عمل الأولاد والأحفاد بها كون أخذهم للفتوى قبل وفاته.

وكذلك من عرضت له مسألة فاستفسر عن حكمها إذا وجد من يعرفه من فتاوى بعض الفقهاء كزرارة ومحمد بن مسلم وأضرابهما لا يتوقّف في العمل بها إذا لم يكن صاحب الفتوى حياً في حينه.

وإذا كانت هذه هي سيرة المتشرّعة المعاصرين للنبي والأئمة المعصومين (عليهم السلام) فلا يخلو الحال من أنهم إما قد تلقّوا السير وفق هذا المنهج من المعصومين (عليهم السلام) أنفسهم أو أنهم قد جروا في ذلك وفق المنهج العقلائي العام في رجوع الجاهل إلى العالم من دون أن يواجهوا ردعاً عنه من قبل المعصومين (عليهم السلام).

فعلى كلا التقديرين تثبت مشروعية العمل وفق فتاوى الفقهاء المتوفّين وإن كان الرجوع إليهم ابتدائياً.

و(الجواب عنه): إن ما كان يقع في زمن المعصومين (عليهم السلام) من الرجوع الابتدائي إلى فتاوى الفقهاء المتوفّين لا يمكن التأكد من استناده إلى ما صدر من المعصومين (عليهم السلام) من قول أو فعل، وكونه من الأمور المتلقّاة عنهم ليحكم بمشروعيته على أساس حجّية السيرة المتشرعية، بل يحتمل أنه كان مما يقع من المتشرّعة جرياً على المنهج العقلائي العام في رجوع الجاهل إلى العالم بلا فرق بين أن يكون العالم حياً أو ميتاً.

هذا من جانب ومن جانب آخر لا يبعد القول بأن موارد الرجوع الابتدائي إلى فتاوى غير الأحياء كانت جدّ محدودة في عصر المعصومين (عليهم السلام)، فإن الفتاوى لم تكن تصدر في الغالب إلاّ مشافهةً ولم تكن تُحرر وتُضبط بالكتابة إلاّ بصورة محدودة، ومعظم الكتب المؤلفة في ذلك العصر كانت تحتوي على الروايات والنصوص المروية عن الأئمة (عليهم السلام)وقلّما كان يتخلّلها شيء من الفتاوى الاجتهادية.

بالإضافة إلى أن معظم من كانوا يمارسون الفقه لم يكونوا إلاّ نقلةً للفقه المأخوذ من الأئمة (عليهم السلام) إما مباشرة أو بواسطة الآخرين من دون إعمال نظر واجتهاد في تطبيق الأصول على الفروع وغير ذلك من ضوابط الاستنباط التي يمارسها المجتهدون.

ونتيجة ذلك أن أكثر ما كان يُتناقل من الأحكام الفقهيّة على ألسنة الناس ويحكيها الآباء للأولاد والأجداد للأحفاد لم تكن من قبيل الفتاوى المستنبطة من الكتاب والسنة، بل أحكاماً تمّ تلقّيها من الأئمة (عليهم السلام) مباشرة أو مع الواسطة، فلا يمكن أن يُعدّ العمل بها بعد وفاة الناقل الأول من الرجوع الابتدائي إلى فتاوى غير الأحياء.

وفي ضوء هذا المقال لا يمكن أن يُستكشف إمضاء الشارع المقدّس لما جرى بصورة محدودة من الرجوع الابتدائي إلى الفقهاء المتوفّين من جهة عدم الردع عنه؛ لأنه لا يمكن إثبات عدم الردع من خلال عدم العثور على ما يثبته.

والوجه في ذلك: أن أساس التمسّك بالسيرة العقلائية هو استكشاف إمضائها بعدم الردع عنها من جهة أنه لو كان قد وقع ردع عنها لوصل ذلك إلينا بمقتضى الطبع والعادة.

والملازمة بين حصول الردع ووصوله إلينا إنما تكون مؤكّدة في حال سعة دائرة السيرة العقلائية، بمناط أنها إذا كانت متسعة فالردع عنها يجب أن يكون متسعاً أيضاً ليقع مؤثراً، ومتى اتّسع الردع فإنه سوف يتمثّل لا محالة في النصوص والروايات ويصل إلى الأجيال اللاحقة بصورة أو بأخرى، كما هو الحال في كل أمرٍ تكرر الحديث بشأنه وتمّ التأكيد عليه بصورة موسّعة على ألسنة المعصومين (عليهم السلام).

ومن الواضح أنّ هذا البيان لا يأتي فيما لو كانت دائرة السيرة العقلائية الممتدّة إلى ما يمسّ الأحكام الشرعية دائرة ضيقة، كما هو الحال في الرجوع إلى فتاوى الفقهاء المتوفّين ابتداءً، فإنه لا شيء يمنع من احتمال وقوع الردع عنه على لسان الأئمة (عليهم السلام) مع عدم وصول خبره إلينا فتدبر.

(الوجه الثاني)

إنّ السيرة العقلائية القائمة على رجوع الجاهل إلى العالم إنما هي بمناط كاشفيّة رأي العالم عن الواقع نوعاً، تلك الكاشفية التي لا دخل للحياة فيها قطعاً، وهذه السيرة وإن لم تُطبّق في عصر المعصومين (عليهم السلام) في مجال أخذ الفتاوى من الفقهاء المتوفّين ابتداءً إلاّ بصورةٍ محدودة جداً مما لا يمكن معه استكشاف الإمضاء الشرعي لها من جهة عدم وصول الردع عنها إلينا كما مرّ، ولكن مع ذلك يمكن القول بأن النكتة التي بلحاظها يتيسّر استكشاف إمضاء الشارع المقدس للسيرة العقلائية الممتدة إلى الأمور الشرعية بصورة موسّعة هي ذاتها التي تقتضي في المقام موافقة الشارع المقدس على الأساس الذي قامت عليه السيرة العقلائية في رجوع الجاهل إلى العالم، وهو كما سبق كاشفيّة رأي العالم عن الواقع نوعاً بلا فرق بين كونه حياً أو ميتاً.

وتوضيح الحال في ذلك: إن من المقرر في محلّه من علم الأصول أن الوجه في استكشاف إمضاء الشارع المقدس للسيرة العقلائية الممتدة إلى الأمور الشرعية بمجرّد عدم ردعه عنها هو أن تشريعه للأحكام لمّا كان لغرض تأمين الملاكات الكامنة في متعلّقاتها، فلو فُرض أن فيما بنى عليه العقلاء في أمورهم العادية مما يُجرونه بحسب الطبع والعادة في الأمور الشرعية ما لا يرتضيه الشارع المقدّس لمنافاته مع تحقيق الملاكات المولويّة فلا بدّ له تأميناً لتلك الملاكات من ردع العقلاء عن إجرائه في الأمور الشرعية وإلاّ يكون مخلاًّ بملاكات أحكامه وهو ممتنع في حقّه.

وهذا البيان كما يقتضي قيامه بالردع عمّا لا يرتضي امتداده إلى الأمور الشرعية من السيرة العقلائية مما يمتدّ إليها في عصره بمقتضى الطبع والعادة لولا ردعه عن ذلك، كذلك يقتضي ردعه عمّا يعلم امتداده إليها في المستقبل لئلاّ تقع الأجيال القادمة في محذور مخالفة الملاكات المولوية.

ففي محلّ البحث إذا كان الشارع المقدّس لا يرتضي للمسلمين الرجوع الابتدائي إلى فتاوى الفقهاء غير الأحياء فهذا الأمر وإن لم يكن موضعاً لابتلائهم بصورة موسعة في العصر الإسلامي الأول، إلاّ أنه لما كان من المتوقّع أن يتسع الابتلاء به مستقبلاً حيث تتوفّر وسائل الضبط والتحرير مما يسهل معه الاطلاع على فتاوى الماضين، ومن الطبيعي عندئذٍ اتساع الرجوع إليها جرياً على المنهج العقلائي في الرجوع إلى آراء أهل الخبرة بلا فرق بين الحي منهم والميت فلا بدّ للشارع المقدّس العالم بما سيقع أن يتخذ الإجراءات الكفيلة ببلوغ الردع عن ذلك إلى أسماع الأجيال القادمة تحفّظاً على ملاكات أحكامه، وحيث أنه لم يبلغ إلى أسماعنا كشف ذلك عن موافقته على ما هو المناط في بناء العقلاء على رجوع الجاهل إلى العالم وهو كاشفيّته النوعيّة عن الواقع بلا فرق بين كون العالم حياً أو ميتاً.

و(الجواب عنه):

أولاً: بالنقض بالسير العقلائية المستحدثة، كما في مجال الحقوق الفكرية كحقّ الاختراع والتأليف والطبع ونحوها، فإنه لو تمّ البيان المتقدّم لجرى نظيره فيها أيضاً، فيقال أن الشارع المقدس لمّا كان يعلم بأنه سيتجدد للعقلاء سِيَرٌ لها مساس بالأحكام الشرعية فإن كان فيها ما لا يرتضيه للزمه اتخاذ الإجراء الكفيل ببلوغ الردع عنها إلى المعاصرين لتلك السِيَر وحيث لم يبلغهم ذلك كشف عن موافقته عليها.

وعلى ذلك يسقط ما اعتبره الأصوليون في حجّية السيرة العقلائية من كونها معاصرة للمعصومين (عليهم السلام)، على أساس أنها لو لم تكن كذلك لما أمكن استكشاف إمضائها بعدم الردع، بل تصبح كلّ سيرة عقلائية قديمة أو مستحدثة حجة ما لم يثبت الردع عنها، بل لو صحّ ما ذُكر من الكلام لاقتضى تصدّي الشارع المقدس لإبلاغ الأجيال المتأخّرة من الأُمة بأحكام المسائل المستحدثة لهم وهي كثيرة تحفّظاً على الملاكات الكامنة في متعلّقاتها.

وثانياً: بالحلّ، وهو أن الملاكات الكامنة في متعلّقات الأحكام الشرعية على درجات متفاوتة من الأهمية ويختلف بحسب ذلك درجة ما تستدعيه من الاهتمام بتبليغها إلى المكلّفين.

والأحكام المتعلّقة بالمسائل المستحدثة ونحوها في عصر الغيبة على قسمين:

أ - ما يفي بإثباتها العمومات والإطلاقات وما يشبهها مما تكون في متناول أيدي فقهاء عصر الغيبة، ومن الواضح أنه لا حاجة في هذا القسم إلى تسبب الشارع في إبلاغها بعناوينها الخاصة.

ب - ما لا تفي العمومات ونحوها بإثباتها، وفي هذا القسم لا يلزم الشارع المقدّس اتخاذ الإجراءات الكفيلة بإبلاغها إلى المكلّفين إلاّ إذا كانت الملاكات القائمة بمتعلّقاتها بمثابةٍ من الأهمية تستدعي ذلك.

وفي ضوء ذلك ففي المسائل المستحدثة في عصر الغيبة وما يشبهها كمسألة الرجوع إلى فتاوى الفقهاء المتوفّين ابتداءً إذا لم يصل الردع عمّا استجدّ بناء العقلاء عليه من قِبل الشارع المقدّس يجوز أن يكون الوجه فيه اعتماد الشارع المقدّس في إفادة حكمه المخالف للبناء المستجد على ما تقتضيه العمومات والإطلاقات وما بحكمهما، ويمكن أن يكون من جهة عدم كون الملاك الكامن في الحكم بمرتبة من الأهمية تقتضي التسبّب في إيصاله إلى المكلّفين بأيّ نحوٍ كان.

وعلى هذا فلا يمكن التأكّد من موافقة الشارع المقدس لما هو مقتضى البناء العقلائي غير المعاصر للمعصومين (عليهم السلام).

فتحصّل مما تقدّم أن الاستدلال بالسيرة على جواز الأخذ ابتداءً بفتاوى الفقهاء المتوفّين في غير محلّه سواء أُريد بالسيرة المتشرعية منها أو العقلائية.

أما المتشرعية فلأنه لم يثبت رجوع المتشرّعة المعاصرين للأئمة (عليهم السلام) إلى فتاوى غير الأحياء ابتداءً بنحوٍ يمكن إحراز استناده إليهم (عليهم السلام).

وأما العقلائية فلأنها لا تنهض حجّة على موافقة الشارع المقدس على النكتة التي بنى عليها العقلاء، بل على خصوص ما صدر منهم من الجري العملي الممتد إلى الأمور الشرعية في عصر المعصومين (عليهم السلام) بضميمة عدم الردع عنه.

فالنتيجة: إنه لا دلالة في السيرة على جواز تقليد المتوفّى ابتداءً، وحيث أنه لا دليل آخر على جوازه فمقتضى أصالة عدم الحجّية هو عدم الاجتزاء به.

فالصحيح وفاقاً لجمهور المحقّقين عدم جواز تقليد الميت ابتداءً والله العالم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقتبس من كتاب بحوث فقهية لآية الله السيد محمد رضا السيستاني (دام ظله): 345-351.