الباحثة: الناز موسوي يكتا
الجمهورية الإسلامية الإيرانية
المصدر: مجلة الولاية – العدد 208 – الصفحة (56)
على الرغم من تضخّم نظريّات العدالة في العصر الحديث - بدءاً من ليبراليّة جون رولز ووصولاً إلى مقاربة القدرات لأمارتيا سِن - ما يزال العالم المعاصر أسير دوّامة اللامساواة المتصاعدة، ومع أنّ القرنين العشرين والواحد والعشرين شهدا أكثر الصيغ تعقيداً لتوزيع الثروة وتكافؤ الفرص، فإنّ الفجوات الطبقيّة، والفقر المعلوماتي، والأهمّ من ذلك أزمة المعنى، تكشف عن حلقة مفقودة في هذه المعادلات، تكمن هذه الحلقة في اختزال العدالة إلى توافق تعاقدي منزوعٍ من الفضيلة الأخلاقية.
ترى هذه المقالة - عبر العودة إلى فكر الإمام علي (عليه السلام) - بأنّ العدالة هي حقيقة وجوديّة (أنطولوجيّة)، لا تتحقّق بمعزلٍ عن المبدأ التوحيدي وكرامة الإنسان.
مأزق النظريات الحديثة وأدلّتها الدينيّة:
تقوم نظريّة العدالة كإنصاف لجون رولز على فكرتي الوضع الأصلي وحجاب الجهل، حيث يتوافق الأفراد لتعظيم مصالحهم، وقد انتقد الفلاسفة الجماعيون، ومنهم مايكل ساندل في كتابه الليبراليّة وحدود العدالة، هذا المنظور؛ لأنّه يفصل الإنسان عن سياقه الأخلاقي وغاياته الفطريّة، أمّا أمارتيا سِن، فرغم تركيزه في كتابه فكرة العدالة على القدرات، إلا أنّه يظلّ يدور في فلك النموذج التنموي العلماني.
في المقابل، تُعدّ العدالة في الفكر الإسلامي صفةً لفعله تعالى وغايةً لبعثة الرسل، وليست مجرّد توافق بشري، يقول تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)[الحديد: 25].
تجاوز العدالة العلمانيّة - العدالة بوصفها قوام الوجود-:
في النسق الحديث، غالباً ما تُعرَّف العدالة بوصفها أداة لحفظ النظام الاجتماعي أو تحسين الرفاه، ولكن في النظرية العلويّة، تُعدّ العدالة جوهراً وقواماً للوجود، فعندما يقول الإمام علي (عليه السلام): ((الْعَدْلُ قِوَامُ الْبَرِيَّةِ))(1) و((الظُّلْمُ بِوَارُ الرَّعِيَّةِ))(2)، فهو لا يتحدّث عن عقد اجتماعي، بل عن قانون تكويني، فالظلم على وفق هذا التصوّر هو خلل في نظام الخلق، وبذلك تختلف العدالة العلويّة عن منظور رولز، الذي يرى العدالة نتاج توافق العقلاء خلف حجاب الجهل، أمّا في الأنموذج العلوي، فهو انعكاس لميزان الله في الأرض، وشرطٌ لبقاء الحضارة، كما يقول الإمام علي (عليه السلام): ((بِالْعَدْلِ تَتَضَاعَفُ الْبَرَكَاتُ))(3)، وهذا التحوّل يرتقي بالعدالة من مستوى التشريع الوضعي إلى مستوى المعرفة التوحيديّة.
العدالة التكوينيّة والتشريعيّة:
يرى العلّامة الطباطبائي في الميزان أنّ القوانين الاجتماعيّة (العدل التشريعي)، لا بدّ أن تكون انعكاساً للقوانين الوجوديّة (العدل التكويني)، وتشير مفردة (قوام) في كلام الإمام (عليه السلام) إلى أنّ المجتمع بلا عدل كالبناء بلا أعمدة، مآله السقوط الحتمي، ويتقاطع هذا مع نظريّات الأنظمة الحديثة، التي ترى أنّ خروج أيّ نظام عن التوازن يؤدي إلى انهياره.
إن الظلم كالفوضى في الفيزياء، يؤدّي الانحراف عن النظام إلى زيادة (الإنتروبيا) الفوضى وموت النظام، وقوله (عليه السلام) : ((مَنْ عَمِلَ بِالْعَدْلِ حَصَّنَ اللهُ مُلْكَهُ))(4) يشير بدقّة إلى هذه الآليّة؛ فالظلم يهدر الطاقة الكامنة في المجتمع ويفكّك بنيانه، وقد ذهب ابن خلدون في المقدّمة إلى أنّ الظلم هو المؤذّن بخراب العمران، وهو ما ينسجم تماماً مع المنطق العلوي.
نقد الاقتصاد السياسي الحديث بمنطق (ما جاع فقير):
يقول أمير المؤمنين ((عليه السلام): ((مَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلَّا بِمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِيٌّ))(5).
إذ يُمثّل هذا القول نقداً صارخاً للنظريات التي تعُدّ تراكم رأس المال محرّكاً للتنمية، وترى الفقر نتيجةً لنقص الموارد أو لتقصير الفرد، فأمير المؤمنين (عليه السلام) يؤسس لعلاقة سببيّة مباشرة بين ثراء القلّة المفرط وفقر الكثرة، وفي عالم اليوم، حيث يملك 1% نصف ثروات العالم، يؤكّد المنظور العلوي أنّ عدم المساواة ليست أمراً طبيعياً، وإنما هي نتاج بنى توزيع جائرة.
الارتباط العضوي بين أخلاق الحاكم والعدالة البنيويّة:
تكمن نقطة العمى في النظريات الحديثة في الفصل بين أخلاق السياسي وبنية النظام؛ إذ تفترض الديمقراطيات الحديثة أنّ الرقابة الخارجية تكفي للحدّ من الفساد، غير أنّ الأنموذج العلوي يبيّن أنّ العدالة البنيويّة من دون تزكية النفس سراب، يقول الإمام علي (عليه السلام): ((مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ))(6)، وهذا شرطٌ سياسيّ قبل أن يكون وصيّة أخلاقيّة، فما لم تتحوّل السلطة إلى أمانة بدلاً من غنيمة، وما لم يرَ الحاكمُ نفسه واقفاً بين يدي الله، فلن يمنع أيّ نظام رقابي إعادة إنتاج عدم المساواة، إنّ العدالة العلويّة تمزج ببراعة بين التقوى الفرديّة والرقابة المؤسسيّة.
نقد الإدارة التكنوقراطيّة:
يشدّد ماكس فيبر في نظريّة البيروقراطيّة على العقلانيّة الأداتيّة وفصل العام عن الخاص، لكنّ الفضائح الكبرى (مثل ووترغيت أو أزمة 2008 الماليّة) أثبتت أنّ القانون وحده لا يصنع النزاهة، ويكشف ميشيل فوكو في أبحاثه عن الحكوميّة كيف يتسرّب النفوذ والسلطة إلى نسيج الذوات، في حين تقدّم الرؤية الإسلاميّة أنّ حكم الذات هو المقدّمة الضرورية لحكم المجتمع.
الأدلّة الروائية: يقول الإمام علي (عليه السلام) في كتابه إلى الأشعث بن قيس: ((وَإِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَةٍ، وَلَكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانَةٌ))(7).
العدالة المعلوماتيّة وكرامة الإنسان:
في عصر البيانات الضخمة والاحتكار الإعلامي، لم تعد العدالة محصورةً في الخبز والمسكن، بل اتسعت لتشمل حقّ المعرفة، وقد أكّد أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ الشفافية حقٌّ للمجتمع، كما أنّ تقسيمه الناس إلى (أخٍ لك في الدين) أو (نظيرٍ لك في الخلق) يدحض كلّ أشكال التمييز الديني والعرقي والطبقي، فالإنسان في المنطق العلوي يمتلك كرامةً ذاتيّة جوهرية، بصرف النظر عن قيمته الاقتصادية؛ وهذا ما تغفله الرأسماليّة النيوليبرالية غالباً.
الكرامة الذاتيّة:
رغم أنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام (1948) يشدّد على الكرامة، فإنّ التطبيق غالباً ما يخضع لمصالح الدول، أمّا المنظور العلوي فيستند إلى قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) [الاسراء:70]، وهذه كرامة تكوينية ذاتيّة، لا تمنحها الدولة ولا تملك حق سلبها، ويقول جورج جرداق في كتابه (الإمام علي صوت العدالة الإنسانيّة): "عليّ بن أبي طالب أوّل من طرح المساواة الإنسانيّة لا كتكتيك سياسي، بل كحقيقة من حقائق الخلق".
خلاصة الحديث:
إنّ إعادة قراءة عدالة الإمام علي (عليه السلام)، في عالم اليوم، ليست مجرّد استرجاع تاريخي، بل هي وصفة علاجية لأزمات الإنسان المعاصر، ويكمن الفرق الجوهري بين النماذج الغربية مثل أنموذج رولز والأنموذج العلوي في أنّ العدالة هناك أشبه بعقد تجاري لتقاسم المنافع، بينما هي في الرؤية العلويّة متجذّرة في الأخلاق والوجدان وقوانين الوجود، وعليه، فإنّ العدالة لن تتحقّق ما دام الحكّام لم يزكّوا أنفسهم، وما دام تراكم الثروة ينتج فقراء جدداً.
إنّ الخلاص من مأزق اللامساواة الحديثة يبدأ بالارتقاء بالعدالة من كونها قانوناً وضعيّاً لتصبح ميزاناً إلهياً تتكامل فيه عمارة الدنيا مع السمو الروحي للإنسان نحو الحياة الطيبة.
---------------------
محمد الريشهري، ميزان الحكمة: 3/ ١٨٣٨
محمد الريشهري، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الكتاب والسنة والتاريخ: 4/ ٣٢٢.
محمد الريشهري، ميزان الحكمة: 3/ ١٨٣٨.
المصدر نفسه: 2/ 937.
نهج البلاغة الحكمة 328.
الحر العاملي، وسائل الشيعة : 16/ ١٥١.
نهج البلاغة، الرسالة رقم (5).