د. أحلام خضير رزاق الزريجاوي
جامعة الكوفة/ شعبة شؤون المرأة
المصدر: مجلة الولاية – العدد 207 – الصفحة (56)
تُعدّ حوادث المرور من أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة، لما تخلّفه من خسائر بشرية ومادية وآثار اجتماعية ونفسية واقتصادية واسعة، وعلى الرغم من أهمية التشريعات المرورية والإجراءات التنظيمية في الحد من هذه الحوادث، فإن تحقيق السلامة المرورية يظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بمدى التزام الأفراد بالسلوك المسؤول في أثناء استعمال الطريق.
من هنا تبرز أهمية الثقافة المرورية بوصفها منظومة من القيم والمعارف والسلوكيات التي تنظم علاقة الإنسان بالطريق وبالآخرين، وعند التأمل في التراث الإسلامي نجد أن فكر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يزخر بمبادئ أخلاقية وإنسانية يمكن الإفادة منها في ترسيخ هذه الثقافة؛ إذ دعا إلى النظام، واحترام الحقوق، وضبط النفس، وتحمل المسؤولية، وهي قيم تتقاطع بصورة مباشرة مع متطلبات السلامة المرورية الحديثة.
نستهل هذه المقالة بالتساؤل الآتي:
كيف يمكن الإفادة من المبادئ الأخلاقية والإنسانية في فكر الإمام علي (عليه السلام)في تعزيز ثقافة الطريق، وترسيخ السلوك المروري الآمن لدى أفراد المجتمع؟
يهدف هذا المقال إلى الآتي:
- بيان العلاقة بين القيم الأخلاقية في فكر الإمام علي (عليه السلام) والسلوك المروري.
- إبراز أثر المبادئ الإسلامية في تعزيز ثقافة الطريق.
- تسليط الضوء على أهمية المسؤولية الاجتماعية في تحقيق السلامة المرورية.
- الإسهام في نشر الوعي المروري عبر توظيف التراث الفكري الإسلامي في معالجة القضايا المجتمعية المعاصرة.
ثقافة الطريق في نصوص أمير المؤمنين(عليه السلام):
اعتمدنا في مقالنا هذا المنهج الوصفي التحليلي، عن طريق استقراء عدد من النصوص الواردة عن الإمام علي (عليه السلام) وتحليل مضامينها وربطها بمفاهيم الثقافة المرورية والسلامة على الطرق في ضوء الواقع المعاصر.
أولًا: النظام والانضباط أساس السلامة المرورية
يمثّل النظام أحد أهم الأسس التي تقوم عليها حياة المجتمعات واستقرارها، وقد أكد الإمام علي (عليه السلام) هذه الحقيقة في وصيته الخالدة: ((أُوصِيكُمَا وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقْوَى اللَّهِ وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ))(1).
ويمثل الالتزام بقواعد السير والإشارات المرورية والسرعات المحددة ترجمة عملية لمبدأ النظام والانضباط، فكلما ارتفع مستوى الالتزام بالنظام المروري انخفضت معدلات الحوادث، في حين تؤدي الفوضى والتجاوزات إلى تهديد سلامة مستخدمي الطريق وإرباك حركة المرور.
ثانيًا: حفظ النفس ضرورة شرعية وأخلاقية
جعل الإسلام حفظ النفس الإنسانية من الضرورات التي ينبغي صيانتها وحمايتها، قال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء:29]، وقال سبحانه وتعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة)[البقرة: 195].
ومن هذا المنطلق فإن القيادة المتهورة، أو تجاوز السرعات المقررة، أو استخدام الهاتف المحمول أثناء القيادة، تمثل سلوكيات تعرض حياة الإنسان وحياة الآخرين للخطر، وتتعارض مع مبدأ حفظ النفس الذي أكدته الشريعة الإسلامية، كما تتنافى مع روح المسؤولية التي دعا إليها الإمام علي (عليه السلام).
ثالثًا: احترام حقوق الآخرين في الطريق
الطريق ملك عام، يشترك في الانتفاع به جميع أفراد المجتمع؛ لذلك فإن احترام حقوق الآخرين في أثناء استخدامه يعد مظهرًا من مظاهر الرقي الحضاري والسلوك المسؤول.
لقد رسّخ الإمام علي (عليه السلام) مبدأ احترام الإنسان وصيانة حقوقه في العديد من توجيهاته، ولا سيما في عهده لمالك الأشتر، الذي أكد فيه ضرورة العدل والرحمة ومراعاة مصالح الناس، ويتمثل ذلك في المجال المروري عبر احترام حق المشاة، وإعطاء الأولوية لمستحقيها، والابتعاد عن السلوكيات التي تعرض الآخرين للخطر أو تعيق حركتهم.
رابعًا: الصبر وضبط النفس في أثناء القيادة
تعد الانفعالات والغضب في أثناء القيادة من العوامل المؤثرة في وقوع الحوادث المرورية والنزاعات بين مستخدمي الطريق، وقد أولى الإمام علي (عليه السلام) أهمية كبيرة لفضيلة الحلم وضبط النفس، فقال (عليه السلام): ((أَوَّلُ عِوَضِ الْحَلِيمِ مِنْ حِلْمِهِ أَنَّ النَّاسَ أَنْصَارُهُ عَلَى الْجَاهِلِ))(2).
إن التحلي بالصبر عند الازدحام المروري، أو عند مواجهة أخطاء الآخرين، يسهم في الحد من السلوك العدواني ويعزز السلامة العامة، فضلًا عن كونه يمثل مستوى متقدمًا من الوعي الأخلاقي والاجتماعي.
خامسًا: المسؤولية الاجتماعية والمحافظة على الممتلكات العامة
لا تقتصر ثقافة الطريق على الالتزام بقواعد القيادة، وإنما تشمل أيضًا المحافظة على البنية التحتية المرورية من طرق وجسور وإشارات وعلامات تنظيمية، بوصفها جزءًا من المال العام الذي ينتفع به الجميع.
وقد أكد الإمام علي (عليه السلام) أهمية الأمانة وصيانة الحقوق العامة، الأمر الذي يجعل الحفاظ على الممتلكات العامة واجبًا أخلاقيًا ووطنيًا، ويمثّل شعور الفرد بمسؤوليته تجاه مجتمعه ومؤسساته.
الخاتمة:
تكشف القراءة المتأنية لفكر الإمام علي (عليه السلام) عن منظومة متكاملة من القيم الأخلاقية والإنسانية القادرة على الإسهام في بناء ثقافة مرورية واعية ومستدامة، فالنظام والانضباط، وحفظ النفس، واحترام الحقوق، وضبط النفس، وتحمل المسؤولية الاجتماعية، تمثل جميعها ركائز أساسية للسلوك المروري السليم.
وبناءِ على ذلك، فإن ترسيخ ثقافة الطريق ينبغي أن يجمع بين التشريعات المرورية والبرامج التوعوية من جهة، وتعزيز القيم الأخلاقية والدينية من جهة أخرى، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر التزامًا وأمنًا، ويحد من الحوادث المرورية وآثارها السلبية، ويجسد في الوقت ذاته المضامين الإنسانية والإصلاحية التي أكدها الإمام علي (عليه السلام) في فكره وسيرته.
--------------
نهج البلاغة، الكتاب: 47.
المصدر نفسه، الحكمة: 206.