د. الشيخ حيدر السهلاني
جامعة الكوفة/ كلية الفقه
المصدر: مجلة الولاية – العدد 203 – الصفحة (25)
إن التسلط الشرعي والقيام بأمر الوقف بالاشتراط أو التعيين الجعلي من قبل مَنْ له الصلاحية على ذلك يُطلق عليه في اصطلاح الفقهاء بـ (النظارة)، وهو عين الولاية الفرعية على الوقف.
والنظارة لغة: مأخوذة من نَظَرَ، يَنظرُ، والنظر والبصر والرؤية: نظائر في اللغة، تقول نظرتُ إلى كذا: أي هو تأمل الشيء بالعين، والنظر من دون ذكر العين، نظرت في الكتاب، ونظرت في الأمر: أي تفكيراً فيه وتدبيراً بالقلب(1).
أما في الاصطلاح: فهي: "جعل القيمومة على الوقف مع حفظ عنوانه، لا جعل المزيل له ومن يتصدى إبطاله"(2).
التعريف يشير إلى جعل شرعي خاص لمن يتصدى لهذا المنصب، وقد عُبر عن النظارة في بعض الأخبار بالولي، فمن له الأحقية في منح تلك القيمومة أو النظارة؟ وما مؤهلات من يتصدى لتلك المهمة؟
وظيفة الناظر:
يرى الفقهاء أن مهمة الناظر ووظيفته تكون ضمن مجالين:
المجال الأول: أن تكون أعمال المتولي باطلاعه، فيكفي فيه الاطلاع فقط، فيكون نظر الناظر مجرد طريق لإثبات صلاح التولية للمتولي.
المجال الثاني: أن يكون بنظره وتصويبه(3). أي: زيادة على الاطلاع فلا بد من استحصال المتولي لأذنه، فيكون لنظره صلاحيات خاصة.
وبناءً على المجالين:
فالأول: يلزم أن تكون أعمال المتولي باطلاع الناظر، ولا يلزم أخذ الأذن منه، بل النظارة قائمة على الاطلاع فقط.
وأما الثاني: فإن اطلاع الناظر فقط غير كافٍ وحده، بل أن المتولي لغرض نفوذ تصرفاته لا بد من أخذ الإذن أو إقرار الناظر على تصويب ذلك العمل.
ومع القول بالتعيين يكون العمل بذلك الشرط، وأما مع عدمه فلا بد للمتولي، وهو في مقام العمل، من الجمع بين الأمرين، وذلك "من جهة أصالة عدم جواز عمله ونفوذ تصرفاته إلا بالأمرين"(4).
فعليه إذا تم الوقف بلا شرط كان الواقف كالأجنبي عن الوقف، لا سيما في عدم إثبات حق له في تعيين ناظر للوقف؛ لأن الواقف لما حبّس العين فقد أخرجها عن ملكه، فلا يملك التنصيب ولا العزل.
وكذلك بالنسبة لمن جعل النظارة له فمات، فيدور التعيين لناظر آخر على نفس ما شرطه الواقف في متن عقد الوقف لنفسه، فالصلاحية المخول بها تجري بحسب ما ذكره في العقد، وإلا انتقلت تلك الصلاحية إلى شخص آخر له هذا الدور.
الولاية الفرعية (النظارة) تكون حق مَن؟
أولاً: الواقف:
اتفق الفقهاء على حق الواقف أن يجعل شخصاً آخر غير المتولي على الوقف يسمى (ناظر الوقف)، أو يجعل لنفسه هذا المنصب، قال الشيخ الطوسي (ره): "إذا أوقف على قوم وجعل النظر في الوقف إلى نفسه كان النظر إليه"(5).
وقال السيد السيستاني (دام ظله): "يجوز للواقف في وقف غير المسجد أن يجعل تولية الوقف ونظارته لنفسه ما دام الحياة أو إلى مدّة مستقلّاً أو مشتركاً مع غيره"(6).
ويدل على جوازه العمومات والإطلاقات:
1- عموم قاعدة السلطنة لقوله (صلى الله عليه وآله): ((الناس مسلطون على أموالهم))(7) لان ما أوقفه مالاً، وهذه السلطنة باقية ما دام لم يوقف وتسلب بعد الوقف إذا لم يشترط مع الوقف شيء.
2- الإطلاقات: وتُلحظ في مكاتبة الإمام أبي محمد العسكري (عليه السلام)، إذ جاء في توقيعه الشريف: ((الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها))(8).
3- كون شرط جعل الناظر من الواقف ليس فيه مخالفة للكتاب أو السنة.
4- الإجماع قائم على ذلك، والسيرة(9) حاكية لذلك العمل من دون معارض.
ثانياً: الموقوف عليه:
تعيين الموقوف عليه لناظر الوقف متوقف على إثبات حقهم في تعيين المتولي، فإن تمسكنا بالقول بمنع الولاية الأصلية عنهم، فمن باب أولى منعهم عن تعيين الناظر؛ لأنه إذا كان لا يملك النظر لنفسه فكيف يملكه لغيره، وإن تمسكنا بالقول بإعطائهم الحق في تلك الولاية فلهم الأحقية في تعيين الناظر، قال شيخ الطائفة الطوسي (ره): "إذا وقف على قوم وجعل النظر في الوقف إلى نفسه كان النظر إليه، وإن أطلق ذلك قيل فيه وجهان، بناءً على انتقال الملك، فمن قال: ينتقل إلى الله فالنظر إلى الحاكم في الوقف، ومن قال ينتقل إلى الموقوف عليه فالنظر إليهم"(10).
وقد رجّح الفقهاء الرجوع إلى الحاكم على كلا التقديرين، وذلك بأن المصلحة التي تعود بمنافعها على الوقف لا تقتّصر تلك المنافع على الطبقة الأولى الموجودة، بل تتعدى إلى البطون الأخرى، وهي من المصالح المهمة التي لا يقوم بأعبائها إلا الحاكم الشرعي(11).
ثالثاً: الحاكم الشرعي:
اتفق الفقهاء على أنّ حق تعيين الناظر على الوقف في صورة عدم تعيينه من قبل الواقف للحاكم الشرعي، فبعد اتفاقهم على جعل الولاية الأصلية له عند عدم تعيين الواقف متولياً، فله الأحقية في إسناد هذا المنصب إليه أو إلى غيره، إذ إنها من الصلاحيات المخولة للحاكم الشرعي (المجتهد).
وأشار إلى ذلك الشيخ الكبير كاشف الغطاء (ره) قال: "ولو لم يعيّن الواقف ناظراً، فإن عيّن كان المعين، والمجتهد ناظر عليه إذا أخل أو أفسد ومع عدم المنصوب تكون النظارة للمجتهد بعد غيبة الإمام (روحي له الفداء)؛ لأنه قائم مقامه في الأحكام، فله المباشرة بنفسه ونصب قيّم من قبله يتولى إلى إصلاحها وتعميرها وفتح أبوابها وسدّها وحفظها وهدم عمارتها وبيع آلاتها ونحو ذلك، وإن رأى الصلاح في منع أحد من الدخول فيها أو رأى نصب إمام عوض إمام أو خادم عوض خادم وجب اتّباعه"(12).
وتدل على الإنابة في النظارة إسناد نظارة الشيخ صاحب الجواهر (ره) على موقوفات المشهد الرضوي المقدس لجناب الميرزا محمد صادق الرضوي كما ورد في هذا النص: "أذنت لعالي الجناب صاحب الفضائل والفواضل والعوارف والمعارف، سلالة السادات الأطياب، وخلاصة السابقة الأقطاب، العلامة الفهامة آقا ميرزا محمد صادق ناظر مشهد الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) فأذنت له في جميع الأمور الراجعة إلى موقوفات الحضرة الشريفة، وسائر الموقوفات على حسب ما أوقفها أهلها على حسب ما يراه صلاحاً وكان ذلك في ربيع الأول سنة 1263هـ"(13).
وعلّق عليها شيخ العراقين الشيخ عبد الحسين الطهراني (ره) بعد منحه الميرزا النظارة من قبله: "قد تشرفت بملاحظة هذه الورقة الشريفة التي عليها خط ملاذ الشيعة، وقوام الشريعة شيخ الطائفة ... شيخنا وأستاذنا ووالدنا صاحب المفاخر والمآثر الشيخ محمد حسن ابن الشيخ باقر (قدس الله نفسه الزكية)، ولعمري أن الإمضاء الصادر منه وقع في محل قابل... وقد احتذيت حذو الشيخ الأستاذ وآذنته لجناب السيد المخدوم بل ألتمس منه أن ينوب حتى في ما يرجع إلى مثلي، وإن لم أكن لذلك أهلاً فهو أهل، وقام بمنصب النظارة بعده ولده الميرزا محمد كاظم الشيخ محمد صادق"(14).
تفويض الولاية:
تفويض الولاية: عبارة عن تنازل المتولي أو الناظر عن ولاية الوقف أو نقلها إلى غيره وتفريغ نفسه منها، وإقامته مقام نفسه استقلالاً.
ولا بد هنا من بيان أمور:
الأمر الأول: تفويض الولاية إما أن يكون ممن له الولاية الأصلية على الوقف، وذكر ذلك التفويض ضمن عقد الوقف أو ولاية الحاكم الشرعي، فإن مثل هذا التفويض سائغ لثبوت هذا الحق للواقف العامل بالوقف المشروط، وللحاكم بقانون السلطنة والحاكمية فيكون ثبوت هذا الحق حينئذٍ له ممن له حق ذلك.
الأمر الثاني: إذا كان التفويض ممن ولايته جعلية، فإن اكتسب حق التفويض ممن أعطاه حق الولاية ضمن شرط الوقفية، فإن ذلك التفويض يكون سائغاً كذلك للسبب نفسه.
الأمر الثالث: إذا كانت ولايته جعليه ولم يؤذن له بالتفويض، فليس له التفويض إلى غيره حتى مع عجزه عن التصدي؛ وذلك لـ: "أصالة عدم ثبوت هذا الحق له إلا بدليل خاص، وهو مفقود"(15)، بل المنع حتى مع العجز.
قال السيد اليزدي (ره): "ليس للمتولي تفويض التولية إلى غيره مع عجزه عن التصدي إلا إذا جعل الواقف له ذلك عند جعله متولياً، نعم يجوز له التوكيل في بعض ما كان تصديه من وظيفته، إذا لم يشترط عليه المباشرة"(16).
وقال السيد السيستاني (دام ظله): "يجوز للواقف أن يجعل ناظراً على المتولّي، فإن أحرز أنّ المقصود مجرّد اطّلاعه على أعماله وإشرافه عليها لأجل الاستيثاق فهو مستقلّ في تصرّفاته ولا يعتبر إذن الناظر في صحّتها ونفوذها وإنّما اللازم عليه اطّلاعه، وإن أحرز أنّ المقصود إعمال نظره وتصويبه عمل المتولّي لم يجز له التصرّف إلّا بإذنه وتصويبه، ولو لم يحرز مراده فاللازم مراعاة الأمرين"(17).
ومشروعية التوكيل من حيث أنها لا تنافي عمل التولية، وذلك أن شؤون الوقف تتطلب إدارته عدة أعمال متنوعة، فلا يشترط أن يكون المتولي ممن يقوم بتلك الأعمال إلا مع اشتراط المباشرة، فيدخل الفعل تحت عمومات الأدلة اللازمة لوجوب الوفاء بالشرط.
-------------
1.ظ: ابن منظور، لسان العرب، ج5، مادة (نظر).
2.الأصفهاني، حاشية المكاسب: 3/132.
3.البجنوردي، القواعد الفقهية: 4/ 314.
4.المصدر نفسه.
5.الطوسي، المبسوط: 6.
6.السيستاني، منهاج الصالحين: مسألة/1500 .
7.الأحسائي، ابن أبي جمهور، عوالئ اللآلئ: ج3، ح49.
8.الحر العاملي، الوسائل: ج13، باب 2 من أبواب وجوب العمل بشرط الواقف: ح2.
9.ظ: السبزواري، مهذب الأحكام: 22/114.
10.الطوسي، المبسوط: 301.
11.ظ: مجلة القضاء: السنة 32، العددان الثالث والرابع: 1977م تحت عنوان: الوقف في الإسلام للسيد الصدر.
12.كاشف الغطاء، كشف الغطاء: 2/371.
13.الأمين، محسن، أعيان الشيعة: 9/ 366.
14.المصدر نفسه: 367.
15.السبزواري، مهذب الأحكام: 22/ 113.
16.اليزدي، العروة الوثقى: 6/ 344.
17.السيستاني، منهاج الصالحين: مسألة/1509.