الباحث: السيد حسين المهدوي
الحوزة العلمية - النجف الاشرف
المصدر: مجلة الولاية – العدد 202 – الصفحة (21)
يعدّ المعراج من أهم المباحث الإسلامية، نظراً لما يتضمن من أبعاد قرآنية روائية وعقدية وكلامية وفلسفية، وقد تناولته العلوم المختلفة من زوايا متعددة، وألّفت فيه كتب كثيرة ومتنوعة، وفي هذا المقام نود أن نسلط الضوء على المعراج من خلال الروايات، إذ الروايات الصحيحة من أهل البيت (عليهم السلام) هي أحد الأدلة الأربعة التي يعتمد عليها في الفقه الإسلامي، ولها أثر أساسي في إيضاح الوقائع التاريخية الإسلامية، ونحاول في هذا المقام المختصر أن نبحث في الروايات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) في المعراج، وذلك على محورين رئيسين:
المحور الأول:
النظر العام إلى الروايات الواردة في باب المعراج
لقد وردت روايات كثيرة ومتنوعة من حيث الدلالة والسند في باب المعراج، رواها كثير من الصحابة عن النبي (صلى الله عليه وآله)، منهم ابن عباس، وابن مسعود، وأنس، وجابر بن عبد الله، وحذيفة وعن المعصومين (عليهم السلام) وممن رواها ابن أبي عمير وزرارة وغيرهما، وهنا يمكننا أن نقسّم كل الروايات الواردة في باب المعراج على أربعة أقسام:
القسم الأول: ما يقطع بصحتها لتواتر الأخبار به وإحاطة العلم بصحته، منها روايات تؤيّد أنه أسري به (صلى الله عليه وآله) على الجملة، فإن هذا يفيد العلم اليقيني والقطع بحدوث هذه الواقعة عند أهل العلم، وعليه يجب الإيمان بها.
القسم الثاني: ما ورد في ذلك مما تجوّزه العقول ولا تأباه الأصول، فينبغي أن نجوّزه، منها روايات تؤيّد أنه (صلى الله عليه وآله) طاف في السماوات ورأى الأنبياء والعرش وسدرة المنتهى والجنة والنار ونحو ذلك.
القسم الثالث: ما يكون ظاهره مخالفاً لبعض الأصول إلا أنه يمكن تأويلها على وجه يوافق المعقول، فالأولى تأويله على وجه يوافق الحق والدليل، ومن ذلك روايات تصرح أنه (صلى الله عليه وآله) رأى قوما في الجنة يتنعمون فيها، وقوما في النار يعذبون فيها، فيحمل على أنه رأى صفتهم أو أسماءهم.
القسم الرابع: ما لا يصح ظاهره ولا يمكن تأويله إلا على التعسف البعيد فالأولى أن لا نقبله، كروايات تدل على أنه (صلى الله عليه وآله) كلم الله جهرة ورآه وقعد معه على سريره ونحو ذلك، مما يوجب ظاهره التشبيه، والله سبحانه متقدس عن ذلك، وكذا ما ورد من أنه شق بطنه وغسله، فمثل هذه الروايات لا يمكن تأويلها، ولا يصح ظاهرها؛ لأنه (صلى الله عليه وآله) كان طاهراً مطهراً من كل سوء وعيب.
قد ذكر هذا التقسيم كثيرٌ من الأعلام في كتبهم والمفسّرين في تفسير الآية الأولى من سورة الإسراء والآيات من السابعة إلى الثامنة عشرة من سورة النجم، إذ إنها تعد من الأصول القرآنية للمعراج وتحتاج إلى بحث مستقل في ذلك وليس محل كلامنا فعلا.
وانكشف لي بعد تتبع المصادر أن أوّل من قسّم روايات باب المعراج إلى هذه الأقسام الأربعة هو صاحب مجمع البيان الشيخ الطبرسي(1) رضوان الله تعالى عليه، ثم غيره من الأعلام نقل عنه، منهم العلامة المجلسي في بحار الأنوار(2)، والعلامة الطباطبائي في الميزان حيث بعدما نُقل هذا التقسيم علّق إذ قال: ((إن ما ذكر من هذا التقسيم صحيح وفي محله، ولكنه يرد عليه الاعتراض من باب أن أكثر ما أورده ليس إلا من باب التمثيل، أي تمثيل برزخي لا ضير فيه، وأحاديث الإسراء مملوءة من ذكر هذا النوع من التمثيل كتمثيل الدنيا في هيئة امرأة عليها من كل زينة الدنيا وتمثل دعوة اليهودية والنصرانية وما شاهده من أنواع النعيم والعذاب لأهل الجنة والنار وغير ذلك. ووقوع مثل هذه التمثيلات في ظواهر الكتاب والسنة مما لا سبيل إلى إنكاره قطعا))(3).
المحور الثاني:
بيان نماذج من الروايات الواردة في هذا الباب.
نستعرض فيما يأتي نماذج من روايات أهل البيت (عليهم السلام)، تبركاً وتعريفاً، مستندين إلى الأقسام الأربعة المذكورة في المحورالأول:
رواية القسم الأول: (يقطع بصحتها):
روي عن أمیر المؤمنین (عليه السلام) أنه قال: ((وَأَمَّا الرَّدُّ عَلَی مَنْ أَنْکَرَ الْمِعْرَاجَ فَقَوْلُهُ تَعَالَی وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلی، ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّی، فَكانَ قابَ قَوْسَیْنِ أَوْ أَدْنی، فَأَوْحی إِلی عَبْدِهِ ما أَوْحی إِلَی قَوْلِهِ عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوی فَسِدْرَةُ الْمُنْتَهَی فِی السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً یُعْبَدُونَ وَ إِنَّمَا أَمَرَ تَعَالَی رَسُولَهُ أَنْ یَسْأَلَ الرُّسُلَ فِی السَّمَاء))(4).
فإن هذه الرواية وروايات أُخر مثلها يجوّزها العقل ولا تأباها الأصول، فينبغي جوازها والعمل بها فيندرج في القسم الأول.
رواية من القسم الثاني: (يجوّزها العقل ولا تأباها الأصول):
في رواية طويلة مروية عن الإمام الصادق (عليه السلام): عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله قال فيها: ((قَالَ فَصعِدَ جَبْرَئِيلُ وَصَعِدْتُ مَعَهُ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَعَلَيْهَا مَلَكٌ يُقَالُ لهُ إِسْماعِیلُ وَهُوَ صّاحِبُ الْخَطْفَةِ الَّتِى قَالَ اللهُ عَرَّوَ جَلَّ إِلَا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فأتبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ وَ تَحْتَهُ سَبْعُونَ أَلَفَ مَلَك تَحْتَ كُلِّ مَلَكٍ، سَبْعُونَ أَلَفَ مَلَكٍ فقَّالَ يَا جَبْرَئِيلُ مَنْ هَذَا مَعَكَ فَقَّالَ مُحَمَّدٌ قَالَ وَقَدْ بُعِثَ قَالَ نَعَمْ فَفتَحَ الْبَابَ فَسَلَّمْتُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلي وَ اسْتَغْفَرْتُ لهُ وَاسْتَغْفرَ لي وَقَالَ مَرْحَباً بالأخِ الصَّالِحِ وَالنَّبىِّ الصَّالِحِ وَتَلَقَّتْنِى الْمَلائِكةُ.......)) إلى آخر الرواية(5).
رواية من القسم الثالث: (مخالفة لبعض الأصول ويمكن تأويلها):
وفي الأمالي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)حيث أُسري به لم يمرّ بخلق من خلق الله إلا رأى منه ما يحبّ من البشر واللّطف والسرور به، حتّى مرّ بخلق من خلق الله فلم يلتفت إليه ولم يقل له شيئاً فوجده قاطباً عابساً، فقال: يا جبرئيل... فمَن هذا؟ قال: هذا مالك خازن النار، هكذا خلقه ربّه، قال: فإنّي اُحبّ أن تطلب إليه أن يريني النار، فقال له جبرئيل (عليه السلام): إنّ هذا محمّد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد سألني أن أطلب إليك أن تريه النار، قال: فأخرج له عنقاً منها فرآها فلمّا أبصرها لم يكن ضاحكاً حتّى قبضه الله عزّ وجلّ...)(6)، وكذا روايات أُخر تبيّن ما رأى النبي (صلى الله عليه وآله) من قوم في الجنة وقوم في النار لأسباب معينة.
وهنا يُطرح سؤال: ذكر إن القسم الثالث هو مجموعة من الروايات التي تأباه بعض الأصول ولكن يمكن تأويل ذلك، فنسأل كيف يأباه الأصول، وكيف سيتم تأويلها؟
الجواب:
أولا: كيفية مخالفة ذلك لبعض الأصول: إنما تأبى مثل هذه الروايات بعض الأصول، لأننا نعلم أن القيامة لم تقمْ بَعْدُ، ولم يحصل للناس حسابٌ، ولم يُقْضَ بينهم، فكيف كان أولئك في النار وأولئك في الجنة، ولو كانت تلك الروايات تتكلم عن وعد أو وعيد، لكان الأمر واضحاً، ولكنها تتكلم عن وجود أولئك في النار وأولئك في الجنة وجوداً مُحَقّقًا، فما هو توجيه ذلك؟
نقول في الجواب عن ذلك:
هناك اختلاف بين العلماء في أنّ الجنّة والنّار هل هما مخلوقتان أم ليستا مخلوقتين، بل سوف يخلقهما الله يوم القيامة؟
والصحيح كما ذهب إليه جمهور المسلمين واتّفق عليه الإماميّة، أنّ الله تعالى قد خلق الجنّة والنّار سابقاً، والروايات المعتبرة المتواترة تدلّ على ذلك منها: في الحديث عن الهرويّ قال: ((قلت للرضا (عليه السلام): أخبرني عن الجنّة والنار أهما مخلوقتان؟ فقال: نعم، وأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد دخل الجنّة ورأى النار لمّا عرج به إلى السماء)(7) وهناك روايات أخرى ايضاً تصرح بذلك، نكتفي بذكر هذه الرواية فحسب.
وأيضاً يمكن تأويل ذلك بأن النبي (صلى الله عليه وآله) رأى أولئك في عالم البرزخ ولا خلاف في تحقق البرزخ، كما ذكر بعضهم.
روايات من القسم الرابع: (مخالفة للأصول ولا يمكن تأويلها)
أخرج الخطيب من طريق محمد بن سلیمان بن هشام، حدثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ((قال رسول الله(صلى الله عليه وآله)لما أسري بي إلى السماء، فصرت إلى السماء الرابعة سُقِطَ في حجري تفاحة، فأخذتها بيدي فانفلقت، فخرج منها حوراء تقهقه فقلت لها، تكلمي، لمن أنت؟ قالت: للمقتول شهيداً عثمان))(8).
وروى الطبري في تفسيره: ((حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغير بن الأخنس: إن معاوية بن أبي سفيان كان إذا سئل عن مسرى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: كانت رؤيا من الله تعالى صادقة))(9).
أما الرواية الأولى: فمن الواضح أنها ضعيفة سنداً ودلالةً، بل هي موضوعة كما صرّح به الأعلام، إذ قال الخطيب البغدادي بعدما نقلها: (هذا الحديث منكر بهذا الإسناد، وكل رجاله ثقات سوى محمد بن سلميان بن هشام). وكذا اتهمه الخطيب بالوضع، والذهبي بالكذب.
وأما الثانية: فهي ضعيفة دلالة وسنداً، فأما ضعفها من جهة الدلالة فلأننا نعتقد بالمعراج الروحاني والجسماني، ولم يكن مناما بل عروجه بروحه وجسمه، ويدل على ذلك أدلة عقلية ونقلية، وأما ضعفها من جهة السند فلأن توثيق معاوية بن أبي سفيان غير ثابت قطعا، لأنه يومئذ كان من المشركين لا يقبل خبره في مثل هذا، وكذا يعقوب بن عتبة فإنه لم يعاصر معاوية، وليس له سماع من الصحابة، بل كثير من رواياته من المتأخرين.
إن مثل هاتين الروايتين لا يصح الأخذ بها لضعفها دلالةً وسنداً، ومن هنا تندرج في القسم الرابع (مما لا يصح ظاهره ولا يقبل التأويل).
الخلاصة:
يستظهر مما بيّنا عدة نكات.
1- إن المعراج من أهم المباحث الإسلامية المتعلقة بالنبوة، فهو فرع عن التسليم بالنبوة ومعجزة من معجزات النبي (صلى الله عليه وآله) إذ هو أمر خارق للعادة وللقوانين الفيزيائية المعتادة.
2- وردت روايات كثيرة ومتنوعة في باب المعراج، وقد يتعارض بعضها مع بعضها الآخر، وينبغي على كل مسلم مطلع أن يفرّق بينها، ويميّز الصحيح من غيره.
3- ما ورد من الروايات من حيث إمكان الاعتماد عليها أو عدمه ينقسم على أربعة أقسام:
منها روايات صحيحة متواترة تؤكد حدوث المعراج، بوصفها معجزة مسلّمة للنبي (صلى الله عليه وآله) منها الرواية المذكورة عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، إذ تبيّن أصل وقوع المعراج، وما رأى النبي فيه.
منها ما تجوّزها العقول ولا تتعارض مع الأصول، ومن ذلك رواية الإمام الصادق (عليه السلام) عن صعود النبي(صلى الله عليه وآله) إلى السماء.
ومنها روايات ظاهرها مخالف للأصول إلا أنه يمكن تأويلها كروايات تصرّح بأن النبي (صلى الله عليه وآله) رأى قوما في الجنة وقوماً في النار.
ومنها روايات تخالف العقول والأصول بحيث لا يمكن تأويلها كروايات صرّحت بأن المعراج كان مناما، وروايات تدل على كلام الله جهرة، او رؤية النبي (صلى الله عليه وآله) للذات الإلهية، وهي روايات ضعيفة سندا ودلالة كما اشرنا.
وبذلك يتّضح المنهج الصحيح في التعامل مع روايات المعراج، القائم على الجمع بين الدليل النقلي والضوابط العقلية والأصول العقدية.
---------------------------
1.الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن: 4/ 209 - 215.
2.المجلسي، بحار الأنوار: 18/ 283 - 284.
3.الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن: 13/ 21 – 39.
4.المجلسي، بحار الأنوار: 18/ 291.
5.المجلسي، بحار الانوار: 18/330، تفسير القمي: 2/ 3.
6.المجلسي، بحار الانوار: 8/284.
7.المصدر نفسه: 8/283- 284.
8.الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: 5/ 297.
9.الطبري، تفسير الطبري: 17/ 350.