(فرقة الواقفة) من الفرق المنقرضة، والنقد العقدي لها في ضوء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)
هيئة التحرير
المصدر: مجلة الولاية – العدد 202 – الصفحة (32)
أولاً: التعريف التاريخي والنشأة
الواقفة فرقة منحرفة نشأت بعد شهادة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) سنة 183هـ، حيث توقّف جماعة من وكلائه وأتباعه على إمامته خطاً وأنكروا وفاته، أو قالوا بغيابه، وامتنعوا عن الإقرار بإمامة ولده الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام).
وقد أشار إلى هذه الفرقة الضالة عدد من علماء الفرق، منهم النوبختي في كتابه فرق الشيعة، وكذلك سعد بن عبد الله الأشعري القمي في المقالات والفرق، وقد ارتبطت نشأة هذه الفرقة - بحسب المصادر الإمامية- بدوافع مالية لدى بعض الوكلاء الذين كانت بأيديهم أموال الخمس والزكوات، فكان القول بغيبة الإمام الكاظم(عليه السلام) مخرجًا من تسليم الأموال إلى الإمام الرضا (عليه السلام).
ثانيًا: أصولهم العقدية
يمكن تلخيص الأسس العقدية للواقفة في ثلاثة أصول هي:
1. إنكار وفاة الإمام الكاظم (عليه السلام)، والقول بأنه حيّ لم يمت.
2. القول بكونه المهدي المنتظر، وأنه غاب وسيظهر.
3. التوقّف في الإمامة بعده وعدم الإقرار بإمامة الرضا (عليه السلام).
وهذه الأصول قد تمثل خللاً في بنية نظرية الإمامة من جهتين، الأولى: جهة النصّ والتعيين، والأخرى جهة استمرارية الحجة الإلهية في كل زمان.
ثالثًا: النقد العقدي لأصول الواقفة
1. مناقضة أصل النصّ والتعيين
الإمامة في المنظور الإمامي ليست اختيارًا بشريًا، بل هي منصب إلهي بالنصّ، فإذا ثبت بالنصوص الصريحة إمامة الرضا (عليه السلام)- وقد رويت نصوص متعددة في تعيينه - فإن الوقف عند الكاظم (عليه السلام) يمثل ردًّا للنص، والردّ على النص الإلهي يخرج عن مقتضى التسليم لأصل الإمامة، إذن الإشكال ليس تاريخيًا، بل هو إشكال في مفهوم الحجية: هل الإمام يُعرف بالنص أم بالهوى والظنّ؟
2. اضطراب مفهوم الغيبة عندهم
الواقفة قالوا بغيبة الكاظم (عليه السلام)، لكنهم لم يؤسسوا لذلك ضمن بنية عقائدية متكاملة، كما هو الحال في نظرية الغيبة الكبرى عند الإمامية في الإمام المهدي (عليه السلام)، فنظرية الغيبة في الفكر الإمامي - كما بسطها لاحقًا الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة- قائمة على نصوص سابقة، وتمهيد من قِبل النبي والآل(عليهم السلام)، وضرورات حفظ الحجة، أما الوقف على الإمام الكاظم (عليه السلام) فلم يستند إلى منظومة نصوص متكاملة، بل إلى تأويلات جزئية، مع وجود شواهد قطعية على وفاته، حتى أن السلطة العباسية عرضت جسده (عليه السلام) علنًا لقطع دعوى الغيبة، فدعواهم في الغيبة تفتقر إلى النصّ السابق الممهِّد، والحكمة العقدية المتماسكة، والانسجام مع قاعدة استمرار الإمامة بالنص المتسلسل.
3. الإخلال بقاعدة «لا تخلو الأرض من حجة»
من الأصول الكلامية الإمامية أن الأرض لا تخلو من حجة لله تعالى، وهو أصل قرره المتكلمون، ووردت فيه نصوص كثيرة، فإذا قيل إن الإمام الكاظم (عليه السلام) حيّ غائب، مع عدم قيامه بوظيفة البيان والهداية الظاهرة، وعدم وجود سفارة أو نظام ارتباط بالأمة، فإن ذلك يؤدي إلى تعطيل وظيفة الإمامة، بينما الإمامة ليست مجرد وجود شخصي، بل وظيفة هداية وتدبير إلهي.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين غيبة المهدي (عليه السلام)- التي اقترنت بنظام النيابة الخاصة ثم العامة - وبين دعوى الواقفة التي لم تنتج نظامًا معرفيًا ولا مؤسسيًا.
رابعًا: البعدان الاجتماعي والسياسي للانحراف
التحليل العقدي لا يكتمل من دون قراءة البعد الدنيوي؛ إذ تشير المصادر إلى أن البعد المالي كان مؤثرًا في تكوين هذه الفرقة، وهذا يكشف عن قاعدة مهمة في علم الكلام الإمامي: الانحراف العقدي قد ينشأ أحيانًا من دوافع غير عقدية، ثم يُلبس لبوس النظرية، ومن هنا، فإن دراسة الواقفة لا تُقرأ فقط كخطأ تأويلي، بل كأنموذج لتحوّل المصلحة إلى مذهب.
الخاتمة
فرقة الواقفة تمثل انحرافًا عن نظرية الإمامة في ثلاثة محاور: ردّ النصّ المتسلسل، واضطراب مفهوم الغيبة، والإخلال بوظيفة الحجة في الأمة.
وقد انحسرت هذه الفرقة تدريجيًا بعد ظهور المعجزات والكرامات والنصوص الدالة على إمامة الرضا (عليه السلام)، حتى عدّها علماء الإمامية من الفرق المنقرضة، ودراسة هذه التجربة تبيّن أن الإمامة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ليست مجرد ولاء عاطفي، بل منظومة عقدية محكمة تقوم على النص، والعصمة، واستمرارية الحجة، والوظيفة الإلهية المتصلة بحفظ الدين.