100%
قُرَّة الأَعين

الحجاب وقضايا المرأة المعاصرة نهج الصديقـة السيدة فاطمة الزهـراء (عليها السلام) _مثالاً_

م.م رقية حيدر طاهر القاضي

جامعة الكوفة / كلية العلوم السياسية

 

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 196 – الصفحة (68)

 

 

دخلت المرأة المسلمة المحجبة في كثير من الميادين والحقول، واستطاعت التغلب على كثير من الصعاب التي واجهتها في مسيرتها تلك، وقد ساعدها على تذليل تلك العقبات إيمانها بعفتها وحجابها؛ ذلك اللباس الرصين الذي أخفى معالم زينتها ولم يظهرها إلا كإنسانة مميزة فاعلة، لها كيانها ووجودها ودورها في المجتمع الذي تعيش فيه، وقد تطرح بعض الإشكالات في مواجهة المشروع الإسلامي للنهوض بالمرأة في هذا العصر ومن هذه الإشكالات: إن الحجاب لم يعد له حاجة في هذا العصر، ولربما شكّل عائقاً في حركة التطور والتنمية لدى المرأة، فضرورات الواقع الجديد قد تفرض الاستغناء عنه وإلغاءه، وإعطاء المرأة حق التحرّر منه، وفي هذا المضمون لنا أن نتساءل: هل شكل الحجاب فعلاً مانعاً من التقدم في عمل المرأة المسلمة المحجبة؟

 

في إطار الإجابة نقول: من استطاع أن يحدّد العمل السليم لينطلق منه إلى المجتمع لا يمكن أن يواجهه مانع يوقفه عن الاستمرار؛ لأن المقدمات السليمة تنتج نتائج سليمة وصحيحة، وعليه فلا يمكن أن يكون الحجاب مانعاً عن التقدم والانطلاقة في الحياة العملية والعلمية وغيرها، بل لو دققنا في الواقع الجوهري لكل فتاة نرى أن الحجاب هو المحفز القوي لنجاح الحركة التكاملية لديها، فهو السلاح القوي الذي يدافع عن المرأة ويحافظ على أنوثتها، لتبقى إنسانة لها كرامة.

إذ إن الحجاب هو سلاح الإنسانية الأمضى في يد المرأة، به تقتحم مجالات العمل الإنساني عبر إدراكها وعقلها وإنسانيتها، ولربما يكون السؤال الموجه من قبل بعض المشككين والمروّجين للشبهات في بعض جوانبه ليس دقيقاً وبعيدًا كل البعد عن الصواب، على اعتبار أن المرأة المحجبة حين تعمل فإنها تتخير عملاً يناسبها ويناسب حجابها، فمن غير الطبيعي أن تُسأل محجبة إذا كان الحجاب يعيقها في عملها، لأننا دائماً نجدها تعمل في مهنة محترمة وسامية، ونجد عملها راقياً ومحمـوداً.

فالحجاب لا يمكن أن يلغي دور المرأة، وهو أبداً لا يمثل مانعاً من تقدمها في الدراسة والعمل، فإذا كان الحجاب هو الرمز الأول للاقتداء بالسيدة الزهراء (عليها السلام)، ولم يمنعها بأن تصل إلى الدرجات الرفيعة، فمن نحن وما هي درجة وصولنا حتى يمنعنا الحجاب عن الوصول إلى مقاصدنا؟!

على العكس، فالحجاب هو الدافع والحافز الأقوى للوصول والتقدم في طلب العلم، ومن خلال محاربة الغرب للحجاب نفهم بأنه رمز التقدم والحضارة، وإلا لماذا هذا الإصرار القوي على محاربته؟ فكل ما يحاربه الغرب يعني أنه يعيق حركته، فليست هي حرباً حول الحجاب بين شرق وغرب، بل هي حرب بين الحق والباطل.

   وهذه الجهة لا تحارب فقط الحجاب، بل هي تهدف لمحاربة نهجٍ بكامله، ولكن لا شك في أن الحجاب هو أوضح رمز للارتباط بذلك النهج؛ لأنّه هو المظهر الخارجي، أي المظهر المرئي، وبذلك يُذكر كل من يصادفه بأن هناك حالا ما أو عقيدة ثابتة ما تزال موجودة، وهذا الإنسان يعلن ارتباطه بها.

   وفي أبجديات الفكر الشيعي تقدم على مستوى المرأة المسلمة متمثلة بالسيدة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، کونها سيدة النساء لكل العالمين، وما يحويه هذا التوصيف من تأسيسات مهمة تتشكل منها مرجعية للمرأة في نظم السيادة في كل زمان ومكان(1)، إذ إنّ السيدة الزهراء(عليها السلام) هي قدوة وأسوة للمرأة المسلمة في العصور الغابرة وإلى يومنا هذا، والمرأة المسلمة في عصرنا مدعوّة للمشاركة الفعالة والحقيقية، في سوح الحياة المختلفة، وفي مجالاتها و تخصصاتها وفروعها كافة، إذ إنّ المرأة لها صوت مسموع، وليس هناك دليلٌ في ديننا الحنيف يجيز إلغاء صوتها، فالمرأة تمثّل كفاءة علمية و عملية و سياسية و إدارية(2)، ولكن يواجه هذا الأمر إشكالية تتحرّك وتعرض في الساحة المعاصرة إذ تقول هذه الإشكالية:

"إن السيدة الزهراء (عليها السلام) هي مثال وقدوة للنساء في زمانها، أي مثال تمثّل على وفق ضرورات مرحلة تاريخية قد انتهت، والمرأة المسلمة في العصر الحاضر يجب أن تعيد تشكّلها وفق ضرورات المرحلة الراهنة؟"

يمكن الرد على هذه الإشكالية بالقول: إننا لا نشكّ أنّ متغيراتٍ كبيرةً حدثت، وأن هناك حاجاتٍ قد تجدّدت، وأن حركة الواقع في حال تبدّل مستمر، وأنّ المرأة في هذا العصر لها ضروراتها التي تفرضها مكوّنات المرحلة والواقع الجديد، ولا نشك أيضًا في أن أية محاولة لإلغاء خصوصيات العصر ومنتجات المرحلة ستؤزم العلاقة بين المرأة وكلّ المؤثرات المتحركة حولها، وتأسيساً على هذه الرؤية فإنّ المشروع الإسلامي لبناء الإنسان في هذا العصر يجب أن يضع في حساباته كلّ المتغيرات والمستجدات، والحاجات والضرورات حتى لا يفقد قدرته على الإنتاج والصوغ والبناء، فضلاً عن ذلك إذا كان الزمان في حركته وتغيراته ينتج حاجات وضرورات جديدة، فإنّ هناك في مكوّنات النفس البشرية حاجات وضرورات ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، فالعقيدة الإيمانية ضرورة وحاجة دائمة ومستمرة، وهي ليست نتاج مرحلة من التاريخ، لتنتهي بانتهاء تلك المرحلة، بل هي جزء من كينونة النفس البشرية، لذا فإن السيدة الزهراء(عليها السلام) "قدوةً ومثالاً لكل الأجيال - تملك المستوى الأرقى من المكوّنات التي تشكّل الحاجة والضرورة لبناء المرأة في كلّ عصر، فإن أخلاقها ومعارفها اللدنّية من الباري تعالى (سلام الله عليها) قد تشكّلت على وفق ضرورات الإسلام التي تمثل حاجة متحركة في كلّ زمان و في كلِّ مكان(3) ولم تتشكّل على وفق ضرورات تاريخية جامدة، وهكذا تبقى السيدة الزهراء (عليها السلام) مثالاً صالحاً للتحرك قادراً على أن يقود مشروع النهوض بالمرأة في كلِّ عصر إن أريد لهذا المشروع أن يحافظ على الهوية الإيمانية والأصالة الإسلامية، فالانفتاح على حركة الواقع في متغيراته ومستجداته وضروراته لا يعني هذا الاستسلام لضغوطه ومؤثراته على حساب الثوابت وعلى حساب الهوية والأصالة، بل يجب أن يكون المشروع النهضوي الإسلامي هو حركة الواقع المتغير والتجدّد ليصوغ حاجاته وضروراته وفق رؤية الدين وفقه الشريعة، وقد صممت هذه الرؤية لتكون قادرة على استيعاب كلّ المتغيرات والمستجدات في خط الزمان والمكان، في هذا الصدد يقول الشيخ الشهيد مرتضى المطهري: ((إنّ هذه القسوة والظلامات ما هي إلا نتيجة للتصورات التي يحملها بعض الناس، ويحمّلونها للدين، وهي أكثر ضرراً بالإسلام من الدعاية التي يمارسها الغرب))(4)، و بناءً على ذلك ينبغي السعي إلى تشكيل المؤسسات التي تهدف إلى تثقيف المرأة المسلمة والنهوض بواقعها، ولكن نهضةً إسلاميةً لا على غرار النهضة الغربية السوداء، إذ إنّ استهداف فكر المرأة وقضاياها لاسيما الحجاب هو جزء، بل من أهم أجزاء الاستهداف الكبير الذي يتعرض له الدين الإسلامي والمسلمون، لذلك ينبغي فتح آفاق البحث العلمي الرصين حول الشخصيات المؤثرة في التراث الإسلامي؛ لقراءة ذلك بمنهج فكري ومعرفي ذي تأثير واقعي، تتبناه المؤسسة الفكرية والعلمية التربوية، إذ إنّ النظرة الكلية غير المجزأة تعطي رؤية أبعد مما نتصور في تفكيك الحدث التاريخي ونقله كأحداث وقعت لا فائدة من الارتباط والاتصال بذلك الحدث ولا فعالية مؤثرة في ديمومته، لذلك ينبغي أن ندرس تراث السيدة الزهراء(عليها السلام) وسيرتها والاقتداء بها كوقائع مستمرة تقع في الأزمنة والأمكنة اللاحقة، ولمعالجة الأهداف والأغراض والمقاصد من التصدي الحضاري كمفاهيم ليست هي وليدة عصرها وتنتهي، بل هي أصول معرفية في حوزة الفكر الإسلامي النابع من منابع القيم التأسيسية الأولى، ففي جانب البعد الوظيفي للمرأة المحجبة وحقها في العمل مثلاً حيث كان محور العمل للمرأة من المحاور المثيرة للجدل، فقد وصل الأمر ببعض التيارات الفكرية المتشددة إلى تحريم العمل على المرأة، وما تزال كثير من المجتمعات تنظر لهذه المسألة بعين الحذر، إذ إن المفاهيم الإسلامية صريحة في التأكيد على حق المرأة في ممارسة عملها، ولكن ضمن حدود محافظة المرأة على عفافها بعدم الاختلاط من أجل صيانة المجتمع وسلامته، ولا ينبغي إلغاء دور المرأة في العمل الوظيفي إلا إذا تقاطع مع سائر أدوارها الأخرى، التي رسمها الشارع المقدس لها، فمن المهم أن تسير حركة المجتمع في سياق متوازن بين الحقوق والواجبات(5)، وهذا أمر تجب رعايته في جميع المجالات سواء للمرأة أو الرجل، فإذا رجعنا إلى السيرة العطرة لمولاتنا الصديقة وأدوارها في الحياة نجد أن السيدة الزهراء (عليها السلام) كانت حاضرة في كل الميادين والنشاطات المتعدّدة، وفي الأسرة والمجتمع، إلّا أنّ حضورها كان ممنهجًا بترتيب الأولويات التكليفية والمستحبة(6) سيما عدم الاختلاط، وبما أنّ للقدوة أثرًا أساسيًا في صناعة شخصية المرأة، وفي أحيان كثيرة تسهم في رسم مجموعة الأهداف، وتحدّد الخطوط العامة للمنهجية والوسائل المتّبعة للوصول لها.. فلا بد للإنسان والمرأة خصوصاً من ميزان تزن حقوقها وواجباتها ومسؤولياتها عليه، ولا بد من محور قوي تعتمد عليه بدلاً عن التقليد الغربي الذي تحوّل إلى صنم يدور حوله كثير من النساء اليوم، إذ في خضم الحرب الناعمة التي نعيشها والغزو الثقافي والفكري الذي يحيط بنا من كل جانب، الذي يهدف إلى سلب الهوية بشكل عام وللمرأة بشكل خاص، سيما الحرب الفكرية الموجهة نحو الحجاب، والمرأة المسلمة المحجبة وزرع ثقافات جديدة لا تمت إلى ثقافتنا الإسلامية بأية صلة والدور الإعلامي الفاضح و تأثيره في نشر هذا الغزو، الذي أنتج عدم الانتماء والضياع وسلب الهوية وطمس إنسانيتها وعقلها وجعلها سلعة رخيصة، وهذا الأمر يتطلب منا أن نخطو خطوتين، الخطوة الأولى هي: صناعة النموذج الإعلامي الناجح المضاد للإعلام الفاضح، والخطوة الثانية: سلاح الكلمة الذي يُعدُّ أخطر سلاح في العالم، فبالكلمة تطالب المرأة بحقوقها، وبالكلمة تصنع مكانتها الحقيقية في المجتمع، وتمارس حريتها الحقيقية التي رسمها لها الإسلام، وليست تلك الحرية المزيّفة المستوردة، وذلك لا يكون إلاّ عبر الاقتـــداء بالمثـــال الفاطمي، فالسيدة الزهـــراء (عليها السلام) بوصفها امرأة فاعلة في المجتمع حدّدت وظائف المرأة المسلمة وموقعها بكل اقتدار، وأسهمت في إثراء الساحة النسائيّة بالحضور في ميادينها المختلفة، التي تنسجم مع النّساء وتتناسب مع نظرة الإسلام لهن، إذ إنها(عليها السلام) مشروعٌ متكامل لما تحتاجه المرأة في كلّ مراحل الحياة ومنعطفاتها، بل لو قلنا: إنّها(عليها السلام) مشروعٌ متكاملٌ لكلّ البشريّة لما جافينا الحقيقة وجانبنا الواقع(7)، فعند الرجوع الى إرثها الطاهر نرى الزهراء(سلام الله عليها) توجه نظرة المرأة المؤمنة نحو النظرة الإيجابية والرؤية المستقبلية، التي ترفع من مكانتها وتنهض بواقعها إلى أرقى مراتب التكامل المادي والمعنوي والروحي، فلا شك في أن أعظم دورٍ وأفضل نشاط تقوم به المرأة بحيث ينسجم وطبيعتها التكوينية والنفسية والمعرفية والفكرية والروحية، هو في كونها تمثل مركز انسجام الأسرة، وليس خافياً تأثير الأم في أولادها من حيث التربية والرعاية العاطفية والتنمية الإنسانية، ما يحمّل المرأة ضرورة الوعي بموقعها ومكانتها تجاه أسرتها، والنهوض بمستواها المعرفي والثقافي والفكري.

ختاماً يمكننا القول:

لا يمكن لأي شخص أن يكتب عن شخصية جمعت خصال العلم والعصمة ويتجاوز شخصية السيدة الزهراء (عليها السلام) إذ لا يمكن أن نستوعب عظمة تلك السيدة، ولا يمكن أن ندرك الدور العظيم الذي اضطلعت به في حياة أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفيما بعد مع بعلها أمير المؤمنين (عليها السلام)، إذ تعددت مضامينها وتشعبت بين إدارة البيت النبوي وصولاً إلى المساهمة في الحفاظ على كيان الدولة الإسلامية وجوهرها، إلّا عبر الغوص في حياة هذه السيـدة الطاهـرة (عليها السلام).

 

 

ــــــــــــــــ

1. علي موسى الكعبي، سيدة النساء فاطمة الزهراء: 72.

2. نبيل فياض، حوارات في قضايا المرأة والتراث والحرية:69.

3. الشيخ حسين ظاهري، أخلاقيات العلاقة الزوجية: 171.

4. الشهيد مرتضى، مطهَّري، مسألة الحجاب: 83 .

5. الشهيد مرتضى مطهَّري: 95.

6. ابراهيم الموسوي، فاطمة الزهراء ودورها في الاصلاح الاجتماعي:82.

7. باقر شريف القرشي، نظام الأسرة في الإسلام، (بيروت: دار الأضواء، 1992): 27.