100%
قُرَّة الأَعين

الذاكرة الوجدانية للطفولة ودورها في تشكيل العلاقة بالدين

الباحث: حيدر مواش

النجف الأشرف

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 202 – الصفحة (67)

 

 

تعد الطفولة المرحلة التي تتكون فيها البنية الشعورية الأولى للدين، أي أن الدين يُحس قبل أن يفهم، لذا تُعد الطفولة المرحلة الأساسية التي تتشكل فيها الصورة الوجدانية للدين، لا منظومته المعرفية، وذلك عبر الخبرات الأسرية المبكرة، مما يجعل العلاقة بالدين لاحقاً متأثرة بطبيعة الخبرات أكثر من مضمون التعليم الديني ذاته.

 

تسهم الخبرات الوجدانية المبكرة داخل الأسرة في زرع حالة روحية تتشكل عن طريقها علاقة الفرد بالدين لاحقاً؛ لأن الطفل في بداياته يتلقى الدين بوصفه حالة شعورية مرتبطة بسلوكيات وأفعال أسرته، ما يجعل هذا الشعور حاضراً في مواقفه اليومية عبر سلوك الوالدين، ونبرة الخطاب، وأسلوب الثواب والعقاب، ما يُنتج ارتباطاً وجدانياً وثيقاً، يُخزن في الذاكرة الوجدانية، ومن ثمّ يتحول إلى مرجعية نفسية تسهل من الاستجابة للدين لاحقاً.

 

الذاكرة الوجدانية.

تُعدّ الذاكرة الوجدانية المحرك الخفي للسلوك الإنساني، فهي التي تحفظ الخبرات العاطفية، وتربطها بالمواقف العملية، فتؤثر في طريقة التفكير واتخاذ القرار والتفاعل مع المحيط، فهي لا تحفظ الأحداث بوصفها أرقاماً أو حقائق، بل بوصفها شحنات عاطفية، تلون رؤية الفرد للعالم، وفي المجال الديني تؤدي هذه الذاكرة دوراً محورياً في ترسيخ القيم والممارسات، إذ تتحول التجارب الشعورية المبكرة، ومنها الخوف والطمأنينة أو الحب والرحمة، إلى أساس ثابت، يوجه السلوك الديني لاحقاً ويمنحه طابعاً شخصياً، وليس مجرد معرفة نظرية.

وللذاكرة الوجدانية قدرة على تخزين الخبرات الشعورية والانفعالية المبكرة، التي يمر بها الإنسان في الطفولة سواء من داخل أسرته أم من خارجها، بحيث تصبح هذه الخبرات جزءاً من تكوين شخصيته واتجاهاته النفسية لاحقاً (1)، وتتشكل هذه الخبرات وتبقى راسخة في ذهنه، حيث تؤثر في شخصيته لاحقاً، كالاحتضان والحنان المتكرر، الذي يزرع فيه مشاعر الأمان والثقة بالآخرين، أو التوبيخ القاسي والسخرية اللذين قد يجعلان منه شخصية مفرطة في الخجل أو الخوف.

كما أن هذه الذاكرة تكون أقوى في مرحلة الطفولة المبكرة، إذ تكون الأسرة والبيئة والمحيط بالطفل هي العامل الأكثر تأثيراً في ترسيخ الخبرات الشعورية والانفعالية، هذا النقش المبكر هو ما يؤسس لبناء الشخصية(2)، كالمدح المتوازن عند الإنجاز، إذ يشجع الطفل عند النجاح، مما يعزز لديه الثقة بالنفس، فتكبر معه وتكون جزءاً من شخصيته.

ويُلحظ أن التربية الدينية والأخلاقية المبكرة تترك أثراً وجدانياً دائماً في شخصية الطفل، ويصبح هذا الأثر المرجعية الداخلية التي يفسر بها التجارب القادمة ويتفاعل معها (3)، فتشكل هذه المرجعية إطاراً للسلوك، إذ يعتمد الطفل عليها في اتخاذ قرارته وفهم محيطه الاجتماعي والديني، فضلاً عن أنها تساعده في التمييز بين الصواب والخطأ، وتحكم ردود فعله إزاء المواقف المختلفة، ومع مرور الزمن، تصبح هذه الخبرات المبكرة قاعدة صلبة لتوجيه التفكير والمشاعر والاتزان النفسي.

وتشير الدراسات النفسية إلى أن تجربة الدين الأولى تستقبل شعورياً، وغالباً ترتبط بمشاعر الأمان أو الخوف أو التناقض، قبل أن تتحول إلى فهم معرفي واعِ(4)، وهذه التجارب الدينية المبكرة تعد العامل الأساسي في تكوين الشخصية مستقبلاً، بما تركه الأثر الوجداني تجاه الدين سابقاً.

وانطلاقاً من هذا الفهم، تعد الأسرة بوصفها إطاراً دينياً وأخلاقياً المؤثر الأساسي، الذي تتشكل فيه الذاكرة الوجدانية للطفل، ما يجعلها عاملاً حاسماً في تحديد العلاقة بالدين في المراحل اللاحقة.

 

الأسرة بوصفها المجال الأول لتشكل التجربة الدينية:

تعتبر الأسرة البيئة الأساسية التي يمر الطفل عبرها بعدد من التجارب المبكرة، التي تؤدي دوراً حاسماً في تشكيل شخصيته واتجاهاته نحو الدين. وعن طريقها يختبر الطفل الأحداث والمواقف، ويبرز البعد الوجداني لهذه الخبرات كأحد أهم العوامل التي تحدد طبيعة علاقته بالدين في مراحل لاحقة، وتمثل الأسرة -أيضاً- عنصراً بالغ الأهمية لدراسة العلاقة بين التربية الأسرية والدين، لاسيما في المجتمعات المحافظة التي تسعى لصقل شخصية الطفل منذ الصغر على وفق المبادئ الدينية الأخلاقية.

صورة الأب التي يحملها الطفل سواء كانت صورة إيجابية مليئة بالحب والاهتمام أم صورة صارمة ومخيفة، تؤثر في كيفية فهمه لمفهوم الله والعبادة، وأن هناك فرقاً جوهرياً بين طفل يمتنع عن الكذب أو السرقة خوفاً من عصا أبيه أو عقاب أسرته، وبين طفل يمتنع عن ذلك؛ لأن روحه ترفض هذا الفعل وتستقبحه، في الحالة الأولى، بمجرد أن يغيب الأب أو يأمن الطفل العقاب، فإنه قد يقدم على الخطأ لأن الرادع خارجي(5).

أما التربية الحقيقة، فهي التي تسعى لتحويل " الخوف من الأب " إلى " الخوف من الذنب " فالطفل الذي تربى على إحياء وجدانه يشعر بضغط داخلي وتأنيب للضمير عند ارتكاب الخطأ، وهذا هو الرقيب الذي لا يغيب أبداً(6).

فضلاً عن أن التجربة الدينية في جوهرها ليست إلا استمرارية للعلاقة بين الطفل وأبيه، إن الطفل الذي يواجه أخطار الحياة يشعر بالحاجة إلى حماية، وهذه الحماية يجدها في الأب، وعندما يكبر الإنسان ويدرك أن الأخطار ما تزال قائمة، فإنه لا يتخلى عن صورة الأب، بل يضفي عليها صفات اللانهائية ويخلق منها إلهاً. ومن هنا، فإن نبرة الخطاب الأبوي وما يحيط بها من خوف من العقاب أو طمأنينة في كنف الرعاية، هي التي ترسم الملامح الأولى لعلاقة الإنسان بالخالق(7).

وفي السياق نفسه فإن الطفل يمتص مفاهيمه الأولى عن الكون والحياة من سلوك والديه، فالأب هو الممثل الأول للقوة والعدل في نظر الصغير، فإذا كانت نبرة الخطاب في المنزل مشحونة بالغلظة والقسوة، فإن الطفل سيربط بين مفهوم (الرب) وبين مفهوم (الجبار المنتقم) فحسب، مما يولد عنده تديناً مريضاً قائماً على الخوف والرهبة، أما إذا كانت الأسرة مجالاً يبث الطمأنينة والرحمة، فإن الفطرة الدينية تنمو بسلام، ويرى الطفل في الله ملاذاً آمناً وحباً مطلقاً، لأن صورة الأب في ذهنه كانت تمثل ذلك الملاذ(8).

وضمن الإطار نفسه، تعد الأسرة هي الرحم النفسي الذي تولد فيه التجربة الإنسان الروحية، إن كل كلمة ينطق بها الأب، وكل نبرة خطاب هادئة أو غاضبة، تُسهم في بناء تمثل ذهني داخلي للخالق، فالمشاعر التي يعيشها الطفل في كنف أسرته من خوف أو طمأنينة ليست مجرد انفعالات عابرة، بل هي حجر الزاوية في كيفية فهمه للنصوص الدينية لاحقاً، فالإنسان يبحث في الدين عما اختبره في طفولته داخل بيته(9)، ومن هنا تتجلى أهمية المناخ العاطفي للأسرة في توجيه البوصلة الروحية للطفل منذ سنواته الأولى، فالخطاب الديني الموجه إلى الطفل، سواء من والديه أم من مصدر خارجي، الذي يقدم بروح الرحمة و التسامح، يغرس صورة إيجابية مفعمة بالإيمان، أما الخطاب القائم على التخويف و التهديد المستمر فيربط الدين بمشاعر القلق، ومع مرور الزمن تتحول هذه الخبرات إلى مرآة ممثلة لشخصية الإنسان لاحقاً، يرى عبرها ما تلقفه من هذا الخطاب، لذا فإن التربية الأسرية الواعية تسهم في بناء تجربة روحية ناضجة مبنية على الفهم و الطمأنينة.

ومن ثَمّ فإن صورة الأسرة ونبرة خطابها وطبيعتها النفسية تشكل الصورة الأولى في ذهن الطفل، وتنمو تدريجياً مع تطوره، هذه الصورة تؤدي دوراً أساسياً في تكوين شخصيته وتشكل نظرته تجاه الدين والخالق لاحقاً.

 

الطقوس الدينية (من الشعور إلى الممارسة):

بعد أن تتشكل الصورة الأولى للعلاقة بالدين في ذهن الطفل منذ نعومة أظافره، بما تتضمنه من ثنائية الخوف والطمأنينة، والرحمة، ومفاهيم الثواب والعقاب، تبدأ الممارسات الدينية بتحويل الخبرة الوجدانية المتراكمة (الذاكرة الوجدانية) إلى سلوك حي ملموس، إذ يختبرها عبر الصلاة والدعاء والطقوس الجماعية، فينتقل الدين من خطاب نظري إلى ممارسة يومية محسوسة، ترسخ الصورة الأولى وتعيد تشكيلها مع كل تجربة، وهكذا تتوثق العلاقة بالدين بوصفها خبرة تطبيقية، لا مجرد فكرة موروثة.

وإن هذه الرحلة التحويلية التي تنتقل فيها العقيدة من مجرد عاطفة أو إيمان قلبي (شعور) إلى أفعال حركية منتظمة (ممارسة)، تمنح المعنى للهوية الفردية والجماعة.

وتعد العبادات والطقوس قوالب للحقائق الغيبية، فالممارسات البدنية كـ(السجود) هي تنزيل للمعنى القلبي (الخضوع) من عالم التجريد إلى عالم المادة، وبدون هذا التجسيد يظل الشعور طاقة معطلة لا تبلغ كمالها الإنساني(10)، فتتحول المعاني الإيمانية عبر التكرار العملي إلى خبرة معيشة، تعيد تشكيل الوجدان والسلوك اليومي.

وفي السياق نفسه، تعد الشعائر الوعاء الذي يصب فيه الموالون عواطفهم الجياشة تجاه الحق، فالدمعة واللطم والموكب هي ممارسات تهدف إلى تخليد الشعور بالمظلومية والعدالة، وبذلك يتحول الانفعال النفسي إلى فعل تاريخي مقاوم(11)، وعبر تلك المشاعر التي تشكلت سابقاً وتحولت إلى فعل وممارسات تصبح الشعائر أو الطقوس جسراً بين الباطن والظاهر.

ومن منظور آخر، أن الطقوس ليست مجرد تعبير عن المشاعر الدينية بصورة حركية، بل هي الآلية التي يتم عن طريقها تجديد الجماعة لذاتها، فمن الطقس يتحول الشعور الفردي بالقداسة إلى قوة اجتماعية أخلاقية، تلزم الأفراد بقيم مشتركة(12)، لذا فأن الطقس يمثل الجسر بين الشعور والممارسة، فبدون البعد الوجداني تتحول الممارسة إلى فعل آلي فارغ من المعنى. ومن هنا يؤدي الشعور الوجداني دوراً محورياً في تحريك السلوك الإنساني وتفعيله.

 

الرموز والسرديات الدينية (من الطقس إلى المعنى):

بعد أن يختبر الطفل الطقوس الدينية ويعيشها وجدانياً وعملياً، تبدأ مرحلة إدراك المعنى من وراء هذه الممارسات، هنا يأتي دور الرموز الدينية والسرديات المقدسة التي تربط بين الفعل والمفهوم، فهي تمنح الطقس دلالته من ممارسة إلى تجربة ذات معنى دلالتها، عن طريق القصص الدينية والرموز، حيث يفهم الطفل قيم الرحمة والعدل والشهادة، ويبدأ تشكيل "مخيال ديني" يعزز العلاقة بالدين على مستوى الفكري والوجداني معاً.

إن العبادات في مرحلة الصبا ليست مجرد تكاليف صورية، بل هي ترويض للمشاعر؛ لكي تأنس بالحق، فالممارسات المتكررة للطقس تزرع في وجدان الطفل بذور المعنى، بحيث إذا كبر وجد أن دينه ليس فكراً مجرداً، بل هو جزء من نسيجه الشعوري وذاكرته العميقة(13).

وإذا كان الرمز يمثل لغة التواصل الأعمق مع اللاوعي البشري، فإن القراءات النفسية التحليلية ترى فيه أداة جوهرية لصياغة الهوية الروحية، فالرموز الدينية ليست مجرد علامات اصطلاحية عابرة، بل هي لغة تسمح للطفل بالاتصال بالحقائق الكلية، وإن الرمز يعمل هنا كـ(محول للطاقة النفسية)، حيث يتولى تهذيب المشاعر الخام وتحويلها إلى قيم روحية ومنظومة أخلاقية متماسكة، وبدون هذه الوساطة الرمزية يظل العالم الروحي للناشئ مشتتاً ومفتقراً للبوصلة التي توجه انفعالاته(14).

بيد أن هذا الرمز لا يكتسب فاعليته الكبرى في الوجدان إلا إذا أطّر داخل "سردية "، تمنحه الحيوية والقدرة على التجدد التاريخي، وإن السرديات المقدسة لا تكتفي بتقديم الرمز كمفهوم نظري، بل كحدث إنساني شاخص وموقف أخلاقي ممتد، وهي بذلك تحول القيم من مصطلحات فلسفية جافة إلى نماذج حية، تتجسد فيها معاني العدل والتضحية والشجاعة، فهذه الرموز والسرديات هي التي تنقل العقيدة من حيز "الذهن" إلى حيز "الحركة"، وهي التي تجعل المعنى يفيض على الطقس المادي فيمنحه ديمومته وأثره الباقي في الشخصية(15).

وبذلك، يلتقي البعد النفسي مع البعد الحركي عند حقيقة مفادها: أن الرمز يجمع شتات النفس ويحميها من التبعثر، بينما تمنح السردية هذه الروح اتجاهاً وهدفاً، ليتحول "المخيال الديني" عند الطفل من مجرد تصورات هائمة إلى عقيدة صلبة قادرة على مواجهة تحديات الوجود.

مما تقدم يمكن القول: إن الذاكرة الوجدانية للطفولة ليست مجرد مخزن للذكريات العابرة، بل هي المختبر الأول الذي تصهر فيه ملامح العلاقة مع الغيب، حيث يتشابك فيها الحضور المحوري للأب كمرجع عاطفي أول، مع حركية الطقوس التي تحول الحقائق المجردة إلى تجارب بدنية ملموسة، وعبر هذا الاندماج بين الصورة الأبوية والقالب العبادي، ينمو لدى الطفل "المخيال الديني" تغذيه الرموز والسرديات المقدسة، لتنتقل القيم من حيز التلقين الخارجي إلى نسيج الهوية الباطنية، وبذلك لا يكون الدين في حياة الإنسان مجرد منظومة من الأفكار المكتسبة، بل يتحول إلى ذاكرة عميقة وتجربة وجودية راسخة، تشكلت خيوطها في رحم الأسرة، واستقرت في وجدان الطفل، لتظل هي البوصلة المحركة لتدينه واتجاهاته الروحية في المستقبل.

 

----------------------

1-ظ: فاخر عاقل، علم النفس: دراسة التكييف البشري: 766 ـ 767

2-ظ: محمد تقي الفلسفي، الطفل بين الوراثة والتربية: 2 /121 ـ 123.

3-ظ: باقر شريف القرشي، نظام الأسرة في الإسلام: 133 ـ 134

4-ظ: مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي سيكولوجية الإنسان المقهور: 108 ـ 110  

5-ظ: محمد تقي الفلسفي، الطفل بين الوراثة والتربية: 1 / 459 ـ 462.

6-المصدر نفسه.

7-ظ: سيغموند فرويد، مستقبل وهم: 32 ـ 33.

8-ظ: محمد تقي الفلسفي، الطفل بين الوراثة والتربية: 1 / 452 ـ 454.

9-ظ: عماد رشاد عثمان، أبي الذي أكره: 59 ـ 61

10-ظ: محمد تقي مصباح اليزدي، سلسلة دروس في العقيدة الإسلامية:41

11-ظ: مرتضى مطهري، الملحمة الحسينية: 196 ـ 197.

12-ظ: إيميل دوركهايم، الإشكال الأولية للحياة الدينية: 68 ـ 69

13-ظ: محمد تقي الفلسفي، الطفل بين الوراثة والدين: 2 / 163 ـ 166.

14-ظ: يونغ، كارل غوستاف، الإنسان ورموزه: 124 ـ 127.

15-ظ: على شريعتي، بناء الذات الثورية: 85 ـ 88.