د. اسراء العكراوي
جامعة الكوفة/ كلية اللغات
المصدر: مجلة الولاية – العدد 197 – الصفحة (61)
الشعر شكل من أشكال التعبير الفني للإنسان، وبه يحقق الشاعر أغراضه الوجدانية والنفسية والمادية أحيانًا، لذا نجد موضوعات الشعر متعددة ومتنوعة، فقد طرق الشعراء كل باب من الوصف إلى المدح والغزل والهجاء والرثاء وغيرها، ومع تماس هذه الأغراض مع ذات الشاعر، والقيم الاجتماعية للمجتمع، وكونه لسان القبيلة أو البلد إلا أن تقدير القيمة الاجتماعية للعمل الشعري لم يشغل بال احد من النقاد العرب القدامى، فتفكير الناس في الشعر سواء في ذات النقاد أم الشعراء أنفسهم لم يبرز فكرة القيمة الاجتماعية للعمل الشعري، فلم يكن موقف الشاعر من الحياة ووجهة نظره فيما يعيشه الناس من قضايا موضعَ نظرٍ وتفهم وتقدير.
القيم الجمالية والمعنوية:
كانت القيم الجمالية هي شغل النقاد الشاغل، فكانوا يحاسبون الشعراء عليها، متتبعين في ذلك مواطن إجادتهم، ومحصين عليهم أخطاءهم وعيوبهم، فإذا هم تجاوزوا القيم الجمالية إلى القيم المعنوية كان موقفهم من المعاني انعكاسًا لموقفهم الجمالي، كذلك كانوا يحاسبون الشاعر على صحة المعنى في ذاته أو خطئه، وعلى ما فيه من ابتكار أو ما فيه من اقتفاء لمعنى سابق أو تأثر به، ثم يَزِنُون المعنى أخيراً في حدود العُرف والتقاليدِ وقد لا يفعلون.
ودليلنا على هذا الرأي ما ورد في كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة الدينوري (ت 276هـ) الذي قسّم فيه الشعر على أربعة أقسام(1)، حيث قال:
تدبّرتُ الشعرَ فوجدتُهُ أربعة أضرب:
الأول: ضربٌ منه حَسُنَ لفظُهُ وجادَ معناه؛ كقـول أبي ذؤيـب:
والنفــس راغبــةٌ إذا رغَّبتهـا وإذا تُـــردُّ إلى قليـــلٍ تقنـــعُ
والضرب الثاني: ما حَسُنَ لفظُهُ وحلا فإذا أنتَ فتَّشتَهُ لم تجدْ هناك فائدة في المعنى، كقول القائــل:
ولما قضينا من مِنى كلُّ حاجـةٍ ومسَّحَ بالأركـانِ من هـوَ ماسـحُ
وشُدّتْ على حُدْبِ المهارى رِحالُنا ولا ينظرُ الغــادي الذي هوَ رائحُ
أخذنا بأطـرافِ الأحاديـــثِ بينَنا وسالـتْ بأعناقِ المطيِّ الأباطــحُ
والضرب الثالث: ما جاد معناه وقَصُرت ألفاظه عنه، كقول لبيد بن ربيعة:
ما عاتبَ المرءُ الكريمُ كنفسِهِ والمرءُ يُصلِحُهُ الجليسُ الصالحُ
هذا وإنْ كانَ جيدَ المعنى والسبكِ، فإنَّهُ قليلُ المـاءِ والـرَّونق.
والضرب الرابع: هو ما تأخرَ معناهُ وتأخرَ لفظهُ، كقول الأعشى في امرأة:
وفوهــاً كأقـاحيٍ غذاهُ دائــمُ الهطــلِ كما شيبَ براحٍ باردٍ من عسلِ النحلِ
والملاحظ أن هذه الأقسام الأربعة تدورُ كلُّها حولَ النصِ الشعريِّ مبناه ومعناه، وجماله وفنياته، ولا أثر فيه للقيمة الاجتماعية أو الأخلاقية، فالشاعر لا يلام على أي موضوعٍ طرَق، ولا أيِّ قيمةٍ انتهكَ، ما دامَ يُلبِسُها ثوباً جميلاً، ويُحسنُ سبكَ أبياتِهِ ونظمَ قوافيه.
بل يعطفُ ابنُ قتيبةٍ على هذا التقسيم بذكرِ الدواعي التي تحثُّ الشاعرَ على كتابـة الشعــر فيقـــول(2):
"وللشعرِ دواعٍ تحثُّ البطيءَ، وتبعثُ المتكلِّفَ منها: الطمع، ومنها الشوق، ومنها الشراب، ومنها الطرَب، ومنها الغضب"
وإذا قِسنا هذه الدواعي بمقياسِ القِوى النفسيةِ للإنسان، التي قالَ بها الفلاسفةُ، وهي قوى أربع: قوة عقلية ملكية، وقوة غضبية سبعية، وقوة شهوية بهيمية، وقوة وهمية شيطانية لوجدنا أن دواعي الشعر التي قال بها ابن قتيبة تصدر عن (الغضبِ والشهوة والوهم) بعيداً عن العقل!!
وتكاد هذه النظرة تكونُ عامةً لدى نقاد الشعر القدماء، وكثير من النقاد في العصر الحديث، مع أننا نجد في تاريخ الأدب كثيرًا من الشعر الذي قيل بدوافع إنسانية أخلاقية، وسنضرب لذلك أمثلة في ما بعد.
موقف النقد الحديث من الشعر:
ربما كانت أول عبارة في تاريخ التفكير النظري في الشعر، أحكمتْ الربط بين الأدب والحياة هي عبارة الشاعر الانكليزي المشهور (كولرج) التي يقرر فيها أنَّ الأدبَ (نقدٌ للحياة)، وتمثل هذه الفكرة نقطة تحول في تاريخ النظر النقدي وفلسفة الفن بصورة عامة، إذ أصبحَ المعيار الأخلاقي (أي تقدير العمل الفني من وجهة نظر العرف والتقاليد)(3)، ملازماً للمعيار الجمالي الصرف، وصار ينظر إلى العمل الفني من حيث هو مشاركة صميمة في واقع الحياة، ومحاولة لاتخاذ موقف منها.
من هنا بدأت فكرة (الالتزام) التي صار لها في القرن العشرين تأثيرٌ ملحوظ في حياة الأدب.
والالتزام هو: اتجاه ينبع من حرية الفنان، إذ يختار ذلك المسلك بملءِ إرادته، تدفعُهُ إليهِ رغبتُهُ، فهو التعبيرُ عن حريةِ الفنان(4).
أما الإِلزام فهو موقفٌ سياسيٌ أو اجتماعيٌ تتخذهُ طبقةٌ أو حزبٌ، ثم تفرضُهُ على من هو تحت سيطرتها، فإن كان الفنان في هذه الحالة يعملُ بدافعٍ من قناعتهِ بذلكَ الموقف فهو "ملتزم" وإن كان يعمل تحت عامل القهر والإِكراه فهو "ملزَم".
ومن النقاد العرب الذين اهتموا بنظرية الالتزام وألفوا فيها الدكتور عز الدين إسماعيل، ونشأت فكرة الالتزام نتيجة لارتباط الأديب بمشكلات الحياة الواقعية، وإدراكه لخطورة الدور الذي يقوم به إزاء تلك المشكلات، فالأديب والشاعر حين يكون صاحب رسالة قيمية سيتجسد ذلك في شعره، وفي تاريخ الأدب شواهد كثيرة على ما نقــول منهـــا:
1- موقف الفرزدق حين قال أحد الذين كانوا مع هشام بن عبد الملك في موسم الحج وشاهد الناس وقد أفسحوا للإمام زين العابدين(عليه السلام) ليستلم الحجر الأسود: من هذا الذي وسّع له الناس وتحاجزوا عنه؟، فقال هشام بن عبد الملك: لا أعرفه، على الرغم من معرفته أنّه زين العابدين(عليه السلام)، ولكنّه لم يرد أن يعظمه في قلوب أصحابه، وكان الفرزدق منهم، فقال: ولكن أنا أعرفه، وأنشد يقول:
يَا سَائِلِي أَيْنَ حَــلَّ الجــُودُ وَالكَرَمُ عِنْـدِي بَيَــانٌ إذَا طُلاَّبُـــهُ قَدِمــُوا
هَذَا الذي تَعْــرِفُ البَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ وَالبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالحـِلُّ وَالحــَرَمُ(5)
وهذا موقف اندفع إليه الفرزدق بنفسه، غير آبه بالعواقب ولا طامعاً في عطاء، بل دعته إليه عقيدتُه وحميَّتُه. والطريف أن بعض كتب الأدب وسير الشعراء حين تذكر الفرزدق تصفه بعدة أوصافٍ ذميمة منها الجبن، ولا أظن أن هذا الموقف يصدرُ من رجلٍ جبان.
2- وللشاعر دعبل الخزاعي مواقف كثيرة في هجاء ملوك بني العباس(6)، وهو القائل: (أنا أحمل خشبتي على كتفي منذ خمسين سنة لست أجدُ أحداً يصلبني عليها)، ومن ذلك قوله في هجاء المعتصم:
مُلوكُ بَني العَبّاسِ في الكُتبِ سَبعَــةٌ وَلَم تَأتِنــا عَـــن ثامِــنٍ لَهُمُ كُتـــبُ
كَذَلِكَ أَهلُ الكَهفِ في الكَهفِ سَبعَةٌ خِيـــارٌ إِذا عُدّوا وَثــامِنُهُم كَلــبُ
وَإِنّي لَأُعلي كَلبَهُم عَنــكَ رِفَعَــــةً لِأَنَّـــكَ ذو ذَنبٍ وَلَيــسَ لَــهُ ذَنبُ
وحين مات المعتصم وخلفه الواثق قال دعبــل:
الحمــــد لله لا صبر ولا جــــلد ولا عــزاءٌ إذا أهــل البلا رقــدوا
خليفة مــات لم يحـــزن له أحــد وآخــر قــام لم يفــرح به أحــــد
وفي هذه المواقف فرق واضح بينها وبين قول أبي العتاهية(مثلا) للمهدي العباسي يهنئُه بتسلمِ زمام السلطة والخلافة بعد المنصور حيث يقول(7):
أَتَتهُ الخِلافَــــــةُ مُنقادَةً إِلَيـــهِ تُجَرِّرُ أَذيالَهـــــا
وَلَم تَـــكُ تَصلُحُ إِلّا لَـهُ وَلَم يَـكُ يَصلُحُ إِلّا لَهــا
وَلَـو رامَهـا أَحَدٌ غَيرُهُ لَزُلـزِلَتِ الأَرضُ زِلزالَها
ومواقف الشعراء عرَّضتْ كثيرًا منهم للقتل والنفي والهرب والإقصاء، كما جعلتهم شريكًا أساساً وشاهداً على ما يجري على الأمم من حروب وثورات وظلم وانتصارات، حتى صار عندنا شعر خاص بالقضية الفلسطينية مثلًا، وشعر خاص بمجاهدي فتوى الجهاد الكفائي في العراق، وشعرٌ وثّق ثورات الشعوب ضد الحكومات المستبدة، وهي قصائدُ تنبعُ من القيمِ الإنسانيةِ والعقيديةِ التي يحملها الشاعر، وشعورهُ بأنَّهُ يحملُ رسالة، تسهمُ في خلق جيل متسلح بالقيم النبيلة، يشعر بمسؤوليته تجاه قضايا دينه ووطنه وأمته.
ــــــــــــــــ
1. ابن قتيبة الدينوري، الشعر والشعراء:24 وما بعدها.
2. المصدر السابق :34.
3. د. محمد مصطفى بدوي، كولردج (سلسلة نوابغ الفكر الغربي):78.
4. أحمد أبو حاقة، الالتزام في الشعر العربي : 14.
5. ابن خلكان، وفيات الاعيان: 4/95.
6. عبد الصاحب الدجيلي، ديوان دعبل الخزاعي
7. ابن كثير، لبداية والنهاية:182.