100%
قاف

المفهوم القرآني لولادة الأنثى ودلالاته في شخصية الزهراء (عليها السلام)

أسرة المجلة

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 208 – الصفحة (8)

 

يُعبّر القرآن الكريم عن المجتمع الجاهلي عند ولادة الأنثى بتعبيرٍ فريدٍ، يحاكي الشعور، ويترجم السلوكيات، بوصفها ردود أفعالٍ لحدثٍ يُفترض أنه من مفاصل الحياة الطبيعية في إنجاب البنات، ولولا مثل هذا الحدث لتوقفت الحياة، وانقرض جنس البشر، قال تعالى:(وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [النحل: 58-59].

يصف هذا التصريح طبيعة الحالة النفسية لمن يُبشّر بالأنثى من عرب الجاهلية، من الشعور بالهوان إلى التحسس بالعار المستقبلي؛ نتيجة الأعراف السائدة آنذاك، والمخالفة للطبيعة الإنسانية التي جبل الله تعالى عليها خلقه، مع ما تختلجه الحالة العاطفية الطبيعية للأبوّة.

فضلاً عن أنه صرّح بقيمة الأنثى ومنزلتها في الإسلام، فمثّلت أعظم عطايا الله سبحانه ولكون عملية الإعطاء تقوم على ثلاثة أركان رئيسة هي:

1-إنّ العطاء يتناسب مع كرم المُعطي وقدرته على العطاء غير المحدود، وعدم احتياجه لما أعطاه.

2-يتناسب العطاء مع طبيعة الشخص المُعطى له، وتفرده بمزاياه الخاصة، وتفوّقه على جميع المخلوقين، ليستحق بذلك أجزل العطاء وأرفعه منزلة وأعلاه شأنًا.

3-مناسبة قيمة العطاء وعِظم العطية وتميّزها بنوعها على جميع الهبات والعطايا؛ حتى أن الشخص المُعطى له يصل بذلك العطاء إلى حالة الرضا المطلق، فلا يبتغي دونه عطاءً أبدًا، قال تعالى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) [الضحى: 5].

والتعبير القرآني -في هذه الآية- يُجمل طبيعة العطاء الإلهي لنبيّه المستوجب تحقق رضاه به، ولكن في مواطن أخرى بيّن ذلك الإجمال بجعل الذرية من مصاديق العطايا للإنسان، وما يُؤيده أن الذرية الصالحة أحد أعظم عطايا الله سبحانه للإنسان المحسن قوله تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً)، "يعني: عطية من عطاء الله قال ابن عباس: النافلة هو يعقوب؛ لأن الله  تعالى أعطى إبراهيم إسحاق بدعائه حيث قال:( رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) وزاده يعقوب نافلة وهو ولد الولد"(1)، فمعنى النافلة العطية وإسحاق ويعقوب كانا جميعًا من عطاء الله تعالى؛ ذلك أن أحد أهم مراتب السعادات الخارجية في الدارين حصول الأولاد النجباء(2).

ويأتي التعبير القرآني على تفصيل ما أُجمل من العطاء –تحديدًا- لشخص النبي (صلى الله عليه وآله)حتى الرضا، بأن صرّح بإعطائه الكوثر، قال تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) [الكوثر: 1]، ويقال في اللغة: الكوثر للرجل الخيّر المعطاء، كثير العطاء، فأصل الكوثر هو الكثير من الأشياء المختلفة، وتستعمل غالباً في الأشياء الحسنة(3).

ويرى كثير من المفسرين، أن الكوثر يشير إلى كثرة النسل النبوي، الذي استمر عبر ذرية السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فجاء في تفسير الرازي (ت: 606هـ) –مثلًا- عرض لما قيل في معنى الكوثر ويرجح أحدها بقوله: "الكوثر أولاده قالوا: لأن هذه السورة إنما نزلت ردًا على من عاب النبي (صلى الله عليه وآله) عدم حصوله على الأولاد، فالمعنى أنه يعطيه نسلًا يبقون على مر الزمان، فانظر كم قتل من أهل البيت(عليهم السلام)، ثم العالم ممتلئ  من ذرياتهم، ولم يبقَ من بني أمية في الدنيا أحد يعبأ به، ثم انظر كم كان فيهم من الائمة كالباقر والصادق والكاظم والرضا (عليهم السلام) والنفس الزكية وأمثالهم"(4).

فالتفسير الراجح يشير إلى الخير الكثير في الكوثر، ومن أعظم مصاديقه السيدة الزهراء (عليها السلام)؛ والملائم مع جو السورة أنّ سبب نزولها  أن السيدة الزهراء(عليها السلام) مثلت أبرز مصداق للخير الكثير لدى المفسرين.

من هنا يتضح بركة حدث ولادة الأنثى في القرآن الكريم، فيُعبِّر عن بناء يحكي وجهة نظر الإسلام فيه، ويجعله رمزًا لجميع القيَم الإنسانية؛ وذلك بذكر الأنموذج الأول الممثِل للإسلام كله وللإنسانية وقيمها بأجمعها، نبيّنا محمد(صلى الله عليه وآله)، عندما حكى اختصاصه بخلقه العظيم وخاتميته للرسل والأنبياء، وتفضله عليهم بجميع المزايا والصفات الذاتية والخارجية، ولا سيما في ذريته الطاهرة وحصرها بالسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وجعلها أوضح مصداقٍ لأعظَم النِعم عليه (صلى الله عليه وآله).

 

--------------

1) الخازن، لباب التأويل في معاني التنزيل: 3/ 231.

2) ظ: النيسابوري، غرائب القرآن ورغائب الفرقان: 2/ 405.

3) ظ: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة: والزبيدي، محمد مرتضى الحسيني، تاج العروس من جواهر القاموس، مجلد (3) ، حرف الراء، فصل الكاف من باب الراء.. (كثر) .. (الكوثر) ، ص 517.

4) مفاتيح الغيب: 32/ 313.