الحسينية هي " مفرد حسينيات، وهي بمثابة تكية منسوبة إلى الإمام الحسين السبط الشهيد ، لأنها تبنى لإقامة عزائه فيها، حسب السيد الأمين في خططه (وأصل الحسينيات من الإيرانيين والهنود، بنوها في بلادهم وبنوها في العراق أيضاً، ووقّفوا لها الأوقاف، وجعلوا لكل منها ناظراً وقوّاماً)، وهي عبارة عن دار ذات حجر وصحن فيها منبر، يأوي إليها الغريب، وتقام فيها الجماعة، وينزلها الفقراء، ويقام فيها عزاء سيد الشهداء في كل أسبوع في يوم مخصوص، وفي عشرة أيام المحرم، وتختلف حالتها في الكبر والصغر والاتقان وكثرة الريع باختلاف أحوال منشئيها. وأول حسينية أنشئت في جبل عامل (حسينية النبطية التحتا)"(1).
وهذا اللفظ "الحسينيّة" تُعرف به في لبنان، وقد تسمّى فيه بالنادي الحسيني، وتبقى محافظة على اسمها المنسوب إلى الإمام الحسين في العراق والكويت، وكذلك في إيران حالياً. وإن كانت تُعرف قديماً باسم "التكيّة" وهذا ما عرّفها به السيد الأمين في خططه.
أما في البحرين والمنطقة الشرقية للسعودية فتعرف باسم "مأتم"(2).
وأما في مناطق آسيا الوسطى، فيطلق عليها اسم "مسجد الشيعة"، وتُعرف في مناطق الهند المختلفة باسم "إمام بارة.. تعزية خانة.. عاشوراء خانة وجبوتره..."(3)
المنشأ والتاريخ:
منذ مقتل الحسين في كربلاء عام 61هـ/680م، وحتى 352هـ/946م، كانت الشعائر الحسينية تُحيا سرّاً، وفي ثلاثة أماكن فحسب.
1. في بيوت الأئمة أنفسهم، وخصوصاً في زمن "الباقر والصادق والرضا" حيث "يستقبلون الشعراء والمنشدين لقول الشعر في الحسين ومأساته"(4).
عند قبر الحسين، وسراً خوفاً من السلطات الحاكمة –فكان الشيعة "يقصدون زيارة القبر، فمن قارئ يقرأ، ونادب يندب، وقاص يقص"(5)..
2. في بيوت الشيعة، حيث "كان بعض المنشدين للشعر الحسيني من رجال ونساء يطوفون على بيوت الشيعة في بغداد، وينشدون الشعر في الحسين"(6).
وعندما ظهرت الشعائر الحسينية إلى العلن لأول مرة، وكان ذلك عام 352هـ/946م، عندما أمر معز الدولة البويهي بإظهار المآتم الحسينيّة، وجعل "يوم عاشوراء يوم حزن بصفة رسمية تُعطّل فيه الدوائر الحكومية، وتقفل فيه الأسواق، وتسير فيه المسيرات الشعبية في الطرقات.. الخ"(7).
ومعنى ذلك أنه على الرغم من بروز الشعائر الحسينيّة إلى العلن، لم يحدّثنا أي مصدر تاريخي عن وجود بناء خاص باسم الحسينيّة، وأول بناء ورد اسمه بهذا اللفظ هو في عهد الفاطميين في مصر 297هـ-567هـ/909م-1171م، وقد نقل ذلك سيد أمير علي في كتابه "مختصر تاريخ العرب" حيث يقول:
"وكان أفخم عمارة في عهد الفاطميين، "الحسينيّة"، وهي بناء فسيح الأرجاء، تُقام فيه ذكرى مقتل الحسين في كربلاء"(8).
ولكننا لا نطمئن إلى ما ذكره "سيد أمير علي" في كتابه لسببين:
إن المقريزي أحمد بن علي في خططه، وهو المعتمد أكثر في تاريخ مصر والذي دوّن كثيراً من الشعائر الحسينيّة أيام الفاطميين، حينما تعرّض لحارات القاهرة، ذكر أن هناك حارة باسم "الحسينيّة"، وهي بناءٌ ضخم، و"لكن دون أن يربط ذلك بإقامة المآتم"(9).
إن المقريزي نفسه ذكر في خططه، أن أماكن المآتم الحسينيّة زمن الفاطميين كانت تُقام عند قبري السيدتين كلثوم ونفيسة وجامع القاهرة والجامع الأزهر، وعند مقام الحسين في القاهرة. ولم يذكر "أن هذه الحسينيّة كانت تقام فيها المآتم"(10).
ومعنى هذا أن هذا البناء المسمى بالحسينيّة كان موجوداً. ولكن لم يكن مخصّصاً لإقامة الشعائر الحسينية، بل هي تكيّة كان يرتادها الفقراء والمسافرون القادمون لإقامة الشعائر في القاهرة، فيتخذون منها مكاناً للإقامة والنوم والطعام مجاناً وعلى نفقة الدولة، فسُميّت باسم الحسين تيمّناً، فكانت أول حسينية بالاسم فقط، ولكنها لم تكن مخصّصة لإقامة المآتم الحسينّية فيها.
ويؤيد ذلك ما ذكره جواد محدثي في كتابه "موسوعة عاشوراء" من أن "التكية كانت هي الموضوع الآمن الذي يرتاده الفقراء والمسافرون للإقامة فيها مؤقتاً وبشكل مجاني"(11).. وهذا ما كان سائداً في سائر الأمصار الإسلامية على اختلاف مذاهبهم، ويبدو أن التكايا في البلاد الشيعية كانت تستقبل الوفود القادمة لتشارك في المآتم الحسينيّة، فيتخذون من "التكايا مكاناً للإقامة والنوم والطعام مجاناً"(12).
ثم تحوّلت هذه التكايا بدورها إلى إقامة الشعائر الحسينية في داخلها، تبعاً لمساحة الحريّة المتاحة للشيعة عبر الحكومات المتعاقبة المناوئة لأهل البيت أو الموالية لهم، ويؤيد ذلك ما ذكره صاحب موسوعة عاشوراء من أن ظهور التكيّة (الحسينية) كان "في مقابل المراكز الدينية المرتبطة بالخلافة أو الحكومات غير الشرعية إنما جاءت لغرض إنشاء قاعدة لأتباع النهضة الحسينيّة بعيداً عن سلطة الحكام.. وأدّت التكيّة إلى إيجاد مراكز مناوئة للحكومة"(13).
وإذا كان من المتعذر الإحاطة الكاملة بالعوامل التي أدت إلى نشوء "الحسينية"، فإنه يمكننا القول : إن "التكايا الشيعية تحوّلت بعوامل عقدية وسياسية واجتماعية عبر الزمن إلى أبنية خاصة بالمأتم الحسيني اسمه "الحسينية" ويؤيد ذلك إصرار الكثير من المؤرخين على تسميتها بالتكيّة، وكأنها ما تزال منذ الزمن الغابر تحافظ على اسمها الحقيقي..
إذاً، يمكننا القول: إن حسينية النبطية –إذا أدرجنا حسينية القاهرة أيام الفاطميين في الحسبان- هي "الحسينية التاسعة في العالم الإسلامي".... أما على صعيد بلاد الشام جميعاً، فإننا نستنتج متيقنين أن "حسينية النبطية هي الأولى فيها".
الحسينية النبطية:
إذاً، وصلت هذه المؤسسة إلى لبنان- وأدخلت إلى الحياة الاجتماعية العامة- في مطالع القرن العشرين وتحديدًا في سنة 1910 م، وذلك على يد الشيخ عبد الحسين صادق الأول، الملقب بـ"نصير الشعائر الحسينية"، فهو الذي بناها بعد عودته من النجف الأشرف في مدينة النبطية، فكانت أول صرح يشيد في جبل عامل، بل في لبنان وبلاد الشام عموماً. وهذا ما جعلها بمثابة الأب الروحي لكل الدُور المماثلة التي انتشرت مع الأيام انتشاراً واسعاً، حتى لم تعد اليوم مدينة أو قرية من مدن وقرى المسلمين الشيعة في لبنان تخلو من نادٍ حسيني.
ويجدر بنا أن نشير إلى أن صورة المبنى حين أنشئ في أوائل هذا القرن، لم تكن طبق الصورة القائمة اليوم، بل كانت تختلف عنه بقليل أو كثير. والصورة التي يقوم عليها البناء الحالي للحسينية تعود إلى أوائل الخمسينيات، وذلك حين "أُعيد تجديدها بالكامل على يد الشيخ محمد تقي صادق".
وظل صرح الحسينية بقاعته ورواقه وساحته متماسك البنيان على مرّ الأيام، إلا أن الاعتداءات الإسرائيلية، التي عصفت بالجنوب عامي 1993 و1996 ملتهمةً أحياءً بكاملها، إلى جانب مسلسل اعتداءاتها المتواصلة على السكان الآمنين التي زامنت العقدين الأخيرين، وما قبلهما في السبعينيات، نالت وبشكل واضح من بناء الحسينية، ورسمت على محيّاه جروحاً وآثاراً بليغة، ما دعا -حين سمحت الظروف- إلى المباشرة في "ترميمه وتحسينه، وذلك برعاية وإشراف الشيخ عبد الحسين صادق الثاني".
أهمية الحسينية في المجتمع الشيعي:
غدت مؤسسة الحسينية ظاهرة عامة ذات أهمية لدى المسلمين الشيعة في الأماكن التي يوجدون بها، ففي كل بلد شيعي صغيراً كان أو كبيراً مهما كانت الحالة الاقتصادية فيه، "يشيد بناء لهذا الغرض يحمل اسم الحسينية أو النادي الحسيني"(14) ، وتتميز المدن الكبرى بأنها تضم عدة حسينيات.
وقد أدت هذه التطورات، التي جعلت من المأتم الحسيني مناسبة كثيرة التكرار على مدار السنة، تجتذب أعداداً كبيرة جداً من الناس، إلى إنشاء أماكن خاصة بالمأتم الحسيني تسمى "الحسينية" أو "النادي الحسيني"، وهي قاعة كبيرة مخصصة لإقامة المأتم الحسيني. وقد غدت في السنين الأخيرة تستعمل في مناسبات دينية واجتماعية وثقافية منها حفلات التأبين والتكريم وما إلى ذلك.
ومع تزايد تواصل الناس مع الحسينية طوال أيام السنة، نرى كم للحسينية من حضور في "مجمل حياة الناس في المدينة أو القرية"(15). فالأهالي -حين تواجههم أحداث مصيرية أو هامة- يندفعون عفوياً أو بتداعٍ مسبق إلى الحسينيات، ليختاروا تحت سقفها الحل المناسب والموقف المشرف.
وقد أدى هذا التطور إلى نموّ أوقاف جديدة. فالحسينيات هي عقارات موقوفة ذات منفعة عامة. حيث توقف الكراسي والسجاد والثريات الكهربائية والمصابيح وآلات إعداد الشاي والقهوة، وما إلى ذلك. كما وُقفت الأعلام والأقمشة السوداء التي تنشر وتكسى بها جدران هذه الحسينيات التي يقام فيها مأتم الحسين. وهذا ما ينطبق على حسينية النبطية، ولكن ما يميز هذه المؤسسة هو الوقف ذري، أي أن الوصي على إدارة شؤونها الوقفية يجب أن ينحصر بالعلماء الأتقياء من نسل مؤسس الحسينية الشيخ عبد الحسين الأول: "ولدى الانقراض منا، يناط الأمر فيه بأورع العلماء"(16).
وتطورت الحسينيات بالتدريج، وتحولت إلى مؤسسات اجتماعية-ثقافية، ولم تعد مكاناً لإقامة مراسيم العزاء الحسيني فحسب، بل "مدارس دينية ومنتديات اجتماعية وثقافية"(17) وقد تفاعلت هذه النوادي مع حياة الناس، بحيث "تأثروا بها دينياً واجتماعياً وأدبياً وثقافياً"(18).
---------------------
(1) الأمين، محسن: خطط جبل عامل: 181.
(2) المصدر السابق: 249.
(3) المصدر السابق : 143.
(4) ابن قولويه، كامل الزيارات: 208.
(5) المصدر نفسه: 539.
(6) التنوخي: علي بن عبد المحسن: نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة: 230 و233.
(7) ابن الأثير، علي الشيباني: الكامل في التاريخ :1/10
(8) علي، سيد أمير: مختصر تاريخ العرب: 499.
(9) المقريزي، أحمد بن علي، الخطط، :2
(10) المصدر نفسه: 212.
(11) المصدر السابق:100.
(12) المصدر نفسه: 101.
(13) المصدر السابق: 101.
(14) شمس الدين، محمد مهدي: واقعة كربلاء في الوجدان الشعبي: 292.
(15) مقابلة مع الأستاذ مصطفى الحاج علي.
(16) كما ورد في نص الوقفية، وهي موجودة في الحسينية، بخط الشيخ أحمد رضا، 1332هـ.
(17) الحيدري، إبراهيم: تراجيديا كربلاء : 68-69.
(18) مقابلة مع الدكتور حسن جعفر نور الدين.