100%
ببليوغرافيا العلوم

ثقافات غير منظورة: الحواشي والتعليقات والملاحظات عندما يتحدّث الكتاب بصوت قارئه

د. ليث عبد الحسين العتابي

جامعة الكوفة -كلية الفقه

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 206 – الصفحة (85)

 

إن الكتب هي عبارة عن فضاءات مفتوحة للحوار بين المؤلف والقارئ، وبين الماضي والحاضر، وبين النص والعقل المتلقي.

إن من أبرز المظاهر التي تكشف عن هذا الحوار تلك الحواشي والتعليقات والملاحظات، التي يكتبها القراء على هوامش الكتب أو بين أسطرها، فقد وصفت بأنها مُخُ المتون(1).

 

هذه الكتابات، وإن بدت لأول وهلة أموراً ثانوية، إلا أنها تُعدّ من أهم الثقافات غير المنظورة التي ترافق الكتاب، لأنها تكشف عن طبيعة التفاعل المعرفي مع النص، وتوثق مراحل تشكّل الفكر العلمي عبر الأجيال.

فكم من كتاب وصلت إلينا قيمته مضاعفة لا بسبب متنه فحسب، وإنما لما احتواه من تعليقات العلماء، أو اعتراضات الطلبة، أو تصحيحات المحققين، حتى أصبحت هذه الهوامش مادةً علمية مستقلة، يعتمد عليها الباحثون في فهم النصوص وتاريخها، ومطلب العلماء(2).

أولاً: ما المقصود بالحواشي والتعليقات؟

إن الحاشية هي كل ما يُكتب خارج المتن الأصلي بقصد الشرح أو التعليق أو التصحيح أو الإضافة أو النقد أو الإحالة.

أما التعليقات فهي أوسع من الحاشية، فقد تكون على الهامش أو في آخر الكتاب أو بين الأسطر، وتتضمن تفسيراً أو رأياً أو استدراكاً أو مقارنة.

والملحوظات فهي الانطباعات الشخصية أو الإشارات السريعة التي يتركها القارئ في أثناء القراءة، وقد تكون كلمات قليلة، أو رموزاً، أو علامات استفهام أو تعجب، لكنها تكشف عن الكثير عن طريقة تفكير صاحبها.

  لهذا فإن الكتاب الواحد قد يحمل أكثر من مؤلف بصورة غير مباشرة؛ فالمؤلف كتب المتن، والقراء كتبوا تاريخ استقبال ذلك المتن.

ثانياً: الحواشي بوصفها وثيقة ثقافية:

  لا تكشف الحاشية عن فهم النص فقط، وإنما تكشف عن شخصية كاتبها، فعن طريق الهامش يمكن معرفة: مستوى القارئ العلمي، منهجه في التفكير، الكتب التي يعتمد عليها، القضايا التي تشغله، أسلوبه في النقد، مقدار احترامه للمؤلف أو مخالفته له، البيئة العلمية التي عاش فيها.

ولهذا أصبحت الحواشي مصدراً مهماً في دراسة التاريخ الثقافي والاجتماعي للحركة العلمية.

ثالثاً: أنواع الحواشي بحسب أصحابها:

1- حاشية العالم: وهي أغنى أنواع الحواشي، فالعالم لا يكتفي بقراءة النص، وإنما يحاوره، ومن أشهر ما يكتبه: تصحيح الاستدلال، مناقشة الأقوال، الجمع بين الآراء، الإشارة إلى مصادر أخرى، نقد المؤلف، إضافة فوائد لم يذكرها الكاتب.

 وقد تتحول هذه الحواشي إلى كتب مستقلة، كما وقع في كثير من الحواشي على الكتب الفقهية والأصولية والمنطقية، وتتميز حاشية العالم بأنها تكشف عن مشروعه الفكري، لا عن فهمه للنص فقط.

2- حاشية الطالب: حاشية الطالب تختلف تماماً، فهي تمثل رحلة التعلم، وغالباً ما تتضمن: معاني المفردات، تلخيص الفكرة، كتابة التعريفات، علامات (مهم)، أسئلة لم تُحل، إحالات إلى الدرس.

ومن أجمل ما في هذه الحواشي أنها توثق مراحل تطور العقل العلمي؛ فقد تجد في أول الكتاب أسئلة بسيطة، وفي آخره اعتراضات دقيقة، فتقرأ نمو شخصية الطالب بين الصفحات، ولهذا يستطيع الباحث أحياناً معرفة المرحلة الدراسية لصاحب الكتاب عبر نوع ملاحظاته.

3- حاشية المدرس: فالمدرس يقرأ بعين مختلفة، فهو لا يبحث عن الفهم فحسب، وإنما يبحث عن طريقة إيصال الفكرة، لهذا تكثر في هوامشه: تقسيم الموضوعات، أمثلة إضافية، تبسيط العبارات، ترتيب الأفكار، تحديد مواضع الوقوف في أثناء الشرح، التنبيه على مواطن الإشكال عند الطلبة، لهذا تعد نسخة المدرس من أغنى النسخ التعليمية.

4- حاشية المادح: إذ ليست كل الحواشي علمية، فقد يكتب بعض القراء عبارات إعجاب مثل: أحسن المؤلف، كلام نفيس، من أجود ما كتب، رحم الله المؤلف.

وهذه الملاحظات، وإن كانت قصيرة، إلا أنها تكشف مقدار التأثير النفسي للنص في قارئه، وتدل على مكانة الكتاب في الوسط العلمي.

5- حاشية الناقد: الناقد لا يمر على العبارة مروراً اعتيادياً، وإنما يقف عندها، ويقارنها، ويعترض عليها، ومن أشهر عباراته: فيه نظر، لا نسلّم، يحتاج إلى دليل، هذا مخالف للأصول، محل تأمل، الصواب كذا.

وهذه الحواشي تعد من أهم مصادر دراسة تطور الأفكار؛ لأنها ترسم خريطة الحوار العلمي بين العلماء.

6- حاشية المحقق: أما المحقق فيتعامل مع النص بوصفه وثيقة تاريخية، فتكثر في تعليقاته: تصحيح السقط، بيان اختلاف النسخ، توثيق النصوص، تخريج الأحاديث، التعريف بالأعلام، توضيح المصطلحات، تصويب الأخطاء الطباعية، لهذا فإن حاشية المحقق أصبحت جزءاً من القيمة العلمية للكتاب.

رابعاً: ما الذي تكشف عنه الحواشي؟

تكشف الحواشي عن أمور لا يكشف عنها المتن، منها: طريقة القراءة، ثقافة القارئ، منهجه في النقد، اهتماماته، سرعة فهمه، تطور شخصيته العلمية، شبكة مصادره، طبيعة المدرسة التي ينتمي إليها، لهذا أصبحت بعض المكتبات العالمية تحافظ على النسخ التي تحتوي على هوامش العلماء أكثر من النسخ النظيفة.

خامساً: لماذا يهتم الباحث بالحواشي؟

  لأنها قد تكشف عن: رأي لم ينشره صاحبه، تصحيحٍ لنص مشهور، نسبة كتاب إلى مؤلف، تاريخ قراءة الكتاب، أسماء الشيوخ، أماكن الدروس، تاريخ انتقال الكتاب بين العلماء.

لهذا يعتمد المحققون كثيراً على النسخ المشحونة بالحواشي.

سادساً: الحواشي بوصفها تاريخاً للعقل:

  يمكن القول: إن الحواشي ليست هوامش على الكتاب، وإنما هي هوامش على التاريخ العلمي، فالكتاب يخبرنا ماذا قال المؤلف، أما الحواشي فتخبرنا: كيف فهم الناس هذا الكلام؟ ومن وافقه؟ ومن خالفه؟ وكيف تطورت الفكرة بعد ذلك؟

 لهذا فإن تاريخ الفكر الإسلامي لا يقرأ من المتون وحدها، بل يُقرأ أيضاً من هوامشها.

سابعاً: ثقافة ينبغي إحياؤها:

  في عصر القراءة الرقمية بدأت عادة كتابة الحواشي تختفي، بينما كانت في التراث الإسلامي جزءاً من صناعة العالم، فالعلماء كانوا يوصون طلابهم بألا يتركوا الكتاب بلا تعليق، لأن القراءة الحقيقية هي القراءة المتفاعلة، لا القراءة الصامتة، ومن هنا فإن إحياء ثقافة التعليق على الكتب، سواء في الهوامش الورقية أو عبر أدوات التعليق الرقمية، يُسهم في تنمية التفكير النقدي، وتثبيت المعلومات، وبناء شخصية الباحث، وتحويل القراءة من استهلاك للمعرفة إلى إنتاج لها.

  إنّ الحواشي والتعليقات والملاحظات ليست كتابات هامشية بالمعنى العلمي، بل هي نصوص موازية تحمل قيمة معرفية وتاريخية وثقافية كبيرة، فهي تكشف عن شخصية القارئ، ومنهجه، ودرجة تفاعله مع النص، وتوثق مسار تطور الأفكار والحوار العلمي عبر الزمن.

  من هنا فإن دراسة الحواشي تمثل مدخلاً مهماً لفهم الحياة العلمية، وتُعد جزءاً أصيلاً من الثقافات غير المنظورة التي تصاحب الكتاب، التي قد تحمل من الدلالات ما يفوق أحياناً دلالات المتن نفسه، لأنها تنقل إلينا أثر القراءة، لا القراءة ذاتها، وتكشف عن: كيف يصنع العلماء والطلاب والمدرسون والمحققون تاريخ المعرفة في صمت الهوامش.

 

 

 

------------------

(1) ظ: الزمخشري، أساس البلاغة: 279.

(2) ظ: الزمخشري، ربيع الأبرار ونصوص الأخيار: 1/41.