100%
الشرق والغرب

الخلافة بعد النبي قراءة غربية تنصف أمير المؤمنين (عليه السلام)

الباحث مصطفى الحسيني

العتبة الحسينية المقدسة

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 205 – الصفحة (94)

 

لم يكن الانشقاق الحاصل بسبب الخلافة بعد استشهاد النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، مجرد نزاع سياسي عابر على منصب إداري في دولة ناشئة، بل كان كما يصفه المستشرق الألماني البارز "ويلفرد مادلونغ Wilferd Madelung" (1930 – 2023م)، بـ "الحدث الأعمق أثراً في تشكيل التأريخ الإسلامي، والانقسام الأكثر دواماً بين السنّة والشيعة"، فمسألة الخلافة لم تكن، في نظره، شأناً سياسياً فحسب، بل قضية ذات وزن ديني وعقدي، لأن من يخلف خاتم الأنبياء والمرسلين في قيادة الأمّة لا يشغل منصباً زمنياً عادياً، بل يحتل موقعاً بالغ الحساسية في المنظومة الإسلامية، بين النبوة والسلطة، وبين النص والاجتهاد، وبين الشرعية والواقع.

 

ففي كتابه الشهير "خلافة محمد The Succession to Muhammad"، الذي عُدّ من أهم الدراسات الغربية المعاصرة في موضوع الخلافة، لم يكتفِ مادلونغ بإعادة سرد الأحداث، بل قدّم مراجعة جذرية للسردية الغربية التقليدية، حيث يتناول "مادلونغ" طرحاً مختلفاً عن هذه السردية، إذ يعيد لحق الى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الخلافة، ويرى أن تجاهل هذا الحق المبين انذاك، كان بداية التحول السياسي الأكبر في الإسلام.

يبدأ "مادلونغ" كتابه بعبارة حاسمة يقول فيها: أنه "لا يوجد حدث في التأريخ الإسلامي قد تسبب بانقسام المسلمين بعمق واستمرار مثل مسألة الخلافة بعد النبي محمد"، مؤكداً أنّ الحق في شغل منصب الرسول على رأس الأمّة الإسلامية بعد وفاته أصبح قضية دينية كبرى، ما تزال آثارها ممتدة حتى وقتنا الحاضر (1)، من هنا يرفض الكاتب الرأي الشائع لدى عدد من المستشرقين الذين اعتبروا أنّ الخلاف بين المسلمين لم ينشأ إلا لاحقاً، وأنّ فكرة أحقية أمير المؤمنين (عليه السلام) إنما صُنعت بعد وفاته، لا في لحظة السقيفة نفسها.

كما ينقل المؤلف عن كثير من المؤرخين الغربيين افتراضهم أن اختيار أبي بكر كان "الاختيار الطبيعي" بحسب وصفهم، نظراً لاعتمادهم على السرديات السنيّة التي تزعم أنه أقرب الصحابة إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، وأكثرهم حضوراً خلال مجريات إدارة الدولة، لكن "مادلونغ" يتوقف أمام هذا الافتراض، ليعرض سؤالاً جوهرياً، فيما إذا كان من الطبيعي في مجتمع قبلي عربي شديد الحساسية للنسب والقرابة، أن تنتقل القيادة العليا إلى مجرد "صحابي" لا إلى أقرب أهل البيت نسباً ومكانة؟ مع إشارته إلى أنّ نظام الوراثة والقرابة كان شعاراً معروفاً في تقاليد العرب، لا أمراً "مستهجناً" كما حاول بعض الباحثين تصويره.

ويرى الباحث الألماني البارز أنّ هذا التصور الغربي قد تأثر كثيراً بالنظرة الحديثة إلى السلطة، حيث يمكن أن يخلف "المساعد الأقرب" رئيسه بسهولة، كما يحدث في الشركات أو الأحزاب السياسية، لكن هذا المنطق لا ينطبق على مجتمع القرن السابع الميلادي، إذ كانت الزعامة ترتبط بالنسب الشريف والانتماء الأسري ارتباطاً وثيقاً، لذلك يصرّح بوضوح أن الوراثة لم تكن مفهوماً غريباً عن العرب، بل كانت معروفة ومعتبرة، خصوصاً في قبيلة قريش العريقة، وأن الادعاء بأن العرب كانوا يرفضون المبدأ الوراثي مطلقاً، لا يصمد إزاء الفحص التأريخي (2).

ويذهب "مادلونغ" الى أبعد من ذلك، حين يستند إلى القرآن الكريم نفسه، موضحاً أن الأنبياء والرسل السابقين (عليهم السلام)، كانوا يُورَّثون القيادة الروحية والاجتماعية داخل أسرهم، معتبراً أنّ فهم موقف النبي من الخلافة لا يمكن أنّ يتم بعيداً عن المنظور القرآني، فالقرآن ـ وإن لم ينص صراحة على اسم الخليفة بعد النبي ـ إلا أنه يقدّم تصوراً واضحاً عن وراثة الأنبياء وامتداد القيادة داخل بيوتهم، كما أن الكتاب الحكيم، في أكثر من موضع، قد منح أهل بيت النبي (عليهم السلام)، منزلةً خاصة، بل جعل لهم موقعاً متميزاً في الطهارة والولاية والقرابة، لا نجدها في سائر الناس، كما في آية التطهير (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)[الأحزاب:33]، كما أن تخصيص بني هاشم ومن يرتبط بهم من آل عبد المطلب بنصيب من الخمس، وتحريم الصدقة عليهم، لم يكن إجراءً مالياً فحسب، بل دلالة على منزلة خاصة مرتبطة بالاصطفاء والشرف الروحي، من هنا يصرّح "مادلونغ" بعبارة لافتة مفادها: أنه "من الواضح أن النبي لم يكن يمكن أن يعد أبا بكر خليفته الطبيعي" (3)، مضيفاً أن منطق القرآن يجعل خلافة أهل البيت (عليهم السلام) أقرب إلى النسق الإلهي في تاريخ النبوات.

ويضرب "مادلونغ" في هذا الإطار أمثلة عديدة، فالنبي إبراهيم (عليه السلام)حين جعله الله للناس إماماً، سأل مباشرة: "ومن ذريتي؟"، فجاءه الجواب الإلهي:(لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة: 124)، مما يدل وبما لا يدع مجالاً للشك على أنّ الأصل في الامتداد القيادي هو الذرية الصالحة، وكذلك ورث سليمان داود، لا في المال فقط، بل في الملك والحكمة والحكم، وكان موسى قد دعا الله أن يجعل أخاه هارون شريكاً له في الأمر، وزكريا سأل ربه وارثاً من آل يعقوب، فهذه النماذج القرآنية ـ بحسب مادلونغ ـ تجعل انتقال القيادة داخل بيت النبوة أمراً أقرب إلى السنّة الإلهية من انتقالها إلى شخص خارج هذا البيت المبارك.

من هنا يصبح السؤال أكثر حساسية، أنّه إذا كان هذا هو المنطق القرآني، فلماذا لم تنتقل الخلافة إلى الإمام علي (عليه السلام)، وهو ابن عم النبي، وصهره، وأول المؤمنين من الرجال، وصاحب السابقة الكبرى في الإسلام؟، لينتقل منها "مادلونغ" في كتابه إلى لحظة السقيفة، فيصفها بأنها "لم تكن شورى مكتملة، بل اجتماع طارئ، حُسم على عجل، في غياب أهم الأطراف المعنية"، فالرسول لم يكن قد دُفن بعد، وكان علي وبنو هاشم منشغلين بتجهيزه ودفنه، بينما اجتمع بعض الأنصار في سقيفة بني ساعدة للتداول بشأن السلطة، ثم لحق بهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، وانتهى الأمر ببيعة سريعة غيّرت مسار التأريخ الإسلامي كله.

ويذكّر المؤلف أن عمر نفسه وصف بيعة أبي بكر لاحقاً بأنها "فلتة"، أي أمر مفاجئ غير مخطط له ضمن شورى عامة، محذّراً من تكرار مثلها (4)، وهذا الاعتراف ـ بحسب مادلونغ ـ هو أكثر من كافٍ لإسقاط صورة "الإجماع الهادئ" التي حاولت بعض الروايات عبثاً ترسيخها، بل أن الأنصار أنفسهم لم يكونوا موحدين حول النتيجة، إذ ينقل المؤلف أنّ بعضهم قال صراحة: "لا نبايع إلا علياً"، وهو ما يكشف عن أن فكرة أحقية الإمام علي (عليه السلام) لم تكن اختراعاً شيعياً متأخراً، بل موقف حاضر منذ اللحظة الأولى بعد وفاة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله).

أما بنو هاشم، فقد رفضوا الاعتراف الفوري بخلافة أبي بكر، وانصرفوا إلى دفن النبي (صلى الله عليه وآله) بعيداً عن المشهد السياسي الجديد، في موقف يحمل دلالة رمزية عميقة، فقد دُفن خاتم الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وآله) من دون حضور الخليفة الجديد وابنته عائشة، كما يشير "مادلونغ"، مما يدل على حجم التوتر الكامن بين السلطة الجديدة وبيت النبوة (5).

كما لم يبايع أمير المؤمنين (عليه السلام) مباشرة، بل ظلّ متمسكاً بحقه، معترضاً على إخراج "سلطان محمد" من بيته إلى غير أهله، حيث ينقل "مادلونغ" عنه قوله الشهير: "الله الله يا معشر المهاجرين، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم..." وهي عبارة تختصر جوهر الموقف العلوي، وهو أنّ الخلافة ليست مجرد إدارة دولة، بل امتداد لبيت الرسالة نفسه.

وبناءً على ما سبق، لم يتعامل "مادلونغ" مع هذا الموقف بوصفه احتجاجاً عاطفياً أو نزاعاً شخصياً، بل يراه تعبيراً عن فهم عميق لطبيعة القيادة بعد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، فالإمام علي (عليه السلام) لم يكن يطالب بامتياز قبلي، بل بحقّ يستند إلى النص والسابقة والقرابة والوعي القرآني بمفهوم الاستخلاف.

أما اللافت في هذه القراءة، فهو أنها لم تأتِ من باحث شيعي أو كاتب مذهبي، بل من أكاديمي غربي مرموق في جامعة أكسفورد، عُرف بمنهجه النقدي الصارم وابتعاده عن الاصطفافات الطائفية، وهذا ما يمنح أطروحته وزناً خاصاً، لأنها لا تصدر عن انحياز مسبق، بل عن مراجعة تاريخية دقيقة للمصادر الإسلامية نفسها.

وقد انتقد "مادلونغ" بشدة عدداً من المستشرقين السابقين، الذين سلّموا بالسردية التقليدية من دون تمحيص، معتبراً أنّ كثيراً من الروايات التي رُفضت بوصفها "اختراعات متأخرة" هي ليست كذلك بالضرورة، وأنّ القراءة المتأنية للمصادر تكشف عن صورة أكثر تعقيداً وإنصافاً مما استقر في الدراسات الكلاسيكية (6).

إن أهم ما يفعله كتاب "خلافة محمد" ليس فقط إعادة قراءة الماضي، بل عرض سؤال حاضر ومفتوح: فهل كان الانقسام الإسلامي قدراً تاريخياً لا مفرّ منه؟ أم أنه نتيجة قرار سياسي اتُّخذ على عجل في سقيفة بني ساعدة، بينما كان جثمان النبي الطاهر (صلى الله عليه وآله) ما يزال مسجّى في بيته؟

هذا السؤال ما يزال حتى اليوم يحرّك الجدل الإسلامي، إذ إن الخلافة لم تكن مجرد صفحة تاريخية انطوت، بل لحظة تأسيسية تحدد فهم المسلمين للشرعية والقيادة والعدالة، وإذا كان التأريخ قد كُتب غالباً بأقلام المنتصرين، فإنّ "مادلونغ" يحاول هنا أن يعيد الإصغاء إلى صوت الطرف، الذي خسر السلطة الدنيوية، لكنه لم يخسر الحجة الدامغة.

ولعل القيمة الكبرى لهذا الكتاب أنّه لا يطلب من القارئ أن يتبنى موقفاً مذهبياً، بل يدعوه فقط إلى إعادة التفكير، فيما إذا كانت الخلافة بالفعل "اختياراً طبيعياً"، أم أن الإمام عليا (عليه السلام) كان الأحق بها، لكن السياسة سبقت النص، وغلبت الضرورةُ التأريخَ؟

إنه سؤال ما يزال مفتوحاً… وربما لهذا السبب أنّ السقيفة لم تنتهِ بعد.

 

 

-------------------

مادلونغ، ويلفرد: The Succession to Muhammad، دار النشر المركزية، جامعة كامبريدج: 1.

المصدر نفسه: 5–6.

المصدر نفسه: 17.

المصدر نفسه: 33.

المصدر نفسه: 4.

المصدر نفسه: xi–xii، Preface.