م. د زينب حسن
جامعه الكوفة / المكتبة المركزية
المصدر: مجلة الولاية – العدد 196 – الصفحة (63)
تُعَدُّ التلفزيونات إحدى أهم وسائل الإعلام المرئية، التي أسهمت وتسهم في تشكيل وعي الأجيال المختلفة ، إذ تُعد هذه الوسيلة مصدرًا أساسيًا يستقطب الأطفال والناشئة في مراحل عمرية مبكرة، نظرًا لما تتضمنه من برامج متنوعة تجمع بين الترفيه والتسلية والتعليم. وقد أكدت الدراسات التربوية أنّ التلفزيون يمثل أداةً تعليمية وإعلامية مؤثرة في بناء شخصية الطفل وتوجيه سلوكه الاجتماعي والثقافي، إنّ أهمية التلفزيون للأطفال تنبع من قدرته على التأثير في أنماط التفكير والسلوكيات اليومية، فهو يتيح للطفل الاطلاع على خبرات جديدة، ويعمل على توسيع مداركه المعرفية، ما يُسهم في تكوين رصيد لغوي وثقافي يساعده على التكيف مع محيطه الاجتماعي. ومن جهة أخرى، فإن الإفراط في متابعة البرامج التلفزيونية، ولا سيما تلك التي تفتقر إلى المحتوى التربوي، قد يؤدي إلى نتائج عكسية تتمثل في ضعف التحصيل الدراسي، والانعزال الاجتماعي، وتقليد أنماط سلوك غير سوية (فهي سلاح ذو حديـن).
وتشير الدراسات الاجتماعية والإعلامية إلى أن التلفزيون يضطلع بدور مزدوج، فمن جانب يُعزز القيم الإيجابية لدى الأطفال ، منها الصدق والتعاون والانتماء، في حين أنه من جانب آخر قد ينقل أنماطًا سلبية منها العدوانية أو الاستهلاك المفرط. لذا يُعَدّ ضبط المحتوى الإعلامي، وانتقاء البرامج الموجهة للأطفال، أمرًا ضروريًا للحد من الآثار السلبية وتعظيم الأبعاد التربوية والإيجابية للتلفزيون(1).
أثر البرامج التلفزيونية في الطفل:
تعَدّ وسائل الإعلام في العصر الحديث من أبرز الأدوات المؤثرة في الأفراد والجماعات، إذ أصبحت تهيمن على تشكيل الصور الذهنية وبناء المعاني الاجتماعية والثقافية. وقد أكدت النظريات الإعلامية أنّ العلاقة بين الفرد ووسائل الإعلام تتحدد إلى حد كبير على وفق العوامل الاجتماعية والنفسية، التي تؤثر في دوافع الاستخدام وتفسير المحتوى. ومع التطور الكبير في وسائل الإعلام، باتت تمثل المصدر الرئيس للمعرفة لدى شريحة واسعة من المجتمع، بحيث يتعامل المتلقي مع ما تقدمه على أنه تصوير للواقع نفسه.
ومن أبرز النظريات التي فسرت دور الإعلام في تشكيل السلوك، نظرية التعلم بالملاحظة أو المحاكاة (Social Learning Theory)، التي قدمها (ألبرت باندورا) وزملاؤه في ستينيات القرن الماضي، التي ركزت على أن الأفراد يكتسبون أنماط السلوك من خلال ملاحظة النماذج الإعلامية ومحاكاتها. وقد أوضحت هذه النظرية أن الاقتداء بالنماذج المعروضة في التلفزيون والأفلام يسهم في ترسيخ الاتجاهات والسلوكيات، سواء الإيجابية أم السلبيــة.
وعلى الرغم من إمكانية تطبيق هذه النظرية على مختلف الجوانب السلوكية، ركزت معظم الدراسات على الجانب السلبي، مثل تعزيز العنف وتوليد مشاعر الخوف وانعدام الأمن لدى الأفراد. في المقابل، لم تُولِ الدراسات اهتمامًا كافيًا لاستخدام وسائل الإعلام في تنمية السلوكيات الإيجابية والمهارات الحياتية النافعة، على الرغم من أهميتها في بناء شخصية متوازنة(2).
دور الأسرة في التنشئة الاجتماعية للطفل:
الأسرة هي الوحدة الاجتماعية الأولى التي ينشأ فيها الطفل، فهي محيطه الأول منذ إطلالته الأولى، ويرى بستالوزي أن "الأسرة هي مصدر كل تربية صحيحة يتأثر بها الطفل" وقد أثبتت الدراسات أن نحو 50 بالمائة من النمو المعرفي يتشكل عند الطفل خلال السنوات الأربع الأولى من حياته في المنزل، وتتأثر التنشئة الأسرية بعدة عوامل ذات علاقة بالوالدين والأبناء والأسرة نفسها، وتتفاوت على وفق ظروف أسرية واجتماعية(3)، فمرحلة الطفولة المبكرة (السنوات الخمس الأولى)، فتعتبر أهم مرحلة في حياة الإنسان؛ إذ هي الأساس الذي يعتمد عليه نمو الطفل في جميع مناحي شخصيته في المراحل التالية، وذلك لما تمتاز به هذه المرحلة من المرونة وقابلية الطفل للتأثر بكل ما يحيط به والتشكل به أيضا، كما تسهم الأسرة بصورة غير مباشرة في غرس القيم في النفوس، فالأسرة هي البيئة التربوية الأولى التي ينشأ فيها الفرد، وضمنها تتم عملية تطبيع شخصيته تطبيعا فرديا واجتماعيا، فيؤثر فيها ويتأثر بها، وبمعنى عام فإنه يتأثر بمجموعة من العوامل تندرج كلها ضمن ما يعرف بالنظام الثقافي والاجتماعي للأسرة، وتعتبر التنشئة الاجتماعية في مرحلة الطفولة ركيزة مهمة من ركائز التربية، وأساس مهما من الأسس التي يقوم عليها، فالسنوات الاولى من حياة الطفل هي التي تهيئ للمراحل الأخرى من نضجه العقلي والنفسي والاجتماعي مرتبطة ارتباطا وثيقا بتصورات الآخرين، الذين يشكلون المجموعة التي ينتمي إليها، بقيمها وعاداتها وعلى وجه الخصوص بسلطة الأسرة، التي يتأثر بها تأثرا عميقا، فلاشك في أن الوظيفة الظاهرية لعملية التنشئة الاجتماعية هي تدريب الطفل على أداء أنماط معينة من السلوك، التي يرضى عنها المجتمع، ويتخذها الشخص دعامة لسلوكه طوال حياته، أما وظيفتها الكامنة فهي توحد الطفل مع الأنماط الثقافية للمجتمع، تعرف باسم (القيم الاجتماعية)، التي يتكون منها البناء الأساسي للشخصية(4).
أثر التلفزيون في عملية التنشئة الاجتماعية:
تُعَدّ وسائل الإعلام إحدى المؤسسات الاجتماعية المؤثرة بعمق في مسار التنشئة الاجتماعية، إذ لم يعد هناك شك في تأثيراتها المباشرة في حياة الأفراد، لاسيما الأطفال الذين يمثلون الفئة الأكثر استقبالًا لما تبثه هذه الوسائل. وقد ازدادت قوة تأثيرها مع التطورات التكنولوجية الحديثة، التي عززت من انتشارها وفاعليتها. ويُنظر إلى الإعلام بوصفه مؤسسة موازية للأسرة في دوره التربوي والاجتماعي، لما يقدمه من وظائف متعددة تشمل تنمية الاتجاهات، وتكوين المعارف والمهارات، والتنشئة النفسية للعمل والحركة، إضافة إلى نشر القيم المجتمعية، وتعزيز الضبط الاجتماعي، وصياغة الواقع الاجتماعي.
فالتلفزيون على وجه الخصوص يعد من أكثر وسائل الإعلام تأثيرًا، نظرًا لانتشاره الواسع وحضوره في مختلف البيئات الاجتماعية. وقد أفرز هذا الانتشار تأثيرات مزدوجة، إيجابية وسلبية، في التنشئة الاجتماعية، إذ أسهم في إعادة تشكيل العلاقات داخل الأسرة بعد دخوله إلى المنازل واتساع ساعات البث وتعدد القنوات. وبات التلفزيون يُشارك الأسرة في أدوارها التربوية، إلى الحد الذي جعله يُوصَف أحيانًا بـ "الوالد الثالث" للطفل، بل ربما عُدّ المنافس الأول لدور الأسرة في توجيه السلوك الاجتماعي(5).
تأثير التلفزيون في الطفل:
لقد بيّنت عديد من الدراسات أن هناك كثيرًا من الاعتلالات التي يمكن أن تؤثر في الأطفال عبر وسائل الإعلام المختلفة، ولاسيما التلفزيون والإنترنت وألعاب الفيديو... وما إلى ذلـك.
1-اعتلالات جسدية: فهي تتسبب في تأخر الطفل في النوم والجلوس أمام التلفاز لساعات طويلة ، ما يؤدي إلى اعتلال صحته الجسدية .
2-اعتلالات عقلية: فهي تتسبب في انقطاع التفكير المنطقي والخمول الذهني وتعطيل ذكاء الطفل وإطلاق العنان غير المحدود لخياله .
3-اعتلالات نفسية: يشكل التلفزيون مصدر إشاعة الخوف والقلق في نفس الأطفال بما تحمله الأخبار، التي فيها كثير من الهول، وكذلك ما يعرضه التلفزيون من أفلام الرعب التي تخيف الكبار قبل الصغار، وينعكس أثر ذلك على أمن الطفل ونفسيته مما يشاهد من مشاهد مفزعة، تجعله يشعر بالخوف والقلق والأحلام المزعجة والكوابيــس.
4-اعتلالات اجتماعية: يقضي الأطفال حول التلفاز ساعات طويلة تؤثر في حياتهم الاجتماعية وعلاقتهم بالأسرة، وبهذا يقل اكتساب الطفل للمعارف والخبرات من الأهل والأصدقاء كما يصرفهم عـن اللعب مع أقرانهم.
5-اعتلالات تربوية: قد يجلس الطفل أمام التلفاز أوقاتًا طويلة، من دون مراقبة أو توجيه وهذا له أثره السلبي على التحصيل الدراسي ومتابعة الدروس، ولا يخفى على أحد ما لأفلام العنف والجريمة من أثر سلبي، وما تحمله من تأثيرات العنف والخداع والمراوغة، إذ أثبتت الدراسات أن نسبة كبيرة في الوطن العربي من الأطفال في المرحلة الابتدائية يقضون حوالي 1000 ساعة سنويًا، أي: ما يعادل نصف ما يجلسونه في حجرة الدراسة أمام وسائل الإعلام، وهذا مؤشر خطير، لأن هذه المرحلة من العمر هي مرحلة التلّقي وترسيخ القيم والعادات والاتجاهــات والسلوكات(6).
إذ إن الأطفال يقضون جزءًا كبيرًا من أوقاتهم في مشاهدة التلفاز، وقد أشارت بعض الدراسات إلى أنّ متوسط المشاهدة اليومية للطفل في سن الثالثة يبلغ نحو (45) دقيقــة، ويزداد إلى ساعتين يوميًا عند بلوغ الخامسة، ليرتفع لاحقًا إلى ثلاث ساعات يوميًا خلال المرحلة المتوسطة. وتتجه اهتمامات الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة نحو البرامج المرتبطة بالحيوانات وشخصيات الرسوم المتحركة ومسرح العرائس، بينما تتوسع هذه الاهتمامات مع دخولهم المدرسة لتشمل المغامرات، والقصص العلمية، والمواقف الفكاهية ذات الصلة بالقيم والسلوكيات الأسرية هذا الحضور المكثف للتلفاز يثير جملة من التساؤلات حول طبيعة تأثيره في التنشئة الاجتماعية(7)، من قبيل: هل تُحدَّد التأثيرات من خلال محتوى البرامج أم عن طريق طول مدة المشاهدة؟ وهل يسهم التلفاز في تقويض دور الأسرة والمدرسة في عملية التنشئة، أم أنه يقدّم دورًا مكملاً لهما؟ ثم، هل يؤدي إلى تراجع التواصل الاجتماعي لدى الأطفال أم يساعد على تطوير معارفهم وخبراتهم؟
اخيراً إنّ التلفاز يمثل أداة تربوية ومعرفية ذات أثر مزدوج؛ فمن جهة، يمكن أن يسهم في تنمية خبرات الأطفال ومعارفهم بما يعزز اندماجهم في المجتمع إذا استُخدم بصورة متوازنة وتحت إشراف الأسرة. ومن جهة أخرى، قد يتحول إلى مصدر خطر في حال غياب التوجيه الأسري والرقابة، لاسيما إذا احتوى على مضامين تتعارض مع المنظومة القيمية للمجتمع. ومن ثَمّ، ورغم قوة تأثير التلفاز في تشكيل شخصية الطفل واتجاهاته منذ المراحل المبكرة، تبقى الأسرة والمدرسة والمؤسسات الاجتماعية الأخرى أطرًا أساسية مكمّلة في صياغة القيم والسلوكيات وتنظيم عملية التنشئة الاجتماعية(8).
ــــــــــــــــ
(1) محمد، عبد الحميد، نظريات الإعلام واتجاهات التأثير:235.
(2) عز الدين عطية، التلفزيون والصحة النفسية للطفل:53.
(3) هالة، إبراهيم الجرواني، انشراح إبراهيم المشرفي: 20.
(4) فاروق محمد العادلي، التنشئة الأسرية للطفل القطري:29.
(5) معصومة المطيري، أثر وسائل الإعلام العربية على نشأة الطفل وعلاقته بالأسرة: 5.
(6) أبو معال عبد الفتاح، أثر وسائل الإعلام على تعلم الأطفـال وتثقيفهـم: 133.
(7) الطيب عيساني رحيمة، مدخل إلى الإعلام والاتصــال:106-107.
(8) محي الدين، أحمد حسين، التنشئة الاجتماعية وأهميتها من منظور سيكولوجى: 62.