100%
ذاكرة الأمم

الشيلان حكاية مكان متحف يجمع بين طياته تراث النجف الاشرف وثورة العشرين

علي بنيَان
مُنقب آثار/ الهيئة العامة للآثار والتراث
 
المصدر:
مجلة الولاية – العدد 195 – الصفحة (95)

 
تبقى الأماكن شواهد على أحداث مات أهلها وانقضى زمانهم وأُحيلت على رفوف النسيان، لتكون علامة استفهام للأجيال القادمة وذريعة لسرد الحكايات من الآباء الى الأبناء، فمنها تنطلق الحكايات التي ارتبطت بهذه الأماكن وبالرجال الذين لعبوا أدوارًا مهمة في الماضي، والتي تشكل جزءًا من ماضينا.
 
إنَّ المتاحف بوصفها مؤسسات تعليمية تهتم بحفظ التراث المحلي لمنطقة ما أو بلد معينة، أصبحت من ضروريات المدن والبلدان فهي الخازن الأمين لهذا الماضي المتمثل بالتراث المادي وغير المادي.
كما لها دور اقتصادي فهي قبلة للسياحة على نوعيها الداخلية والخارجية، والتي تعمل على تصدير ثقافة البلاد أو المنطقة من عادات وتقاليد وحرف وتاريخ للعالم من خلال روّاد المتاحف.
وأنّ المجلس الدولي للمتحف ICOM)) عرّف المتحف على أن: "المتحف مؤسسة دائمة غير ربحية، تعمل في خدمة المجتمع، وتبحث في التراث المادي وغير المادي، وتجمعه، وتحفظه، وتفسّره، وتعرضه. المتاحف مفتوحة للجمهور، ومتاحة للجميع، وشاملة للجميع، وتعزز التنوع والاستدامة. تعمل المتاحف وتتواصل مع المجتمعات المحلية بأخلاقيات ومهنية، بمشاركة مجتمعية، مقدمةً تجارب متنوعة للتعليم والمتعة والتأمل وتبادل المعرفة(1)".

في هذا السياق، يبرز خان الشيلان بوصفه شاهدًا على أحداث عصفت بالتاريخ العراقي الحديث، وكان لها دور بارز في رسم مستقبله وصورته الخاصة، وذلك من خلال ارتباطه بالواقع السياسي لمدينة النجف الاشرف.
خان الشيلان، هذا الصرح العمراني المميز الذي يتصدر الواجهة المعمارية لمركز المدينة التاريخي بعمارة فريدة، لا ينافسها سوى تصميم وريازَة المرقد العلوي، لما تتميز به من عناصر جمالية كالمقرنصات التي تزين العقود، والآجر المزجج الذي يُشكل في بعض واجهاته بأشكال هندسية مميزة.
 
تسميته، وإنشاؤه:
إنّ لفظة الشيلان كلمة تركية قوقازية يراد بها محل أو دار الضيوف. ولها استعمال باللغة الفارسية بمعنى الضيافة، "وهو بناء مرتفع يراد به عند الاطلاق على محل الضيافة كالمضيف الشائع في العراق(2)".
ويرى الباحثون في الإشارة الى أنّ الشيلان يراد به محل الاصطياف، إذ كان بناًء ضخمًا أو محل أشجار عالية او هواؤه نقي فتستعمل هـذه اللفظـة(3).
عُرفت في النجف الأشرف ثلاثة مبانٍ سميت بخان الشيلان، الأول منها كان دار استراحة للعمال الذين شيدوا سور النجف الأخير عام 1811م، ويقع في محلة العمارة بالقرب من مقام الإمام زين العابدين(عليه السلام) ومجاور الجهة الغربية لمسجد ومرقد أُثيب اليماني (صافي صفا)، بُنيَ بأمر الصدر الأعظم محمد حسين العلاف خارج السور، والذي أزيل بعد التوسعة التي شملت معظم محلة العمارة في عهد النظام السابق(4).
أما الثاني فقد بُنيَ عام 1836م من قبل سادن العتبة العلوية المقدسة الملا يوسف، الذي كان ملاصقاً للصحن العلوي من جهة الشرق، ومجاور للباب الرئيس المقابل للسوق الكبير، وقد أزيل نهائياً بفتح الشارع المحيط بالصحن عام 1949م(5).
خان الشيلان الثالث ذو الجدران العالية مهيب النظرة، الذي يقع في محلة البراق، بداية شارع الخورنق. الذي أنشأه معين التجار، الحاج محمد عبد الرحيم آغا البوشهري، وقد قام بالإشراف على بنائه السيد أحمد الزكي واكتمل بناؤه عام 1899م، أي الأيام الأخيرة للدولة العثمانية في العراق؛ ليكون محطة استراحة وإيواًء للزائرين الذين يزورون مدينة النجف الأشرف قاصدين مرقد الامام علي(عليه السلام) ووادي السلام حيث المقبرة المترامية الأطراف.
إلا أنه لم يُستخدم للغرض الذي بُني لأجله، إذ قامت الدولة العثمانية آنذاك بالاستيلاء عليه وتحويله الى مقر خاص بهم، إلى أن قامت ثورة النجف التي أطاحت بالحكم العثماني بالنجف وأدّت الى تأسيس أول حكم وطني في العراق، وبذلك أصبحت النجف أول مدينة تخرج من تحت سيطرة الدولة العثمانية في عام 1915م، التي دامت سنتين، ليكون مقر هذه الحكومة.
وبعد سيطرة سلطات الاحتلال البريطاني على العراق، سيطر الإنكليز على خان الشيلان عام 1917م، ليكون المقر الرئيس للحامية البريطانية، وكانوا أيضًا يستغلون كبر مساحة باحته لتدريب الجند فيه، كما أصبح خان الشيلان سجناً للنجفيين الأحرار الذين ناهضوا السياسة الإنجليزية المحتلة، ليبقوا فيه حتى حادثة مقتل الكابتن مارشال في آذار عام 1918م وعلى اثر هذه الحادثة انسحبت الحامية من خان الشيلان؛ لتكون هذه الانتفاضة الممهد لثورة عام 1920م، وليعود خان الشيلان -للمشهد السياسي خلال مدة الثورة (ثورة العشرين) - كسجن للأسرى الانجليـز(6).
 
عمارته:
بني الخان على مساحة 2500 متر مربع، بشكل مستطيل، وبارتفاع 12 متر تقريباً، وله مدخل واحد من الجهة الغربية وقريب من الزاوية الشمالية الغربية. حيث يمتاز تصميمه المميز اذ يفضي عقد الباب إلى ممر بشكل العقد، هو استمرار للعقد ثم تليه قبة ترتكز على أربعة عقود، مزينة بالمقرنصات المزججة بطابعها الإسلامي المميز المعروف في كل العمارات الإسلامية. ومنها تتفرع إلى مرافق الخان الاخرى. الى يمين الداخل يمتد ممر مبني بطريقة العقود الممتدة لتشكل مساحة البناء للخان التي تمثلت ببناء يحيط ساحة وسطية كبيرة مكون من طابقين وتوجد أربع سلالم للارتقاء الى الطابق الأول. وفيه ايوانان كبيران متقابلان ارتفاعهما بارتفاع البناء مكشوفي الواجهة، تم إغلاقهما بواجهة من الخشب والزجاج بما يتلاءم وطبيعة المتحف.
كما ان للخان ثلاثة سراديب متباينة في المساحة وهي ميزة امتازت بها أغلب بيوت النجف الأشرف القديمة، تم تأهيلها وتنظيفها، واعتماد أحدها ليكون ضمن المسار ليعرف زائري المتحف بهذا التصميم البنائي، الذي تفتقر اليه مبانٍ عصرنا الحالي وبيوته، الذي يمتاز باعتدال درجة الحرارة صيفا وشتاءً ما يوفر حالة من الرفاهية في المساكن.
كما أنه لا بدّ لهذا الصرح المعماري المتكامل من جميع النواحي من أن يحتوي على بئر الماء الذي يرتبط مع قنوات مائية تربط أغلب آبار المدينة، التي لعبت دورًا مهمًا في تأريخ المدينة السياسي(7).
 
الشيلان متحفاً:
بقرار مهم من الإدارة المحلية في مدينة النجف الأشرف، تقرر تحويل هذا المعلم التراثي، الذي يحمل تاريخًا عريقًا مرتبطًا بالذاكرة النجفية ونضالاتها وثوراتها، إلى متحف، حفاظًا عليه وإعادة توظيفه بما يليق بمكانته وحالته التراثية.
وبعد إعادة تأهيله وإرجاعه إلى حالته الأصلية، عقب ما لحق به من تخريب وسوء استغلال من قِبَل مَن لم يقدِّر قيمته التاريخية والتراثية، حيث بدأ العمل عليه عام 2012م كجزء من مشروع النجف عاصمة الثقافة، حيث شملت أعمال التأهيل إزالة الأنقاض المتراكمة، وتنظيف السراديب، وصيانة الأجزاء المتضررة، وترميم ما تهدم منه، بما يضمن الحفاظ على هويته التراثية.
وقد حُوِّل ليكون متحفًا يحفظ في طياته تراث مدينة ذات تاريخ عريق، يحتاج إلى العديد من المتاحف المتخصصة لاستيعاب القيم التراثية التي تحملها. ورغم ذلك، فقد اقتصر على تقديم صورة عامة عن الجوانب الاجتماعية والسياسية للحياة النجفية، فضلًا عن تسليط الضوء على أبرز الشخصيات النجفيــة.
 كما يضم المتحف مقتنيات تراثية متنوعة، من الأدوات المنزلية القديمة التي انقرض استخدامها ولم نعد نراها، وصولاً إلى الحلي النسائية التي كانت النساء النجفيات يرتدينها.
وخُصِّص الطابق الثاني الجنوبي ليكون مكرّسًا لثورة العشرين، ليصبح بذلك أول مكان في العراق يوثقِّ واحدة من أهم الثورات التي صنعت تاريخ العراق الحديث والمعاصر. كما يضم الغرف التي سجن فيها الأسرى الإنكليز لمدة 120 يومًا، حيث تركوا خلفهم كتابات ورسومات ما تزال محفورة على جدران هذه الغرف، شاهدةً على استبسال أجدادنا وتصديهم للمحتلين.
أما الطابق الثاني الشمالي، فقد خُصِّص للوثائق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، التي تتجلى فيها براعة التعبير وأساليب الكتابة، إضافةً إلى صور طبعات الأختام (التي كانت تُنقش على الخواتم)، والتي تُمثلِّ جانبًا مهمًا من تاريخ المدينة وهويتها.
وأخيرًا، تميز المتحف بقاعة تحمل اسم "قاعة ثورة العشرين" أو "قاعة البانوراما"، التي تضم لوحة فنية بانورامية تجسِّد ومضات واقعية من أحداث ثورة العشرين، تبدأ من تحرير الشيخ شعلان أبو الجون، مرورًا بمعركة الرارنجية وغيرها من المحطات التاريخية، وصولاً إلى وجود الأسرى في الخان.  
وختامًا، فإن أهمية هذه الأماكن لا تكمن في كونها شواهد على الماضي فحسب ، بل في كونها تروي الأحداث التي تشكِّل ذاكرتنا الجمعية، وترسم صورًا ناصعة لحاضرنا، ما يعزِّز روح الارتباط بين الفرد والأرض التي يعيش عليها، وتسهم في خلق الهوية الثقافية للأمــم.
 
 

ــــــــــــــــ

1. موقع المجلس الدولي للمتاحف ICOM)): (https://icom.museum/en/resources/standards-guidelines/museum-definition/)

2. الطريحي، محمد كاظم، النجف الاشرف مدينة العلم والعلماء :48.

3. الجبوري، كامل سلمان، سدانة العتبة العلوية المقدسة، مجلة افاق نجفية، العدد 19، السنة الخامسة، 2010م:183.

4. حرز الدين، محمد علي، مراقد المعارف:383.

5. المظفر، محسن عبد الصاحب، مدينة النجف الاشرف (دراسة في نشأتها وعلاقاتها الإقليمية): 130.

6. الحسني، عبد الرزاق، ثورة النجف:35 -38.

7. زيارة ميدانية للمتحف.