100%
بلسانٍ علويٍّ مُبين

مَسْكُوكَات أميرِ المؤمنينَ عليٍّ (عليه السلام) (الْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ) اختيـاراً

د. عمَّار حسن عبد الزهرة

وزارة التربية/ المديريَّة العامَّة للتربية في كربلاء

 

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 198 – الصفحة (47)

 

يميل اللسان العربي إلى الإيجاز بالتعبير، ويحذف كلَّ ما من شأنه أن يدلَّ دليلٌ عليه أو تُرشد قرينة إليه، ولذلك غالبًا ما تشيع فيه العبارات الموجزة ذات التكثيف الدَّلالي والتراكم المعنوي، وعند مراقبة اللسان العربي، ولا سيَّما الذي يتَّسم بالإبداع، فإنَّنا نجده يسير باتِّجاهين:

الأوَّل: الإيجاز باللفظ على أقصى ما يكون، والآخر: تراكم دلالي بأعلى ما يكون، وهذه الميزة تُعدُّ من مواطن المباراة في الفصاحة والبلاغة، ومن يتميَّز بها يتصدَّر الوعي اللغوي ويرتفع مقامه في الأداء البياني، على أنَّنا لا نقول: إنَّ المقامات تستدعي الإيجاز في كلِّ حال؛ ولكنَّه سمةٌ بارزةٌ ولا ننفي أن يكون للإطناب مواطنه التي يحسن فيها.

 

وما يهمُّنا من الإيجاز هو تلك العبارات التي حملت بين طيَّاتها دلالاتٍ عميقةً بمعانٍ واسعةٍ وبألفاظٍ موجزة، وهي ما تُسمَّى في علم اللغة (الحديث) بالمسكوكات اللغويَّة، التي ما إن يتفوَّه بها أصحابها حتَّى تنتشر بين المتكلمين، فيستسيغونها؛ لما تحمل من بعدٍ معنويٍّ يختصر حوادث ودلالات طويلة بألفاظٍ موجزة، ومن روَّادها في اللغة العربيَّة أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب(عليه السلام)، الذي يُعدُّ كلامه إمام البيان ما خلا كلام الله تعالى وكلام رسوله(صلى الله عليه وآله)، وممَّا ورد عنه بهذا الصدد ما جاء في قوله: ((الْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ))(1)، وهذه مسكوكة لغويَّة اختصرت مساحات واسعة من المعاني، واستساغتها الجماعة اللغويَّة، فانتشرت على لسانها لما تحمل من مستويات في التلقي والتعبير.

وهذه المسكوكة تعدُّ «من أشرف الكلام وأحسنه، وأكثره معنى وأخصره؛ لأنَّك لا تعرف الرجل حق معرفته إلَّا إذا خاطبته وسمعت منطقه، ولذلك قال بعضهم وقد سئل في كم تعرف الرجل؟ قال: إن سكت ففي يوم، وإن نطق ففي ساعة»(2)، وقيل فيها أيضًا: ((ارتجل عليُّ بن أبي طالب(عليه السلام) تسع كلمات، قطعت أطماع البلغاء عن واحدة منهنَّ: ثلاث في المناجاة، وثلاث في العلم، وثلاث في الأدب... وأمَّا التي في العلم فقوله: المرء مخبوء تحت لسانه، ما ضاع امرؤ عرف قدره، تكلموا تُعرفوا))(3)، وهي من الكلمات التي قيل فيها: ((أيمن جواهر الكلام، وأيتمن حقائق البلاغة، وقطعن أطماع المحاولين عن اللحاق بهنَّ))(4).

وهي إحدى كلمات أمير المؤمنين(عليه السلام) الأربع اللآتي قال فيهنَّ: ((قلتُ أربعًا أنزلَ اللهُ تَعالى تَصديقي بِها في كتابِهِ، قلتُ: المرءُ مَخبوءٌ تحتَ لسانِهِ فإذا تكلَّمَ ظهرَ، فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠]))(5)، وهو ما أكَّده الثعالبي (ت: ٤٢٩ هـ): ((وقوله0: المرءُ مخبوءٌ تحت لسانه، مقتبسٌ من قصَّة يوسف(عليه السلام)، ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾))(6)، وأكَّده أيضًا علي بن زيد البيهقي (ت: ٥٦٥ هـ) بما نقله بقوله: ((إنَّ قول المرء مخبوءٌ تحت لسانه، مأخوذ من قول الحقِّ تعالى: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنـا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾))(7).

 

خير شاهد:

صار المفسِّرون بعد ذلك يتَّخذون من هذه المسكوكة شاهدًا تفسيريًّا في قصَّة يوسف(عليه السلام)، ولا سيَّما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾، ومنهم ابن عطيَّة الأندلسي (ت: ٥٤٦ هـ) ومن ذلك قوله: «وهذا الذي أمّ يوسف(عليه السلام) بتثبته في السجن، أن يرتقي إلى أعلى المنازل، فتأمَّل أنَّ الملك قال أولا - حين تحقق علمه - ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف: 50] فقط، فلما فعل يوسف ما فعل، فظهرت أمانته وصبره وعلو همَّته وجودة نظره قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾، فلمَّا جاءه وكلمه قال: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ فدلَّ ذلك على أنَّه رأى من كلامه وحسن منطقه ما صدق به الخبر أو أربى عليه؛ إذ المرء مخبوء تحت لسانه»(8)، واستشهد بها أيضًا أحمد محمود خليل الشوابكة في بيانه للمورد المذكور آنفًا من سورة يوسف(عليه السلام) فقال: «فقد كان يُوسُفُ(عليه السلام) مِلءَ الأُذن كما هو ملء العين، وملء المسامع والنُّهى، وحقًّا الحديثُ أدلُّ على الرجل من لباسِه، وصدقًا المرءُ مخبوء تحت لسانه»(9)، وكذلك جعلها جابر بن موسى ممَّا يترشَّح عن معاني الآيات الكريمة التي جاءت في سورة يوسف(عليه السلام)(10)، فكانت شاهدًا تفسيريًّا في بيان كلام الله تعالى ومراده.

ولم يقف الأمر عند حدود الآية محلَّ النظر، بل تجاوز ذلك إلى أن تكون شاهدًا تفسيريًّا في آياتٍ أخرى، ومن ذلك ما أورده الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ) عندما اتَّخذ منها شاهدًا تفسيريًّا لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ* عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾[الرحمن: 3 - 4] فقال: ((ولم يقل: وعلمه البيان، إذ جعل قوله: (عَلَّمَهُ) تفسيرًا لقوله: خَلَقَ الْإِنْسَانَ؛ تنبيهًا أن خلقه تعالى إيَّاه هو تخصيصه بالبيان الذي لو توهم مرتفعًا عنه لكانت الإنسانية مرتفعة، ولذلك قيل: ما الإنسان لولا اللسان إلّا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة، وقيل: المرء مخبوء تحت لسانـه))(11).

ولم يقف الأمر عند حدود القرآن الكريم بل تجاوزه إلى السنَّة النبويَّة فجعلها القرَّافي (ت: ٦٨٤هـ) شاهدًا دلاليًّا في شرحه لأحد أقوال النبيّ محمَّدࡴ فقال: «وَسَادِسُهَا أَنَّ قِيمَةَ الْإِنْسَانِ مَا يُعلمهُ لَا مَا يَعْلَمُهُ؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): الْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ»(12).

وانتشرت هذه المسكوكة في كلام النَّاس، ونظموا في ضوئها شعرًا، ومن ذلك ما نقله ابن أبي الحديد (ت: ٦٥٦ هـ) في قوله: «هذه إحدى كلماته(عليه السلام) التي ...لا يُقدَّر قدرها، والمعنى قد تداوله الناس قال:

 

وكائن ترى من صامـــتٍ لك معجِبٍ        زيــــادتُه أو نقصـــُه في التكلّـــمِ

لســانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فـــؤادهُ        فلم يبقَ إلا صـــورةُ اللحمِ والـدمِ

 

وما يهمُّنا من الإيجاز هو تلك العبارات التي حملت بين طيَّاتها دلالاتٍ عميقةً بمعانٍ واسعةٍ وبألفاظٍ موجزة، وهي ما تُسمَّى في علم اللغة (الحديث) بالمسكوكات اللغويَّة، التي ما إن يتفوَّه بها أصحابها حتَّى تنتشر بين المتكلمين، فيستسيغونها؛ لما تحمل من بعدٍ معنويٍّ يختصر حوادث ودلالات طويلة بألفاظٍ موجزة، ومن روَّادها في اللغة العربيَّة أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب(عليه السلام)، الذي يُعدُّ كلامه إمام البيان ما خلا كلام الله تعالى وكلام رسوله(صلى الله عليه وآله)، وممَّا ورد عنه بهذا الصدد ما جـــاء في قولـــه: ((الْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ))(1)، وهذه مسكوكة لغويَّة اختصرت مساحات واسعة من المعاني، واستساغتها الجماعة اللغويَّة، فانتشرت على لسانها لما تحمل من مستويات في التلقي والتعبير.

وهذه المسكوكة تعدُّ «من أشرف الكلام وأحسنه، وأكثره معنى وأخصره؛ لأنَّك لا تعرف الرجل حق معرفته إلَّا إذا خاطبته وسمعت منطقه، ولذلك قال بعضهم وقد سئل في كم تعرف الرجل؟ قال: إن سكت ففي يوم، وإن نطق ففي ساعة»(2)، وقيل فيها أيضًا: ((ارتجل عليُّ بن أبي طالب(عليه السلام) تسع كلمات، قطعت أطماع البلغاء عن واحدة منهنَّ: ثلاث في المناجاة، وثلاث في العلم، وثلاث في الأدب... وأمَّا التي في العلم فقوله: المرء مخبوء تحت لسانه، ما ضاع امرؤ عرف قدره، تكلموا تُعرفوا))(3)، وهي من الكلمات التي قيل فيها: ((أيمن جواهر الكلام، وأيتمن حقائق البلاغة، وقطعن أطماع المحاولين عن اللحاق بهنَّ))(4).

وهي إحدى كلمات أمير المؤمنين(عليه السلام) الأربع اللآتي قال فيهنَّ: ((قلتُ أربعًا أنزلَ اللهُ تَعالى تَصديقي بِها في كتابِهِ، قلتُ: المرءُ مَخبوءٌ تحتَ لسانِهِ فإذا تكلَّمَ ظهرَ، فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠]))(5)، وهو ما أكَّده الثعالبي (ت: ٤٢٩ هـ): ((وقوله0: المرءُ مخبوءٌ تحت لسانه، مقتبسٌ من قصَّة يوسف(عليه السلام)، ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾))(6)، وأكَّده أيضًا علي بن زيد البيهقي (ت: ٥٦٥ هـ) بما نقله بقوله: ((إنَّ قول المرء مخبوءٌ تحت لسانه، مأخوذ من قول الحقِّ تعالى: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنـا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾))(7).

 

خير شاهد:

صار المفسِّرون بعد ذلك يتَّخذون من هذه المسكوكة شاهدًا تفسيريًّا في قصَّة يوسف(عليه السلام)، ولا سيَّما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾، ومنهم ابن عطيَّة الأندلسي (ت: ٥٤٦ هـ) ومن ذلك قوله: «وهذا الذي أمّ يوسف(عليه السلام) بتثبته في السجن، أن يرتقي إلى أعلى المنازل، فتأمَّل أنَّ الملك قال أولا - حين تحقق علمه - ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف: 50] فقط، فلما فعل يوسف ما فعل، فظهرت أمانته وصبره وعلو همَّته وجودة نظره قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾، فلمَّا جاءه وكلمه قال: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ فدلَّ ذلك على أنَّه رأى من كلامه وحسن منطقه ما صدق به الخبر أو أربى عليه؛ إذ المرء مخبوء تحت لسانه»(8)، واستشهد بها أيضًا أحمد محمود خليل الشوابكة في بيانه للمورد المذكور آنفًا من سورة يوسف(عليه السلام) فقال: «فقد كان يُوسُفُ(عليه السلام) مِلءَ الأُذن كما هو ملء العين، وملء المسامع والنُّهى، وحقًّا الحديثُ أدلُّ على الرجل من لباسِه، وصدقًا المرءُ مخبوء تحت لسانه»(9)، وكذلك جعلها جابر بن موسى ممَّا يترشَّح عن معاني الآيات الكريمة التي جاءت في سورة يوسف(عليه السلام)(10)، فكانت شاهدًا تفسيريًّا في بيان كلام الله تعالى ومراده.

ولم يقف الأمر عند حدود الآية محلَّ النظر، بل تجاوز ذلك إلى أن تكون شاهدًا تفسيريًّا في آياتٍ أخرى، ومن ذلك ما أورده الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ) عندما اتَّخذ منها شاهدًا تفسيريًّا لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ* عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾[الرحمن: 3 - 4] فقال: ((ولم يقل: وعلمه البيان، إذ جعل قوله: (عَلَّمَهُ) تفسيرًا لقوله: خَلَقَ الْإِنْسَانَ؛ تنبيهًا أن خلقه تعالى إيَّاه هو تخصيصه بالبيان الذي لو توهم مرتفعًا عنه لكانت الإنسانية مرتفعة، ولذلك قيل: ما الإنسان لولا اللسان إلّا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة، وقيل: المرء مخبوء تحت لسانـه))(11).

ولم يقف الأمر عند حدود القرآن الكريم بل تجاوزه إلى السنَّة النبويَّة فجعلها القرَّافي (ت: ٦٨٤هـ) شاهدًا دلاليًّا في شرحه لأحد أقوال النبيّ محمَّد(صلى الله عليه وآله) فقال: «وَسَادِسُهَا أَنَّ قِيمَةَ الْإِنْسَانِ مَا يُعلمهُ لَا مَا يَعْلَمُهُ؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): الْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ»(12).

وانتشرت هذه المسكوكة في كلام النَّاس، ونظموا في ضوئها شعرًا، ومن ذلك ما نقله ابن أبي الحديد (ت: ٦٥٦ هـ) في قوله: «هذه إحدى كلماته(عليه السلام) التي ...لا يُقدَّر قدرها، والمعنى قد تداوله الناس قال:

 

وكائن ترى من صامـــتٍ لك معجِبٍ     زيــــادتُه أو نقصـــُه في التكلّـــمِ

لســانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فـــؤادهُ     فلم يبقَ إلا صـــورةُ اللحمِ والـدمِ

 

وكان يحيى بن خالد يقول: ما جلس إلي أحد قط إلا هبته حتى يتكلم، فإذا تكلم إما أن تزداد الهيبة أو تنقص»(13).

واستشهد بها العلماء والأدباء في أثناء شرحهم لبعض مزايا الإنسان وفضائله، ومنهم ابن بسام الشنتريني (ت: ٥٤٢هـ) في بيانه لأجلِّ النعم، التي ينعمها الله تعالى على عبده، ومنها اللسان فقال: «ولسان مبين يفيضه عليه فيعرب به عن نفسه، ويكشف عن حقيقة ذاته، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وقال ﴿سَلَقُوكُمْ بألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وقال: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصـامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]، وقال: قيمة كل امرئ ما يُحسن، وقال: المرء مخبوء تحت لسانه»(14)، وفي موضعٍ آخر يستشهد بها أيضًا في بيانه للعلَّة التي يختار الملوك أن يُربُّوا أبناءهم على قسوة العيش بدلًا من العيش الرغيد فيقول: «قال عليّ (عليه السلام): قيمة كلّ امرئ ما يحسن، وقال: المرء مخبوء تحت لسانه، ولذلك كانت الملوك تعدل ببنيها عن التنعم إلى شظف العيش، وتدني محالّهم من البادية، وتبوئهم منازل الفصاحة، لتحتدّ أفئدتهم، وتمتدّ ألسنتهم، وينسابوا في لصاب الدّهاء، ومزاحف النكراء، فيجيدوا الحزّ، ويطبّقوا المفصل، ويسوسوا النوب، ويكبتوا الخصوم، ويخرجوا من الغمّاء، ويمضوا قدما في الـشنعــاء»(15).

ومن الاستشهادات أيضًا ما نقله شمس الدين المقدسي (ت ٧٦٣هـ) بقوله: «وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: وَلَا يَصْلُحُ لِلْكَلَامِ عَلَى الْعَوَامّ مُلْحِدٌ وَلَا أَبْلَهُ، وَكِلَاهُمَا يُفْسِدُ مَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ الْإِيمَانِ، وَقَالَ: الْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَنْكَشِفَ قَصْدُهُ مِنْ صَفَحَاتِ وَجْهِهِ وَقَلْبِهِ أَوْ لِسَانِهِ»(16).

ويبدو أنَّ هذه المسكوكة انتشرت على ألسن النَّاس ولا سيَّما الكتَّاب والأدباء، فاستشهدوا بها في أثناء كلامهم، وممَّن استشهد بها أيضًا المناوي (ت ١٠٣١هـ) في قوله: «فعلى العاقل سيَّما الفاضل أن يميِّز بين أشكال الكلام قبل النطق؛ ليكون على بصيرة من نفسه وبيِّنةٍ من ربِّه... لأنَّ المرء مخبوء تحت لسانه، وهو المنبئ عن شأنه فحاله مستور مـــــا لم يتكلم»(17)، وكذلك فعل الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني (ت ١١٨٢هـ) عندما بيَّن أهميَّة الصمت في محلِّه فقال: «"الصمت زين للعالم"؛ لما فيه من الوقار وحسن السمت والتحفظ عن السقطات، فإنَّ من كثرت لفظاته كثرت سقطاته، (وستر للجاهل)؛ لأنَّ المرء مخبوء تحت لسانه كما قاله الوصي (كرَّم الله وجهه)، وهو مخبر عن شأنه، فحاله مستور ما لم يتكلم»(18)، ومنهم أيضًا السجلماسي (ت: ١٢٩٠ هـ) بقوله: «وقد علمت أعزك الله أن اللذة انبساط باختلاس، وأكل اللذات استنباط حكم همم الجلاس، لأنَّ همة المرء ميزان عقله، وبرهان فضله، وأكثر ما تظهر في قوله، المرء مخبوء تحت لسانه»(19).

 

دلالات ليس لها حدود:

أمَّا دلالاتها فممَّا لا يمكن حصره عند حدودٍ معيَّنة، نستطيع الإحاطة بها في هذه المقام، ولكن سنذكر بعضَ ما قيل فيها: «قوله: المرء مخبوء تحت لسانه، ما يتصوَّره الإنسان بذهنه يتخيَّل له الفاظًا دالَّة بالوضع عليها. فيكون دلالة اللفظ على المعنى الَّذي في الذهن كدلالة الكتابة على اللَّفظ. فبالكتابة يعرف اللَّفظ، واللَّفظ مخبوء تحت الرّقوم، يعني رقوم الكتابة، والمعنى مخبوء تحت اللَّفظ. واللَّسان آلة النّطق، كما أنَّ القلم آلة الكتابة»(20)، وقيل فيها أيضًا: «وقال (عليه السلام): المرء مخبوء تحت لسانه، فاستعار لفظ المخبوء له: باعتبار أنَّه لا يظهر مقداره حتَّى يتكلَّم فيعرف كالمخبوء»(21)، وممَّا قيل فيها أيضًا: «إنَّ المرء مخبوء تحت لسانه، والمقصود من جهة "تحت" إنَّما هي الجهة الوهميَّة لا المكانية، وإنَّما خصَّصها بجهة "تحت"؛ لأنَّ العبارة التي هي المقصود من وضع اللسان لما كان سببًا يكشف لذلك الستر، ويظهر معرفة المرء من خباء الجهل به إلى ظاهره بالانتقاش في أذهان المختبرين، وكان السبب أعلى من المسبب، لا جرم كان المسبب الذي هو المعرفة تحت سببه الذي هو اللسان المشار إليه»(22)، وكذلك قيل في دلالاتها: «أي حاله مستورة في عدم نطقه، فحذف المضاف للعلم به، وتحت لسانه كناية عن سكوته، وذلك أنَّ مقداره بمقدار عقله، ومقدار عقله يعرف من مقدار كلامه؛ لدلالته عليه، فإذا تكلَّم بكلام الحكماء ظهر كونه حكيمًا، أو بكلام السفهاء عرف كونه منهم، وما بين المرتبتين بالنسبة»(23)، وقيل في شرحها أيضًا: «يعني أنَّ الرَّجل إذا تكلَّم يظهر كونه فصيحاً أو معجماً، عالماً أو جاهلًا، خيراً أو شرّاً، وإن لم ينطق كان جميع ذلك مستوراً عليه عند العامَّة، ثمَّ الظاهر أنَّ السُّكوت عمَّا يشعر بفساد الرأي وقبح العقائد من شعب الاعتدال في القوَّة الفكريَّة، وعمَّا يشعر بالهتك والترفُّع والغلبة والذَّم في أعراض النَّاس من شعب الاعتدال في القوَّة الغضبيَّة، وعمَّا يشعر بالميل إلى المستلذَّات والمشتهيات من شعب الاعتدال في القوَّة الشهويَّة والهذر المقابل له من شعب الانحراف في هذه القوى»(24).

ممَّا سبق يظهر كيف أنَّ أمير المؤمنين(عليه السلام) قد أحاط بفنون الكلام، وتحكَّم بأساليب الفصاحة، فكان كلامه سيِّد الكلام بعد كلام الله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وآله) بلا منازع، وكيف لا يكون كذلك وكلامه فرعٌ عن كلام الله تعالى، مقتبسٌ من مفاهيمه، ينبع من روافده، كما نصَّ عليه العلماء، ولذلك كان كلامه شاهدًا في كلِّ علوم اللغة.

 

 

ــــــــــــــــ

1. المبرد، الفاضل: 6، الشريف الرضي، نهج البلاغة: 497، الثعالبي، الإعجاز والإيجاز: 34، ابن حجر، الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة: 2/379.

2. أبو الحسين إسحاق بن وهب الكاتب، البرهان في وجوه البيان: 58.

3. ابن شمس الخلافة، الآداب النافعة بالألفاظ المختارة الجامعة: 16، بهاء الدين، الكشكول: 170 - 171.

4. أبو حيان التوحيدي، البصائر والذخائر: 2/14.

5. الشيخ الطوسي، الأمالي: 494، الشجري، ترتيب الأمالي الخميسية: 1/177.

6. الثعالبي، الاقتباس من القرآن الكريم: 1/189، ظ: ابن شهر آشوب، المناقب: 2/48.

7. علي بن زيد البيهقي، تاريخ بيهق: 355.

8. ابن عطية الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: 3/255.

9. أحمد محمود خليل الشوابكة، غرر البيان من سورة يوسف (عليه السلام) في القرآن: 123.

10. جابر بن موسى، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير (ومعه حاشية نهر الخير): 2/624.

11. الراغب الأصفهاني، الذريعة إلى مكارم الشريعة: 191 - 192.

12. القرَّافي، الذخيرة: 1/46.

13. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، (ت: ٦٥٦ هـ): 19/340.

14. علي بن بسام الشنتريني، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة: 1/226.

15. المصدر نفسه: 1 - 2/180.

16. شمس الدين المقدسي، الآداب الشرعية والمنح المرعية: 2/85.

17. عبد الرؤوف بن تاج العارفين، فيض القدير شرح الجامع الصغير: 4/241.

18. محمد بن إسماعيل الأمير، التَّنويرُ شَرْحُ الجَامِع الصَّغِيرِ: 7/72.

19. السجلماسي، إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس: 4/173.

20. علي بن زيد البيهقي، معارج نهج البلاغة: 431 - 432.

21. ابن ميثم البحراني، اختيار مصباح السالكين: 616.

22. ابن ميثم البحراني، شرح مئة كلمة لأمير المؤمنين(عليه السلام): 64.

23. ابن ميثم البحراني، شرح نهج البلاغة: 5/327.

24. مولى محمد صالح المازندراني، شرح أصول الكافي: 1/238.