100%
بلسانٍ علويٍّ مُبين

استراتیجیات الإمام علي (عليه السلام) لإزالة المفاسد الاقتصادية

د. أصغر طهماسبي البلداجي

جامعة الشهركرد إيران/ قسم علوم القرآن والحديث

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 202 – الصفحة (37)

 

 

تشير المفاسد الاقتصادية إلى الآفات التي تهدد الأمن الاقتصادي، فضلا عن الخسائر الشخصية والاجتماعية، وتكون عقبة خطيرة إزاء خلق فرص العمل والإنتاج، وترتبط بعض هذه الآفات بالحياة الفردية وبعضها الآخر يرتبط بالحياة الاجتماعية.

ومن أهم استراتيجيات العمل للقضاء على المفاسد الاقتصادية التي انتهجها أمير المؤمنين (عليه السلام) ما يأتي:

 

محاربة الفساد الاقتصادي:

للفساد الاقتصادي عديد من الحالات التي يمكن أن توجد في أي مجتمع، ويتعارض الفساد الاقتصادي مع الاقتصاد الإسلامي فيضرب الاقتصاد السليم والديناميكي ضربة، وتعد التجارة غير الصحيحة وكسب الدخل غير المشروع من أبرز الأمثلة على الفساد الاقتصادي.

إن القرآن الكريم يحرم الاقتصاد غير الصحيح والزائف، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾[النّساء/29]، في هذه الآية المباركة يُعرف أكل الأموال بطريقة كاذبة حراما، وفي مقابل ذلك يوصى بالتجارة السليمة والمتبادلة.

وفي التعاليم الدينية يُعدّ الربا والقمار والغلاء والسرقة والاختلاس أمثلة على الاقتصاد غير الصحيح والفساد الاقتصادي، وقد أكد الدين الحنيف على مكافحتها والقضاء عليها من المجتمع، وفي نهج البلاغة يُعدّ الاحتكار أحد أبرز أشكال الفساد الاقتصادي في المجتمع، إذ يمكن أن يتسبب الاحتكار في المواقف الحساسة بأضرار جسيمة لاقتصاد الأسرة والمجتمع، ففي الرسالة (53) من نهج البلاغة في كتاب من أمير المؤمنين إلى مالك الاشتر طالبه الإمام (عليه السلام) بمعالجة الأضرار الاقتصادية في المجتمع، بما في ذلك: الاحتكار والغلاء، لأن هذه القضايا تعطل النظام الاقتصادي للمجتمع، وتضر باقتصاد الشعب، فيقول (عليه السلام)عن هذا: ((واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً وشحاً قبيحاً واحتكاراً للمنافع وتحكماً في البياعات، وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة، فامنع من الاحتكار فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله)منع منه، وليكن البيع بيعاً سمحاًً بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع، فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكل به وعاقبه في غير إسراف‏))(1)، بالإضافة إلى هذه التأكيدات وبحسب بعض الروايات عارض الإمام أيضاً مع المحتكرین.

لقد وردت في السيرة العلمية للإمام علي (عليه السلام) عدة روايات عن تحريم الاقتصاد غير الصحيح والانتباه إلی الانضباط الاقتصادي، إذ تتسبب الخسائر الاقتصادية في المجتمع في اضطراب الأسواق الاقتصادية وعدم استقرار الأسعار، وأن الغلاء والاحتكار والربا فضلا عن انتشار الاقتصاد غير الصحيح في المجتمع وزيادة الفجوة الطبقية تضرب الطبقة الفقيرة والمتوسطة، فيتسبب الاختلاس على نطاق واسع في إلحاق أضرار باقتصاد البلاد وخسارة للخزينة، مما يؤدي أيضاً إلى أضرار ثقافية واجتماعية.

إن وضع القوانين المتماسكة والملاءمة في هذا الصدد وتعزيز الهيئات التنظيمية والتنفيذية في السوق والنظام الاقتصادي يمكن أن يساعد في تقليل الخسائر الاقتصادية.

 

اختيار العملاء المناسبين والإشراف عليهم:

لا يمكن للمجتمع الإسلامي أن يعيش من دون القوانين، فإن وجود العملاء ومنفذي القانون ضروري في منطقة واسعة من المجتمع الإسلامي، وتؤكد تعاليم الإسلام على اختيار أنسب الأشخاص للمناصب الحكومية والتنفيذية في المجتمع الإسلامي، إذ إن وجود عناصر فاسدة في المجتمع الإسلامي وفي المناصب الحكومية والقضائية يعني قيادة المجتمع إلى الاستبداد والشر، لذلك فإن الاهتمام بعاملي الالتزام الديني - الأخلاقي والتخصص المهني من أهم الأمور التي يجب مراعاتها عند اختيار المسؤولين، وأصل هذا الموقف هو القرآن، فعندما عرض النبي يوسف (عليه السلام) الخزانة على ملك مصر اعتبر سمتي الالتزام والتخصص لنفسه، وقدم نفسه على أنه يستحق لقبول هذا المنصب:﴿قالَ اجْعَلْني‏ عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفيظٌ عَليمٌ﴾[یوسف/55]، وتظهر سیرة الحكومة للنبي الكريم(صلى الله عليه وآله)والإمام علي(عليه السلام) الاهتمام الكامل بهذين العنصرين واختيار الأفاضل للمناصب الحكومية، وبسبب هذه الاختيارات كان هناك كثير من المعارضة لهم، إذ يطلب الإمام علي (عليه السلام) في خطابه من مالك الاشتر اختيار أفضل الأشخاص بوصفهم مسؤولين، وهم أكثر بروزا من حيث المعرفة والرحمة: ((ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً ولا تولهم محاباة وأثرة فإنهم جماع من شعب الجور والخيانة وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام المتقدمة، فإنهم أكرم أخلاقاً وأصح أعراضاً وأقل في المطامع إشرافاً، وأبلغ في عواقب الأمور نظراً))(2).

يعبّر الإمام علي (عليه السلام) في أبعاد مختلفة عن الخصائص المهمة للعمیل والمسؤول في المجتمع إذ يتمتع بالحياة البسيطة وأسلوب الحياة كباقي الناس، واستقرار الشخصية في أثناء السلطة والثروة والاهتمام بشؤون الناس، الوعي الكامل بمشكلات المجتمع، اللطف مع الناس والتواضع تجاههم، المساواة مع الجميع وعدم التفريق بينهم، حتى في النظرة إليهم، والالتزام الكامل بالعدالة وإقامة الحق، هذه من أهم الخصائص لعملاء الحكومة التي قد أكد عليها الإمام علي(عليه السلام)في مناسبات عدة.

بالإضافة إلى الاختيارات الجيدة لعملاء الحكومة، كان للإمام علي (عليه السلام) يؤكد على الإشراف الوثيق والمتماسك عليهم، بمعنى آخر أن اختيار العمیل جزء من القضية، والإشراف علی عمله جزء آخر، ومن العبارات التي تمكن رؤيتها في رسائل نهج البلاغة عبارة "فقد بلغني" التي تدل على أن الإمام (عليه السلام) كان له السيطرة المطلقة على شؤون عملائه، حتی في عصر لم تكن فيه أخبار عن التقنيات الحديثة، وبهذه المراقبة الدقيقة أشار الإمام(عليه السلام) إلى عيوب وكلائه وأمرهم بتصحيحها، إذ إن رسائله (عليه السلام)إلى محمد بن أبي بكر، وبعض العملاء، وإلى عثمان بن حنيف والي البصرة، وإلى عبدالله بن قيس وسهل بن حنيف الأنصاري، كانت من الرسائل التي تظهر بوضوح أن الإمام (عليه السلام) كان لديه أقصى درجات العناية والإشراف على شؤون عملائه، لذلك يمكن أن يكون الاختيار والإشراف الدقيق للعملاء الأكفاء، الذين يتولون مسؤوليات مهمة في المجتمع، عاملاً مهماً في تحقق الأمن الاقتصادي.

 

خلق ثقافة الاستعمال الأمثل للنعم الإلهية:

هناك عامل مهم آخر في تحقق الأمن الاقتصادي هو خلق ثقافة الاستعمال السليم للبركات الإلهية، ففي كثير من الحالات دعا القرآن الكريم الناس إلى حسن استعمال النعم، وحذر من الإسراف والتبذير كما في قوله تعالى: ﴿وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفينَ﴾[الاعراف/31].

ومن أهم الأمثلة على تحريم الإسراف العيش البسيط وعدم الانتماء للكماليات، فالحياة البسيطة هي إحدى العادات الإسلامية، والترف والميل إلى الطقوس من العقبات البارزة بوجه إصلاح أنماط الاستهلاك والتقدم الاقتصادي، إذ إن الوقوع في فخ الطقوس والكماليات ليس سوى الابتعاد عن الإنتاج.

لقد أكد الإمام علي (عليه السلام) في تعاليمه على الاستخدام الصحيح من جهة والقناعة من جهة أخرى، فهاتان ركيزتان مهمتان لاقتصاد الأسرة والمجتمع، ففي الثقافة العلوية أكد (عليه السلام) علی بساطة الحياة في جميع طبقات المجتمع، وفي نهج البلاغة هناك رسائل عدة دعا فيها الإمام (عليه السلام) حكامه في المجتمع الإسلامي إلى الحياة البسيطة والقناعة، ویقول في تحريم الإسراف والنصح بالاكتفاء والعيش البسيط: ((فدع الإسراف مقتصداً واذكر في اليوم غدا وأمسك من المال بقدر ضرورتك وقدم الفضل ليوم حاجتك أترجو أن يعطيك الله أجر المتواضعين‏))(3)، والسبب في التأكيد على القناعة والعيش البسيط وتحريم الإسراف هو الآثار المهمة لهذه الحالات على اقتصاد الأسرة على المستوى الجزئي واقتصاد المجتمع على المستوى الكلي.

إن في نهج البلاغة الاعتدال والرضا فهو مفتاح القضاء على الفقر والحرمان كما في قوله (عليه السلام): ((القناعة مال لا ينفد))(4) وقوله (عليه السلام)أيضاً: ((كفى بالقناعة ملكاً وبحسن الخلق‏ نعيماً وسئل (عليه السلام) عن قوله تعالى - فلنحيينه حياة طيبة فقال هي القناعة))(5)، لذلك تعد محاربة الإسراف والرفاهية والتأكيد على الرضا وبساطة الحياة في سیرة الإمام علي (عليه السلام) من أهم سبل تحقيق الأمن الاقتصادي في الحياة.

 

 

 

 

 

-------------------------

1- نهج البلاغة، رسالة 53.

2- المصدر نفسه.

3- المصدر نفسه: الرسالة 21.

4- المصدر نفسه: حكمة 57.

5- المصدر نفسه: حكمة 229.