م.م آسيا كاظم عبيد
جامعة الكوفة / كلية الآداب
المصدر: مجلة الولاية – العدد 196 – الصفحة (91)
تعد مدينة النجف الأشرف محط أنظار العالم، فهي مدينة العلم والعلماء وحاملة
لواء الفقه والأدب والشعر، إذّ جادت النجف على العالمين العربي والإسلامي بآلاف
العلماء والمؤرخين، فأصبحت أنظار العالم تتجه صوبها، إذ أخذ نورها يشع للعالم
بأكمله؛ واخذ الدرس فيها سمة يتميز به العلماء على مرّ العصور، فتفوقت على غيرها
من المدن الاسلامية المقدسة، فساعد ذلك على ظهور عدد من رجال الدين المصلحين، من
أبرزهم محمد رضا المظفر، الذي سعى لإعادة البناء الفكري المحلي ودفعه باتجاه
الحداثة، والبحث عن أثر المدينة في الساحة الفكرية المحلية والدولية، ما أدى إلى
بروز أثر النجف المؤثر ثقافيًا واجتماعيًا وسياسيًا في كثير من الأحداث، لتتجاوز
القيود القديمة من أجل مواكبة التحديث، الذي بدأ يفرض نفسه ضمن إطار التجديد.
أسس التعليم الديني في مدرسة النجف وتطوراته:
امتازت مدرسة النجف بأسلوبها الفكري الذي طبعته الكوفة بطابعها، طابع
الآداب العربية، والعلوم الإسلامية، والروح العلوية، ومع أفول مدرسة الكوفة وظهور
النجف استوعبت هذه المدينة ما كان في الكوفة من فكر وتراث علمي، حتى برزت بوصفها
مدرسة جديدة مع منتصف القرن الخامس الهجري سنة (448هـ)، بداية النصف الثاني من
القرن الحادي عشر الميلادي بعد هجرة الشيخ الطوسي(1) إليها، إذّ استقرت
المركزية العلمية فيها، ومع بداية القرن الثالث عشر الهجري النصف الثاني من القرن
الثامن عشر الميلادي استقرت في منهجها الأصولي(2)، أما من حيث أسلوب
التعليم في مدرسة النجف العلمية، فقد كان على شكل حلقات على وفق ما يناسب الطالب
والأستاذ، وبالكتب التي يتم الاتفاق عليها، وتتم الدراسة على ثلاث مراحل هي
المقدمات، والسطوح، والبحث الخارجي، وهذه الدراسة غير محددة بزمن معين أو مكان
معين، أو استاذ ما، أو منهج ما، فضلاً عن أنها مجانية، وبجانب ذلك ظهرت كثير من
الدعوات لتطوير المدرسة العلمية، وكان من أوائل المنادين بضرورة التطوير السيد
محسن الأمين، إذ اشار إلى ملاحظات التعليم في هذه المدرسة وتقدمها نحو الأفضل،
وعلى أثر ذلك أسس الشيخ محمد جواد الجزائري(6) جمعية نقابة الاصلاح
العلمي عام (1905)، غايتها تأسيس الجامعة الإسلامية، وهي مؤسسة علمية تهدف إلى نشر
المعرفة بالشكل الذي يحقق صلة الطالب مع العلوم الحديثة، من دون إهمال مناهج
التعليم الديني(7)، وكان من ثمارها أن بدأت المدارس الحديثة تجد طريقها
إلى النجف، فتم تأسيس المدرسة العلوية عام(1909)، ثم المدرسة المرتضوية عام(1910)
وبعدها مدرسة الغري الأهلية سنة (1921) ومع تأسيس هذه المدارس تشكل نظام تعليمي
جديد يختلف كلياً عن المناهج القديمة المتبعة في التعليم السابق إذ حظي بالقبول
لدى شريحة واسعة من المجتمع، ورجال الدين من أبناء النجف، ومع تأسيس الدولة
العراقية وسعيها لنشر التعليم الحديث بكل صوره، وتأكيدها على اعتماد مناهج ونظم
مدرسية حديثة، نتج عنها الشعور بتقليدية التعليم وقدم المناهج والأساليب المتبعة
فيه وتعقيدها(8)، وفي سياق الأحداث تصدى جماعة من طلبة العلوم من
العاملين في النجف لتطوير المدارس العلمية وتنظيمها على وفق متطلبات العصر،
فأقدموا سنة (1925) على تأسيس (جمعية الشبيبة العاملية النجفية)، كان من أبرز
اعضائها علي زين، ومحمد شرارة، ومحسن شرارة، وحسين مروة، وهاشم الأمين(9).
وقد أدت هذه التطورات التي وجهت إلى أساليب التعليم ومناهجه إلى بروز
اتجاهات عدة، وقد كان هناك مسار وسطي يمكن أنّ نصفه بالمعتدل، إذ يدعو إلى التوفيق
ما بين القديم في أصالته، والحديث في تجدده، وأبرز من مثله الشيخ محمد حسين
المظفر، والسيد علي بحر العلوم، الشيخ محمد رضا المظفر وآخرون غيرهم، وقد أستمر
هذا التيار المعتدل يسير بتأن وسرية تامة لتحقيق تعليم ديني، يستوعب ما مطلوب من
تجديد وحداثة، وقد احتاج هذا التيار خمس سنوات، لكي يحقق مشروعه التطوري، الذي
تمثل بتأسيس جمعية منتدى النشر(10).
الدور الريادي للشيخ المظفر في الدراسة الدينية:
ولد أول مشروع تطويري للتعليم الديني عن طريق مشروع المنتدى، إذ قدّم
مجموعة من أفاضل النجف وأدبائها طلباً بواسطة متصرفية لواء كربلاء، يرومون فيه
تأسيس منتدى علمي إسلامي باسم منتدى النشر، غايته الاعتناء بالثقافة الإسلامية
والعلمية، والاصلاح الاجتماعي عن طريق النشر والتأليف والتعليم، ففي (8مايس1935)
وافقت وزارة الداخلية على طلب التأسيس وإجازة الجمعية، وبناء على ذلك اجتمعت
الهيأة العامة في مركز الجمعية لإجراء انتخابات الهيأة الإدارية، وفاز كل من محمد
جواد الحجامي معتمداً، ومحمد رضا المظفر كاتباً عامًا، وعبد الهادي حموزي محاسباً،
وموسى بحر العلوم أمينًا للصندوق(11)، واستمر انتخاب الهيأة الإدارية
حتى حُلّت مع باقي الجمعيات والنوادي العراقية استناداً إلى مرسوم رقم(19)
الذي صدر في (22أيلول1954) على عهد وزارة نوري السعيد الثانية عشرة، والذي تقرر
فيه حل جميع الجمعيات والنوادي العراقية، وفي حال رغب القائمون بها إعادة تشكيلها،
فإن عليهم تقديم طلبات جديدة لهذا الغرض، وبناء على ذلك قُدم طلب لإعادة تأسيسها
مرة أخرى، إذ افتتحت الجمعية عدة فروع لها بعد إدخال تعديل على نظامها الأساسي
يتيح لها حق فتح الفروع في سائر المدن العراقية، وبالفعل تم فتح فروع للجمعية في
مدن البصرة، والحلة، وكربلاء، والكاظمية في الأعوام (1944-1945)، واستمرت فروع
الجمعية في أعمالها حتى عام (1954) حينما رفضت مديرية الجمعيات في وزارة الداخلية
طلب إعادة التأسيس لإستمرار عمل فروع المنتدى(12).
بدأت جمعية منتدى النشر بالعمل بالشطر الثاني من مهمتها الثقافية، وهي
تنظيم الدراسة الدينية ففي عام (1936) بدأت بفتح الصف الأول، الذي كان يدرّس فيه
علوم (الفقه الاستدلالي، والتفسير، وعلم الأصول، والفلسفة)، إلا أنه لم يُكتب له
الاستمرار في العام الدراسي التالي , وفي عام (1938) تمكنت الجمعية من فتح ثلاثة
صفوف، واعتبر الطلاب المتخرجون من الصف السابق طلاباً للصف الثالث، وبلغ عدد
طلابها (150) طالباً، وقد حصل المنتدى على اعتراف وزارة المعارف نهاية العام
الدراسي (1939-1940) إلا أنه لم يستمر أكثر من خمسة أشهر، ثم تمكنوا من إعادة
اعتراف الوزارة بالمنتدى مرة أخرى بفضل جهود المؤيدين، وفي عام (1943) قدم عدد من
الوجهاء طلباً إلى وزارة المعارف يرومون فيه افتتاح مدرسة ابتدائية بستة صفوف تتبع
في إدارتها جمعية منتدى النشر، وفي عام (1942) قررت الجمعية فتح ثانوية منتدى
النشر، وكلية منتدى النشر، شملت المدرسة الثانوية على أربع مراحل دراسية بحسب ما
معمول في التعليم الرسمي آنذاك، ويسبقها صف تحضيري(13)، أما المواد
التي تدرس فهي موضحة بحسب ما يأتي:
الصف التحضيري: النحو، والفقه، والقرآن الكريم، والمحفوظات، والحساب،
والإملاء، والإنشاء، والمطالعة، والدين.
الصف الأول: النحو، والصرف، والفقه، والعقائد، والمحفوظات،
والمطالعة، والإنشاء، والإملاء، والحساب، والمنطق، والبلاغة.
الصف الثاني: النحو، والصرف، والفقه، والعقائد، والمحفوظات،
والمطالعة، والإنشاء، والحساب، والمنطق، والبلاغة.
الصف الثالث: النحو، والصرف، والفقه، والعقائد، والمنطق،
والبلاغـــة، وتاريخ الأدب العربي، والتاريخ الإسلامي، والإنشاء.
الصف الرابع: النحو، والفقه، وعلـــم الكلام، والمنطق، والبلاغة،
وتاريخ الأدب العربي، وأصول الفقه، وتفسير القرآن الكريم، والتاريخ الإسلامي، وعلم
الهيأة، والإنشاء.
أما الكلية فهي ذات ثلاث مراحل دراسية، وتتكون متواصلة مع الدراسة الثانوية
ومكملة لها، وتدرس فيها المواد التالية:
الصف الخامس: الفقه، وتفسير القرآن الكريم، وأصول الفقه، وتاريخ
الأدب العربي، وعلم الكلام، والنحو، والحديث، والأخلاق، والتاريخ الإسـلامي.
الصف السادس: الفقه، وعلم الكلام، وأصول الفقه، وتفسير القرآن
الكريم، والحديث، والأخلاق، والتاريخ الإسلامي(14).
الصف السابع: الفقه، وأصول الفقه، وتفسير القرآن، وعلم الكلام،
والحديث، والأخلاق، والتاريخ الإسلامي.
ثم نشطت الجمعية باتجاه خطباء المنابر عن طريق فتح صف خاص لتعليم الخطباء
فن الخطابة، فتعرض المشروع إلى اخذ ورد، وقد نتج عن ذلك إنهاء المشروع واستقالة
محمد الشريعة المسؤول عنه(15)، وعلى الرغم من الهزات التي عصفت
بالجمعية ومحاولات تقييد نشاطها، إلا أنها تمكنت من تأسيس كلية للدراسات الدينية
باسم (كلية الفقه) سنة (1957)، واعترفت بها وزارة المعارف في (30 تشرين الثاني
1958) وكانت مدة الدراسة فيها أربع سنوات بعد الدراسة الاعدادية(16)،
وتم البدء بالعمل لقبول الطلبة فيها وتسجيلهم، فتم قبول (45) طالبًا في الدورة
الأولى، وتمت المباشرة بالدوام أول مرة بتاريخ (19كانون الثاني 1959) في بناية
الجمعية الواقعة جنوب الباب الشرقي بجانب الصحن الشريف، وخلال مسيرة الكلية يمكن
القول أنها أسهمت في تطوير نظامها الدراسي، وخلق نظام تعليمي جديد ضيّق الشق بين
التعليم العلماني الخاضع لسيطرة الدولة، وبين المدرسة التقليدية القديمــة.
تطوير الواقع التعليمي:
كان للواقع الفكري والاجتماعي والسياسي والاقتصادي المتمثل بالتعليم الديني
والأهلي، وانتشار المكتبات، والمطابع، والصحافة، والمجالس الأدبية وغيرها من
القنوات المعرفية، أثرها في انتشار الوعي الثقافي والسياسي لدى المجتمع المحلي،
الذي ساعد على ظهور طبقة من المثقفين التي سعت لتحسين الأوضاع الفكرية للمدرسة
التعليمية في النجف عن طريق تأسيس مدارس تنتهج تعليما يجمع بين التعليم التقليدي
والتعليم الحديث، فحقق وعياً متنامياً ومستمراً لدى الأجيال الناشئة، ما أدى إلى
بروز عدد من رجال الدين الذين اسهموا في تطوير الواقع التعليمي في المدينة أمثال
الشيخ المظفر الذين عملوا على تأسيس جمعيات تهدف إلى تطوير الدراسة التعليمية
وجعلها تسير في خط موازي للتعليم الحديث، فأدت تلك المدارس دوراً ثقافيًا
واجتماعيًا مهمًا، بعدها أصبحت مراكز لتوعية الشباب والمجتمع على حد سـواء.
ــــــــــــــــ
1. هو أبو جعفر بن محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي، ولد في طوس إحدى
مراكز خرسان المهمة، درس علوم اللغة والأدب والفقه، وفي الثالثة والثلاثين من عمره
هاجر إلى بغداد، درس فيها على يد الشيخ المفيد، والحسين بن عبيد الله الغضائري،
والشريف المرتضى، له مؤلفات كثيرة منها كتاب (الرجال) و(الفهرس)، حسن عيسى الحكيم،
الشيخ الطوسي أبو جعفر محمد بن الحسن: 385- 460
2. علي الشرقي، الأحلام: 56-57.
3. الشيخ محمد رضا المظفر(-1964): هو محمد رضا بن عبد الله بن احمد بن
الصميري الجزائري المظفر، ولد في مدينة النجف، درس على يد علمائها أمثال عبد النبي
المظفر، والميرزا حسين النائيني وغيرهم، وحصل على إجازات في الفقه والأصول
والفلسفة، كان له اهتمام كبير في الإصلاح والتوجيه الاجتماعي، له مؤلفات في الفقه
والمنطق والفلسفة منها (أصول الفقه) و(المنطق) و(السقيفة) وغيرها. حسين كاظم عزيز
الشمري، الشيخ محمد رضا المظفر وجهوده العلمية، رسالة ماجستير:5-20.
4. محسن الأمين الحسيني العاملي، معادن الجواهر ونزهة الخواطر في علوم
الأوائل والاواخر: 36-38.
5. نور الدين، الدراسة في النجف، مجلة الغري: 526-527.
6. وهو الشيخ محمد جواد بن علي بن كاظم بن جعفر الأسدي
الجزائري(1882-1963): ولد في النجف ودرس في، ساهم بمعظم الأحداث السياسية في
النجف. حسين باقر مرزة، الشيخ محمد جواد الجزائري ونشاطه السياسي، بحث ضمن كتاب
محسن محمد محسن، البطل الثائر محمد جواد الجزائري مؤسس النهضة الإسلامية: 41-49.
7. محمد حسن القاضي، موسوعة النجف الاشرف:9/ 70-71.
8. عبد الستار شنين الجنابي، تاريخ النجف الاجتماعي: 496.
9. حسن عيسى الحكيم، المفصل في تاريخ النجف الأشرف:18/11.
10. محمد مهدي الآصفي، مدرسة النجف وتطور الحركة الإصلاحيـة فيهـا:125
11. د. ك. و، ملفات وزارة الداخلية، ملف منتدى النشر في النجف،
المرقمة(9896)، وثيقة رقم(132):(154).
12. عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية:9/ 175-176.
13. محمد رضا المظفر، منتدى النشر أعماله وآماله:8-9.
14. أحمد مجيد عيسى، مجلة الإيمان: 133.
15. المصدر نفسه: 135.
16. عبد الستار شنين الجنابي، تاريخ النجف الاجتماعي: 373-374.