100%
الصِّراطُ المُستقيم

الرفق بالرعية

هيئة التحرير

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 201 – الصفحة (54)

 

لقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) حريصاً على التعامل بالرفق والحسنى بين الناس، وتطبيق الأخلاق الحميدة والكريمة بين الحاكم المحكوم على أجمل وجه، لا على التسلط على رقاب الآخرين.

فحرص (عليه السلام) ان يتولى شؤون رعيته بنفسه، ولاسيما الضعفاء والفقراء والمساكين، فكان يتجول بنفسه في أزقة الكوفة، وقد وضع غراوة على ظهره مليئة من رزق الله، ليوصلها إلى الأكباد الخاوية والأفواه الجائعة.

فقد روي: ((نظر علي (عليه السلام) الى امرأة على كتفها قربة ماء، فأخذ منها القربة وحملها إلى موضعها، وسألها عن حالها فقالت: بعث عليّ زوجي الى بعض الثغور، فقتل وترك عليّ صبيانًا يتامى، وليس عندي شيء، فقد ألجأتني الضرورة إلى خدمة الناس.

فانصرف الإمام (عليه السلام) وبات ليلته قلقًا، فلما أصبح حمل زنبيلًا فيه طعام فقال بعضهم: أعطني أحمله عنك.

فقال (عليه السلام): من يحمل وزري عني يوم القيامة.

فأتى وقرع الباب.

فقالت: من هذا؟

قال: أنا ذلك العبد الذي حمل معك القربة، فافتحي الباب فان معي شيئًا للصبيان.

فقالت: رضي الله عنك، وحكم بيني وبين علي بن ابي طالب.

فدخل وقال: إني أحببت اكتساب الثواب فاختاري بين أن تعجنين وتخبزين وبين أن تعللين الصبيان.

فقالت: أنا بالخبز أبصر وعليه اقدر، ولكن شأنك والصبيان فعللهم حتى افرغ من الخبز.

قال فعمدت إلى الدقيق فعجنته، وعمد علي (عليه السلام) إلى اللحم فطبخه وجعل يلقم الصبيان من اللحم والتمر، فكان كلما ناول الصبيان من ذلك شيئًا قال له: يا بني اجعل علي بن أبي طالب (عليه السلام)في حل مما امر في امرك.

فلما اختمر العجين، أسجر علي (عليه السلام) التنور، وكان يقرب وجهه لتلفحه النار ويقول: ذق يا علي طعم النار، فهذا جزاء من ضيع اليتامى والأرامل.

وإذا بامرأة قد دخلت ذلك المنزل، وكانت تعرف عليًا (عليه السلام)، فلما رأته بادرت مسرعة لصاحبة الدار ثم قالت لها: ويحك! هذا إمام المسلمين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

فقصدته مذهولة وهي تقول: وا حيائي منك يا أمير المؤمنين! اعف عني!

قال (عليه السلام): بل وا حيائي منك يا أمة الله، فيما قصرت في أمرك وأمر يتاماك))(1).

 

---------------

1- المجلسي، بحار الأنوار: 41/52.