د. تحسين فاضل عباس
جامعة الكوفة/ كلية الآداب
المصدر: مجلة الولاية – العدد 202 – الصفحة (14)
إنّ اتخاذ القرار يعتمد على ثلاثة أشياء: الدّماغ (الذي يفرز الأمور العقلانية والمنطق)، والقلب (الذي يفرز الأمور العاطفية)، والأمعاء (التي تعتمد على الإشارات والايعازات العصبية)، وبعض الاشخاص يستعمل الدماغ فقط، فتكون تصرفاته منطقية، وبعضهم يستعمل القلب فقط، فيكون سلوكهم عاطفيًا، والثالث يستعمل الأمعاء فقط، عندما يشعر بعدم الارتياح من أمر ما تظهر الأوجاع في بطنه مثلًا، وبعض الأشخاص يشرك المصادر الثلاثة معًا وغالبًا يكون قرارهم متوازنًا صحيحًا.
من اللافت أن يعزى كثير من الصفات والطبائع البشرية إلى(القلب)، فهو سلطان الجوارح التي تعمل عنده؛ لأنه مصدر الفهم والعاطفة معًا، ويوكل إليه ما يأتي: من الحزن والغضب والجبن، والجحود، والخشوع والذّكر، والرقة والقساوة، والعزم والعزيمة، والفكرة والتفكر، والوعي، والاقرار، والقوة، والكبرياء، والمحبة والعداوة، والنسيان، والعمى(1).
والقلب أهم من الدّماغ؛ لأن موضع الجهل والغفلة هو القلب، فوجب أن يكون موضع العقل والفهم أيضًا هو القلب، وهو أنّا إذا جرّبنا أنفسنا وجدنا علومنا حاصلةً في ناحية القلب؛ ولذلك فإنّ الواحد منّا إذا أمعن في الفكر وأكثر منه أحسّ من قلبه ضيقًا وضجرًا حتّى كأنّه يتألّم بذلك، وهو ما يدلّ على أنّ موضع العقل هو القلب، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون المكلّف هو القلب؛ لأنّ التّكليف مشروطٌ بالعقل والفهم الآخر وهو أنّ القلب أوّل الأعضاء تكوّنًا، وآخرها موتًا، واحتجّ من قال العقل في الدّماغ بأمرين:
أحدها: أنّ الحواسّ الّتي هي الآلات للإدراك نافذةٌ إلى الدّماغ من دون القلب.
وثانيها: أنّ الأعصاب الّتي هي الآلات في الحركات الاختيارية نافذة من الدماغ من دون القلب، ونحن نجد التّعقّلات من جانب القلب لا من جانب الدّماغ.
من هنا يتأدى الأثر من القلب إلى الدّماغ، ثمّ الدّماغ يحرّك الأعضاء بواسطة الأعصاب النّابتة منه، فلا يبعد أن يكون سلامة الدّماغ شرطًا لوصول تأثير القلب إلى سائر الأعضاء، والقلب إنّما يعتدل مزاجه بما يستمدّ من الدّماغ من برودته، فإذا لحق الدّماغ خروجٌ عن الاعتدال خرج القلب عن الاعتدال أيضًا، إمّا لازدياد حرارته عن القدر الواجب، أو لنقصان حرارته عن ذلك القدر فحينئذٍ يختلّ العقل.
والعرب كانت تستعمل كلمات منها: (القلب واللبّ والفؤاد) للتعبير عن العواطف والأفكار(2)، والعقل يعبر عنه بالقلب؛ لأن العرب وغيرهم من الأمم في العصور القديمة كانت تعتقد أن القلب هو مركز العقل.
وقد ورد في بعض الروايات أن العقل موضعه الدماغ، كما جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((موضع العقل الدماغ، ألا ترى أن الرجل إذا كان قليل العقل قيل له: ما أخف دماغك))(3)، وقد ورد في بعض الروايات: إن العقل موضعه القلب كما في الرواية الواردة عن الإمام الصادق (عليه السلام) أيضًا: ((العقل مسكنه في القلب))(4).
ولا تعارض بين هذه الروايات، لأن كلمة (القلب) في النصوص القرآنية تأتي للدلالة على المعاني الروحية والعقلية والنفسية، وليس مجرد العضو المادي، ويمكن تلخيصها في معانٍ رئيسة:
1.العقل والإدراك: كمركز للفهم، والتعقل، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلَم يَسِيرُواْ فِي الأَرضِ فَتَكُونَ لَهُم قُلُوب يَعقِلُونَ بِهَآ أَو ءَاذَان يَسمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج: 46] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلبٌ﴾ [ق: 37].
2.الروح والنفس: الموصوفة بالطمأنينة تارة، بالإيمان أو الكفر أخرى، مثل قوله تعالى:﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 28]، وكقوله سبحانه:﴿وَإِذ زَاغَتِ الأَبصَٰرُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِر﴾ [الأحزاب: 10].
3.المركز الروحي: مصدر للانفعالات وموطن المشاعر والعواطف، مثل الخوف والحب والبغض، قال تعالى: ﴿وَلَو كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلبِ لَانفَضُّواْ مِن حَولِكَ﴾ [آل عمران: 159] وقوله جل وعلا:﴿سَأُلقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعبَ﴾ [الأنفال: 12].
4.بمعنى الصدر: كوعاء يحتوي على المشاعر والأحاسيس، ويأتي أحيانًا بعبارات مثل: قوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾.
والقلب بالمعنى الرابع هو المبدأ الأساسي لجميع إدراكات الإنسان، والروايات التي اعتبرت القلب مسكنًا للعقل تشير إلى هذا المعنى، وفي مثل هذه الحالة يقع (الدماغ) – كما هو الحال بالنسبة للحواس الخمس – في طول القلب لا في عرضه، واستنادًا إلى هذه الرؤية يمكن القول إن موضع العقل هو الدماغ؛ لأن إدراكات الإنسان تنتقل إلى الروح عن طريق الدماغ، ويصح القول بأن مسكن العقل هو القلب؛ لأن القلب إذا كان بمعنى الروح يكون مبدأ لجميع الادراكات الحسية والعقلية والمعارف الشهودية(5).
ممّا تقدم نفهم سبب ارتباط المسائل العاطفية في القرآن بالقلب (العضو الصنوبري المخصوص)، وارتباط المسائل العقلية بالقلب (أي العقل أو الدماغ)، أضف إلى ما تقدم أنّ العضو القلب له دور مهم في حياة الإنسان وبقائه، وتوقفه لحظة يؤدي إلى الموت، فماذا يمنع أن تنسب النشاطات الفكرية والعاطفية إليه؛ لأن نسبة إدراك الحقائق في القرآن الكريم إلى القلب بوصفه عضوًا مدركًا، وليس مضخة لدفع الدم إلى البدن فحسب، وصحيح أن المركز الأصلي للإدراك و العواطف هو الروح و النفس الإنسانية، لكن المظاهر و ردود الفعل الجسمية لها مختلفة، ردود فعل الفهم والإدراك تظهر أولا في جهاز الدماغ، بينما ردود فعل القضايا العاطفية كالحب والبغض والخوف والسكينة والفرح والهمّ تظهر في القلب بشكل واضح، ويحسّها الإنسان في هذا الموضوع من الجسم(6).
وأن اللافت في البحوث الحديثة التي تترواح من عام (1991-2014) تشير إلى أن القلب يوصف بأنه (دماغٌ وظيفيٌ)، فيمكن ان يُسهم وظيفيًا من دون أن يشترك مباشرة في النظام التشريحي.
وأشار سادلر وزيدلري عام 2005 إلى أن اتخاذ القرار يعتمد على ثلاثة أشياء: الدّماغ (الذي يفرز الأمور العقلانية والمنطق)، والقلب (الذي يفرز الأمور العاطفية)، والأمعاء (التي تعتمد على الإشارات والإيعازات العصبية)، وبعض الاشخاص يستعمل الدماغ فقط، فتكون تصرفاته منطقية، وبعضهم يستعمل القلب فقط، فيكون سلوكهم عاطفيًا، والثالث يستعمل الأمعاء فقط، عندما يشعر بعدم الارتياح من أمر ما تظهر الأوجاع في بطنه مثلًا، أو بوجود الارتياح من المقابل لا تظهر الأعراض في الأمعاء، وبعض الأشخاص يشرك المصادر الثلاثة معًا وغالبًا يكون قرارهم متوازنًا صحيحًا.
وتظهر مصادر الأدلة الناشئة من مجالات طب القلب العصبي وطب الجهاز الهضمي العصبي أن كلاً من مناطق القلب والأمعاء لها شبكات عصبية معقدة وتكيفية وعملية أو ما يسميه الباحثون في هذه المجالات "الأدمغة".
وبحث في معهد (فريدماند) للدماغ للدكتور رودبيك في عام 2021 حول موضوع الاستثارة، التي هي عبارة عن تسارع في دقات القلب، وارتفاع ضغط الدم، التي تصاحب اتخاذ القرارات السيئة، عندما تكون الاستثارة شديدة.
وقد وجد العلماء في كلية الطب في إيكان، أن هناك مركزين لصنع القرار في الدماغ، تحتوي على خلايا عصبية، وظيفتها مراقبة وتحسس ديناميكية الجسم الداخلية، مثل النبض وضغط الدم وغيرها، أي ليس كل الخلايا تشترك في عملية اتخاذ القرار، وإنما بعض من هذه الخلايا عملها (مراقبة فقط) ديناميكية الجسم التي تأتي من القلب والامعاء.
وفي موضوع زراعة القلب قد قام الدكتور جاري شوارتز وزملاؤه في جامعة ييل بأبحاث ودراسات دقيقة ضمّت أكثر من 300 حالة زراعة قلب، فاتضح لهم أنه عند نقل قلب من إنسان إلى إنسان آخر، فإن القلب المنقول يأخذ معه من الذكريات والمواهب والعواطف والمشاعر والهوايات والتفصيلات الخاصة بالشخص الذي أخذ منه القلب، والتي تبدو غريبة كل الغرابة عن صفات الشخص الذي تم نقل القلب إليه، وقد نشرت نتائج بعض هذه الأبحاث في الورقة الشهيرة عام 1999 في مجلة (الطب الباطني).
خلاصة القول: إنّ العلم الحديث بدأ يثبت أن القلب هو "سلطان الجسد" المسؤول عن إدارة الانفعالات وتوجيه الفكر، مما يفسر "القلب المعنوي" الذي أشار إليه القرآن الكريم، من أن القلب "يعقل" بما فسره العلم بوجود شبكة عصبية تعمل كـ "دماغ صغير" داخل القلب أن لها دوراً في الفهم، كما يربط القرآن الكريم بين القلب والإيمان، الوجل، والرقة، وهو عين ما يوضحه العلم الحديث بأن القلب يرسل إشارات عصبية وهرمونية تؤثر مباشرة في الدماغ، مما يفسر تأثير العواطف في وظائفه.
----------------
1.الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن: 75.
2.ابن فارس، مقاييس اللغة:1/133.
3.تفسير القمي: 2/239.
4.الكليني، الكافي: 8/190.
5.ظ: محمد الريشهري، العقل والجهل في الكتاب والسنّة:41.
6.ظ: الشيرازي، الأمثل: 1/91.