100%
قُرَّة الأَعين

أثر العمل في الفكر وتوظيفه في الإصلاح الاجتماعي

الباحث نعيم حسيني

الحوزة العلمية في قم المقدسة

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 200 – الصفحة (61)

 

إن إصلاح المجتمع هو رسالة الأنبياء الإلهيين {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} [هود: 88] وهم ينفذون هذه الرسالة عن طريق التعاليم الإلهية؛ تلك الأوامر التي تُنزل عليهم بوحي إلهي، تميز الصواب من الخطأ، وهم بعصمتهم يسعون لتحقيق هذا الأمر الإلهي، وقد سلك الرسول الخاتم (صلى الله عليه وآله) هذا النهج نفسه، بأمر الله تعالى، ونستطيع أن نتعرف عليه في الآيات القرآنية الكريمة، فالقرآن الكريم كتاب صلاح وإصلاح، ويدبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أمرَ أمّته على أساسه.

 

صلاح المجتمع:

بعد رحيل النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) إلى دار البقاء، استلم الذين كانوا خلفاء الرسول حقيقةً هذه المهمةَ بقوة، ألا وهم أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، إذ كانوا في شتى المجالات والمشاهد يبيّنون ما هو صلاح الأمة والفرد، وكانوا يقومون بإصلاح أمر الأمة، بل الناس جميعاً، ويمتدّ هذا الخط إلى زماننا هذا، وكل مصلح ديني عليه أن يسير في الاتجاه نفسه.

إن كل مجتمع، ككل إنسان، يمتلك جانبين: فكري أو عقلي، وعملي أو سلوكي، والإنسان والمجتمع البشري يفكر ويعمل على أساس تفكيره، على الرغم من أن هناك من لا يعمل على فكر صحيح أو يعمل بدون أي تأمل أو تفكير، ولكن من البديهي أن الفكر والعقل يسبقان السلوك والعمل في الرتبة؛ فالفكر النقي والطاهر هو الذي يحدد مصير إيمان الفرد النهائي، والعمل والسلوك هما اللذان يحددان مدى ارتفاع هذا الإيمان: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}[فاطر/10]

لقد اهتم القرآن الكريم والروايات اهتمامًا كبيرًا بإصلاح الفكر والعقل وتنميتهما، واعتبر القرآن آياته علامات للذين (يَعْقِلُونَ)، (يَتَفَكَّرُونَ)، و(يَعْلَمُونَ)، ولهذا السبب، اعتبر الإمام الصادق (عليه السلام) العمل بغير بصيرة كالسير في غير الطريق، فلا تزيده سرعة السير إلا بُعدًا عن المقصد، يقول (عليه السلام): ((الْعَامِلُ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ، لَا تَزِيدُهُ سُرْعَةُ السَّيْرِ إِلَّا بُعْدًا))(1)، لأن الفكر والبصيرة هو الركن الأساسي في كل حركة إنسانية.

ولكن بجانب تلك النقطة، نُدرك في القرآن الكريم أولاً، وفي كلمات أهل البيت (عليهم السلام) ثانيًا، اهتمامًا كبيراً بالتذكر والانتباه إلى تأثير العمل في إيمان الفرد وفكره وتفكيره خلافاً لمرتكز أوّلي لكل شخص، إذ إن هناك عديداً من الروايات تشير إلى من فعل كذا نزع منه روح الإيمان، أو مات غير مسلم، أو ما شابه ذلك.

هذه المسألة جديرة بالاهتمام بشكل خاص في القرن الأخير، إذ اشتدت موجة هجوم حضارة الكفر المادية على الإسلام والمسلمين، هذا الهجوم يستهدف، في المقام الأول، مظاهر المجتمع والفرد، وعن طريق تغيير نمط حياتهم، يتغير تدريجيًا فكرهم أيضًا.

إن الشخص الذي تغيرت أفعاله، وتحول نمط حياته إلى شكل آخر بشكل تدريجي، يتغير فكره إلى ما يتطلبه ذلك النمط الخاص، لأن النمط له مبادئ ومبانٍ خاصة، وتظهر هذه المباني ضمن الأفعال والظواهر.

وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بدقة في آيات مختلفة، ففي الآية (24) من سورة البقرة المباركة، يشير الله تعالى إلى أنّ ضرب المثل ببعوضة قد يهدي قومًا ويضلّ آخرين؛ أي أنّ حدثًا واحدًا قد يؤدي إلى أثرين متباينين في الظاهر ، ومن ذلك قوله جل وعلا: {إِنَّ الله لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ الله بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِين}.

إذ تَذكر الآية مباشرة وبدون فاصل، سبب هذا الأمر، ألا وهو(الفسق). {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِين} [البقرة/24] والفسق، كما جاء في معجم جمهرة اللغة، هو الخروج عن الحد والقيد، ((الفِسْق أصله من قولهم: انفسقتِ الرُّطَبَة، إذا خرجت من قشرها))(2).

إن هذا أمر ثابت في حياة البشر حتى قبل الإسلام، فالإنسان الذي يعمل عملاً خلافاً لما يعرفه في البداية صحيحاً -أي بحسب فطرته أو على ما يفهم عقله- تتغير قوة تفكيره، وهذا يؤدي إلى الأخطاء الجديدة وهلمّ جرّا، فالفسق أو الخطيئة، أو الخروج عن حدود الله، أو ارتكاب الأفعال السيئة، هو العامل الذي يغير جهاز الإدراك البشري، وهذا يعني أن الفعل الخاطئ يؤثر في عقل الإنسان وفكره، فالعيش على وفق نمط حياة خاطئ وملوث بالمعاصي، يغير تدريجيًا جهاز التفكير البشري، ويؤدي في النهاية إلى النفاق والكفر.

وتؤكد هذا المعنى آية أخرى، وهي الآية العاشرة من سورة الروم في قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ الله}، إذ تُظهر هذه الآية، في تحليل معناها، أن الإنسان الذي يعتاد على ارتكاب الأفعال السيئة، يكون مصيره تكذيب آيات الله، فالإساءة من جنس العمل، والتكذيب من جنس الفكر والإيمان والاعتقاد.

لهذا السبب، تعنى الشريعة بمراقبة سلوك الإنسان وتعامله بعناية تامة، وتمنعه من الاقتراب من حدود الله ، ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى {تِلْكَ حُدُودُ الله فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187].

وعلى العكس من هذا الهجوم الكفري، يتبنى الإسلام نهجًا مشابهًا لتربية الأمة، فالعناية الجدية بالمناسك الشرعية على المستويين الفردي والاجتماعي، حتى بالنسبة لمن هو في مستوى إيماني متدنٍ، يأتي من هذه الحقيقة، وهي أن سلوك الفرد وعمله يصحّحان تدريجيًا فكره وعقله ويرفعانهما إلى مستوى عالٍ.

 

الالتزام الشرعي:

إن الالتزام الجدي بالمحافظة على المظاهر الشرعية في إطار المجتمع لا يعد مجرد تعصب ديني، بل يضمن، بصورة دقيقة وعميقة، السلامة العامة للصحة الذهنية والفكرية والإيمانية لهذا المجتمع، لذلك تأتي الإشكاليات التي نشاهد في بعض الأحيان، وهم يرون بأن ليس للعمل دون فكر فائدة من قبيل المغالطات.

إن الإسلام يتطرق إلى كلا الجانبين في آن واحد، وهما ضرورة ارتقاء الفكر، لأن المصعد إلى الله هو الكلم الطيب، وفي الوقت نفسه، یؤكد ضرورة العمل للإصلاح العام بشكل تدريجي، لأن العمل والسلوك يؤثر في الفكر ويصححه، ويمكن أن يفسده إن كان العمل من قبيل الفسق.

بناءً على هذا يتعين على المصلحين الاجتماعيين والعناصر المؤثرة في المجتمع الديني أن يعملوا في آنٍ واحد على منع ظهور الفسق والمعصية وانتشارها في المجتمع، مع العناية أيضاً بتطوير أسلوب الحياة الديني، وهنالك أسباب عدة في كيفية المنع لهذه الظاهرة، تبدأ من مرحلة النشوء والتربية للأطفال في البيت إلى مراحل تعليمهم المدرسي والجامعي، وبشكل عام كل التربية والتعليم، وكذلك انتشار الخطاب الصحيح من جانب وسائل الإعلام والدعاة وكل من له تأثير في الوعي المجتمعي، وتصل في النهاية إلى إجراء حكومي وقانوني في المنع أو المجازاة للمجرمين، كما نعرفه من فحوى مسألة الحدود الشرعية في الفقه الإسلامي.

إن الإهمال لهذه المسألة يؤدي إلى مشكلات عديدة، ومن أبرز تبعات الإهمال حدوث تغييرات جذرية في الفكر والعقيدة لدى أفراد المجتمع، ولاسيما الشباب منهم، وهي تغييرات لن يسهل تداركها أو تعويضها، وبعد ذلك لا يمكن إقامة الدين الإلهي بسهولة، أعاذنا الله شر ذلك، والله الموفق والمعين.

------------------------

1- محمد المازندراني، شرح اصول الكافي: 2/129.

2- ابن دريد، جمهرة اللغة: 2/ 847.