100%
بلسانٍ علويٍّ مُبين

مَسْكُوكَاتُ أميرِ المؤمنينَ عليٍّ (عليه السلام) – قِيْمَةُ (كُلِّ امْرِئ مَا يُحْسنُ) اختيارًا

د. عمَّار حسن عبد الزهرة

وزارة التربية/ المديريَّة العامَّة للتربية في كربلاء

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 204 – الصفحة (44)

 

إن المسكوكة اللغويَّة، هي وحدة تعبيريَّة تتكوَّن من كلمتين أو أكثر لتشكيل وحدة دلاليَّة واحدة، تغادر معناها المعجميّ إلى دلالةٍ أُخرى تختلف عن مكوِّناتها منفردة، تستسيغها الجماعة المتكلِّمة وتتداولها على نحوٍ يجعلها ثابتة غير قابلة للحذف أو التغيير، وهي تكشف عن تجارب عميقة وخبرة في الحياة مع قدرة فائقة على التَّحكُّم في اللغة وصياغة المفردات، وبذلك تكون من أهمِّ وسائل إثراء المعجم دلاليًّا، وهي لا تتهيَّأ لكلِّ متحدِّث وإنَّما تكون لفئةٍ تمتاز بدقَّة الفكر وعمق النظر، وخصوبة التجربة والخبرة في صياغة المفردات، لذا فهي نمطٌ إبداعيٌّ مخصوص بمن يتميَّز بالقدرة على الإيجاز وتكثيف المعنى والتعبير عن المواقف بألفاظٍ أو عبارات موجزة تتميَّز بالتراكم الدَّلالي والفيض المعنوي.

ومن الرُّوَّاد في صياغة المسكوكات اللغويَّة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الذي ما إن يتكلَّم حتَّى يغدو حديثه كالأمثال السائرة، ولا خلاف بين الجميع على أنَّه زعيم البلاغة العربيَّة ورئبال الفصاحة فيها بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ولا يُشكِّك في ذلك إلَّا أنوك عريض القفا.

قيمة كل امرئ فيما يحسن:

من المسكوكات اللغويَّة التي وردت عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ما جاء بقوله: ((قِيْمَةُ كُلِّ امْرِئ مَا يُحْسنُ))(1)، وهذه المسكوكة وقَّع بها أمير المؤمنين(عليه السلام) على كتاب صعصعة بن صوحان(2)، وهي من أروع ما ورد في اللغة العربيَّة، وبالحقِّ فإنَّها مسكوكةٌ من جواهر الكلام وخرائد الألفاظ وفرائد العبارات التي حقُّها أن تُخطُّ بماء الذهب، ومع ذلك فهي تُزيد الذهب شرفًا وألقًا وجمالًا، وهذا الكلام ليس بدعًا من خيالٍ أو عاطفة، ويكفيها أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) جعلها من الكلمات التي صدَّقه القرآن فيها فقال: ((قلتُ أربعًا أنزلَ اللهُ تباركَ وتَعالى تَصديقي بِها في كتابِهِ.... قلتُ: قَدْرُ - أو قالَ: قِيمةُ - كلِّ امرىءٍ ما يُحسِنُهُ، فأَنزلَ اللهُ تَعالى في قصةِ طالوتَ: (ِإنََّّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) [البقرة: ٢٤٧]))(3)، وهذا المعنى أكَّده الثعالبي (ت: ٤٢٩هـ) في فصلٍ عنونه ((فصل في كلام علي (رضي اللّه عنه) المقتبس من القرآن)) ثمَّ قال: ((يقال إنه اقتبس أحسن كلامه منه، وأنَّه فرع قوله من القرآن، مثل قوله السائر الذي هو أحكم مقال بعد كلام الأنبياء (عليهم السلام): قيمة كل امرئ ما يحسنه، فإنه مقتبس ممَّا نطق به القرآن في قصة طالوت: (قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ)))(4).

ومع ذلك يكاد يجمع أهل البلاغة والفصاحة على أنَّها من الفرائد التي لا يوجد ما يدانيها من كلام النَّاس، ومنهم الجاحظ (ت: ٢٥٥هـ) الذي شُغف بهذه المسكوكة حتَّى كرَّر التعليق عليها في أكثر من موضعٍ في كتبه، ومن جملة ما قاله في البيان والتبيين: ((فلو لم نقف من هذا الكتاب إلَّا على هذه الكلمة لوجدناها شافية كافية، ومجزئة مغنية؛ بل لوجدناها فاضلة عن الكفاية، وغير مقصِّرة عن الغاية، وأحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه))(5)، وقال في رسائله مؤكِّدًا الإجماع: ((وأجمعوا على أنَّهم لم يجدوا كلمةً أقلَّ حرفًا ولا أكثر ريعًا، ولا أعمَّ نفعًا، ولا أحثَّ على بيان، ولا أدعى إلى تبين، ولا أهجى لمن ترك التفهم وقصر في الإفهام، من قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: قيمة كل أمرئ ما يحسن))(6)، ووصفها أبو القاسم الزَّجَّاجي (ت ٣٣٧ هـ): بقوله: ((وهذا قول جامع في فنون العلم))(7)، وعلَّق أبو جعفر النَّحَّاس النحوي (ت: ٣٣٨ هـ) عليها أيضًا بقوله: ((وهذا إذا تدبر كان فيه أعظم الفائدة والحكمة؛ لأنَّ الإنسان الفرق بينه وبين البهيمة تمييزه وما يحسن، وهم يجتمعون في القوَّة والشهوة))(8).

وقال فيها الشريف الرضي (406 هـ): ((وهي الكلمة التي لا تُصاب لها قيمة، ولا تُوزن بها حكمة، ولا تُقرن إليها كلمة))(9)، وقد أكَّد ابن مسكويه (ت: ٤٢١هـ) ذلك بقوله: ((إِنَّ قَوْلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام): قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، وَقَالُوا: لَيْسَ كَلِمَةٌ أَحَضَّ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ مِنْهَا))(10)، وجاء بهذه المسكوكة ابن سنان الخفاجي (ت: 466 هـ) مثالًا على الإيجاز وإيضاح المعنى بعد الآيات القرآنيَّة فقال: ((وقد قدَّمنا ما ورد في القرآن من أمثلة ذلك؛ وإن كانت كثيرة يطول استقصاؤها، ومنه قول أمير المؤمنين (عليه السلام): قيمة كل امرئ ما يحسن، فإنَّ هذه الألفاظ على غاية الإيجاز وإيضاح المعنى وظهور حسنها يغنى عن وصفه))(11)، ونقل الخطيب البغدادي (ت:٤٦٣ هـ) عن ابن أبي الدنيا قوله: ((قال: عمرو بن بحر: لا أعلم في كلام النَّاس كلمة أحكم من هذه الكلمة))(12)، ووصفها يحيي بن حمزة العلوي (ت:٧٤٩ هـ) بقوله: ((فهذه اللفظة لا يوازيها حكمة، ولا تقوم لها حكمة))(13)، وقيل فيها أيضًا: ((إن قول علي (رضي اللّه عنه): قيمة كل امرئ ما يحسن من الكلام العجيب الخطير، وقد طار الناس به كلَّ مطير، ونظمه جماعة من الشعراء إعجابا به، وكلفًا بحسنه))(14)، وقال فيها عبد الحي أبو فلاح الحنبلي (ت: ١٠٨٩ هـ): ((ما أعرف كلمة بعد كلام الله ورسوله أخصر لفظًا ولا أكمل وصفًا، ولا أعم نفعًا من قول علي (كرم الله وجهه): قيمة كل امرئ ما يحسن))(15)، ووصفت بأنَّها ((من كَلِمَاته الغر))(16).

مثلاً للكلام البليغ:

لقد اتَّخذ علماء اللغة من هذه المسكوكة مثالًا على الكلام البليغ ذي الشأن الرفيع، فكانت شاهدًا بلاغيًّا، ومن ذلك قولهم: ((وظهور الإعجاز في الوجوه التي نبينها يكون باجتماع أمور يظهر بها للنفس أنَّ الكلام من البلاغة في أعلى طبقة، وإن كان قد يتلبَّس فيما قلَّ بما حسن جدًّا لإيجازه، وحسن رونقه، وعذوبة لفظه، وصحَّة معناه. كقول علي (رضي الله عنه): قيمة كل امرئ ما يحسن، فهذا كلام عجيب يغني ظهور حسنه عن وصفه، فمثل هذه الشذرات لا يظهر بها حكم، فإذا انتظم الكلام حتى يكون كأقصر سورة أو أطول آية ظهر حكم الإعجاز، كما وقع التحدي في قوله تعالى: (فأتوا بسورة من مثله)، فبان الإعجاز عن ظهور مقدار السورة من القرآن))(17)، وكذلك اتُّخذ شاهدًا معجميًّا على بيان دلالة لفظ (أحسن)، وذلك بما أورده أبو عبد الله محمَّد الحنفي الرازي (ت ٦٦٦هـ) بقوله: ((إنَّ أحسن بمعنى علم كما يقال: فلان لا يحسن شيئًا أي لا يعلم شيئًا، وقال علي (رضي الله عنه): قيمة كلِّ امرئ ما يحسنه أي ما يعلمه))(18).

وقد اتَّخذ الكُتَّاب من هذه المسكوكة تزيينًا لعباراتهم فزيَّنوا بها كلامهم، ومنهم الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: 175 هـ) الذي نظمها في شعره فَقَالَ(19):

لَا يَكُونُ الْسّريُّ مِثْلَ الدَّنِيِّ ... لَا وَلَا ذُو الذَّكَاءِ مِثْلَ الْغَبِيِّ

                         ......

قِيْمَةُ المَرْءِ قَدْرُ مَا يُحْسِنُ المَـ ... ـرْءُ قَضَاءً مِنَ الإمَامِ عَلِيِّ

وقال شاعرٌ آخر(20):

قال عليُّ بن أبي طالبٍ * وهو اللَّبيبُ الفطنُ المتقنُ

كلُّ امرئ قيمته عندنا * وعند أهل العلم ما يُحسنُ

وأنشد أبو الحسن بن طباطبا العلويّ متأثِّرًا بمسكوكة أمير المؤمنين (عليه السلام)(21):

حسود مريض القلب يخفي أنينه            ويُضحي كئيب البال عندي حزينه

يلوم على أن رحت في العلم راغبًا         وأجمع من عند الرُّواة فُنونه

وأملك  أبكار الكلام وعونه                  وأحفظ ممَّا أستفيد عيونه

ويزعم أنَّ العلم لا يجلب الغنى             ويحسن بالجهل الذَّميم ظنونه

فيا لائمي دعني أغالي بقيمتي               فقيمة كلِّ الناس ما يحسنونه

ولم يقف الأمر عند الشعر فحسب ، بل تعدَّى ذلك إلى النثر، وقد استشهد بهذه المسكوكة كثيرٌ من الكتَّاب والأدباء منهم محمد بن يزيد المبرد (ت: ٢٨٥ هـ) بقوله: ((ولكنَّ الله - جلَّ ذكره - لم يؤت عباده من العلم إلا قليلًا، فمن لم يكن نصيبه في ذلك القليل كالمحتوى على أكثره، ولم يكن أغلب الخصال عليه عقله، وأشرف ما يعتقده عليه تقواه لم يعدّ فاضلًا، وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): قيمة كل امرئ ما يحسن))(22)، وكذلك ما استشهد به أحمد بن يحيى القرشي (ت: ٧٤٩هـ) بقوله: ((ولقد وقفت على هذا الديوان فوجدته قد أكره ثقل التجنيس عفوه، وكدّر رنق التكليف صفوه إلّا ما ندر له من الأبيات الآهلة المغاني بأهلّة المعاني البارعة جمالًا يفتن، وكمالًا يؤذن بأنَّ قيمة كلّ امرئ ما يحسن، فإنَّها لم تخل من مثل شرود، وأمل لمن يرود أتت عليها نزعة بداوة، وجرعة زلال لم تغيِّر بأداوه))(23).

ومع كلِّ ما سبق من إجماعٍ على أنَّ هذه المسكوكة لا يعادلها كلام ولا يصل لها حديث بعد كلام الله تعالى ورسوله، يأتي ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ) فيصرُّ على أنَّ هذه المسكوكة من كلام العامَّة، ويأتي بتعديلٍ عليها يدَّعي أنَّه كلام العارفين فيقول: ((ولهذا تقول العامّة: قيمة كلّ امرئ ما يُحسن، والعارفون يقولون: قيمة كلّ امرئ ما يطلب))(24)، ثمَّ صار يُكرِّر هذه المقولة في كتبه(25)، وكأنَّه يُجاهد من أجل أن يُثبِّت ذلك في نفوس النَّاس، بعد ما رأى أنَّ هذه المسكوكة سحرت الأدباء والكُتَّاب، فأراد أن يُخلخل اعتقادهم بها؛ تبعًا لمنهجه المريض اتِّجاه أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام)، الذي يظهر من ذكره له (عليه السلام)من دون أي وصفٍ أو ترضٍِّ، فيقول نافيًا لهذه المسكوكة عنه، وكأنَّه بلباس المدافع: ((ولهذا يقول بعض الناس ويحكونه عن علي: قيمة كل امرئ ما يحسن، ولا يصح هذا عن علي. ويقول أهل المعرفة: قيمة كل امرئ ما يطلب))(26).

وصار أتباعه يردِّدون فريته من بعده(27) التي لم أجد أحدًا سبقه فيها، على أنَّ ما جاء به واضح البطلان ولا يحتاج إلى أيِّ برهان، فكيف تكون قيمة المرء بما يطلب لا بما يُحسن، فكلُّ النَّاس تطلب الرفعة وعلوَّ المنزلة والقيمة والسؤدد، وما فيه نوائل الشرف؛ ولكن لا يثبت إلَّا لمن يُحسن ذلك، ثمَّ هل من يطلب العلم أو صنعة أو أيَّ شيء من الفضائل كمن يُحسنها؟ وحتمًا أنَّ الشخص إنَّما يُحسن ذلك بعدما ابتدأ بطلبه، وليس كلُّ من يطلب ينتهي بأن يحسن ما طلبه؛ بل يأتي ذلك لفئةٍ قليلةٍ دائمًا بحسب التجربة والواقع.

-----------------------

1-ابن قتيبة، عيون الأخبار: 2/136 ، الباقلاني، إعجاز القرآن: 68 .

2-ابن عبد ربَّه، العقد الفريد: 4/288 .

3-الشجري، ترتيب الأمالي الخميسية: 1/177 ، نبيل سعد الدين سَليم جَرَّار، الإيماء إلى زوائد الأمالي والأجزاء - زوائد الأمالي والفوائد والمعاجم والمشيخات على الكتب الستة والموطأ ومسند الإمام أحمد: 5/153 – 154 ،

4-الثعالبي، الاقتباس من القرآن الكريم: 1/189 .

5-الجاحظ، البيان والتبيين: 1/87 .

6-الجاحظ، رسائل الجاحظ: 3/29 .

7-الزَّجَّاجي، الإيضاح في علل النحو: 96 .

8-أبو جعفر النَّحَّاس، عمدة الكتاب: 317 ، ينظر: شمس الدين المقدسي، الآداب الشرعية والمنح المرعية: 1/356.

9-الشريف الرضي، نهج البلاغة: 482 .

10-ابن مسكويه، الهوامل والشوامل سؤالات أبي حيان التوحيد لأبي علي مسكويه: 235 .

11-ابن سنان الخفاجي، سر الفصاحة: 211 .

12-الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: 6/178.

13-العلوي، الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز: 1/88 .

14-محمَّد بن علي الأزرق الحميري، روضة الأعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام: 1/192 .

15-ابن العماد العَكري الحنبلي، شذرات الذهب في أخبار من ذهب: 3/131.

16-زين الدين أبو يحيى السنيكي، المنفرجتان (شعر ابن النحوي والغزالي): 136 .

17-أبو الحسن الرماني، النكت في إعجاز القرآن: 78 .

18-زين الدين الحنفي الرازي، أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل: 408 .

19-الماوردي، أدب الدنيا والدين: 36 ، المستعصمي، الدر الفريد وبيت القصيد: 8/382 .

20-البيهقي، المحاسن والمساوئ: 293 .

21-المصدر نفسه.

22-المبرد، الفاضل: 7/132 .

23-أحمد بن يحيى، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار: 15/477 .

24-ابن تيمية، النبوات: 1/410 .

25-ابن تيمية، جامع المسائل (آثار شيخ الإسلام ابن تيمية): 5/265 .

26-ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل: 9/411 .

27-ظ: ابن قيم الجوزية، مدارج السالكين في منازل السائرين: 3/495 ، الخضير، دروس الشيخ عبد الكريم الخضير: 29/8 .