د. زيد العكايشي
جامعة جابر من حيان
المصدر: مجلة الولاية – العدد 199 – الصفحة (61)
سارت أغلب الدراسات الأكاديمية وغيرها في تعقّب تاريخ المساجد المباركة، والأضرحة المقدّسة في العالم الإسلامي، وأغلبها دراسات موفقة حفظت لنا تأريخ التراث العربي والإسلامي، عبر توثيق الحالات العمرانية من أمّات الكتب والمصادر المتناثرة(1).
ولم تقتصر مهام هؤلاء العلماء على توثيق حركة الإعمار والبناء السارية مع تتابع الأيام والعصور، وتبيان ما يطرأ عليها من تغيرات فحسب، بل مالت جهودهم إلى وصف العمران وصفاً دقيقًا، إذ غلب على كلماتهم النمط الوصفي لتخطيطها، وذكر ما زاد عليها في كل عمارة جديدة، بحيث تمظهرت بنقل أوصاف الدهاليز والممرات، وكأنّهم يعطون الخرائط كما في الهندسة المعمارية الحديثة، ولم تخلُ مدوناتهم وصحائفهم من أدب الجدران: الذي يضم الأدب والصور المرسومة، والمنقوشات والزخارف الفنية، وعلى الرغم من تتابعها وكثرة ورودها، إلا أن الاختلاف وقع في تسميته، فقديماً أطلقوا عليه الكتابة على الحائط أو الجدران، نحو قول الجاحظ والأصفهاني، أما حديثاً فتوافقوا على مصطلحات عدّة منها: أدب الجدران، فن الجدران، والمدونات الشعرية والأدبية(2).
المرجعيات الثقافية:
أما المرجعيات الثقافية فالمراد منها ما نظرت إليه الدراسات الأدبية والنقدية، بوصفها ( من المفاهيم التي تعمل في إطار تحليل النص الأدبي، وتفكيك مكوناته الأساسية، إذ تمثل المنطقة التي ينهل منها الأديب موضوعاته، ويستقي قضاياه، وأفكاره، وإرثه الحضاري)(3)، ويؤكد المضمون الناقد والمعجمي سعيد علوش بقوله:( العلاقة بين العلامة وما تشير إليه )(4) فلا نبتعد عن الصواب بالقول: إن (المرجع أو المضمون المعرفي بمفهومه الاصطلاحي، يمثل الخلفية الثقافية للنص أو التواصل اللفظي، إذ تسهم في تدوين مجموعة المفاهيم والعلاقات الاجتماعية والسلوكية،)(5).
أما المراد من الثقافة فنحاول جمعه بالقول:( مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته، وتصبح لا شعورياً العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة، وفي الوسط الذي ولد فيه أي: المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته )(6) أو بمعنى آخر (هي مجموعة الأفكار والمعتقدات والمثل، والرغبات التي تطبع الفرد أو الجماعة بسمات مميزة، واتجاه نفسي خاص)(7).
أخت الحسين (عليها السلام):
وبعد عرضنا للمرجعيات الثقافية ومعناها، وأدب الجدران ومراده، وصلنا الى تبيان حقائقهما التطبيقية بوصفها بيئة عملية نستوحي ما تقدم، وقد وجهنا دراستنا شطر مرقد السيدة زينب في جمهورية مصر العربية، التي مُلئ مقامها بالمدونات الشعرية، وسنعتمد ما ذكره علي باشا المبارك في كتابه الخطط التوفيقية صحيفة رقم (8)(8).
وتتجلى المرجعية الثقافية في الأبيات الشعرية المعلقة على جدران مرقد السيدة زينب بنت الإمام علي (عليهما السلام)، مع التناغم العالي بحب آل بيت المصطفى، الموظفة إلى كسب قلوب الزائرين، وتعريفهم بانحصار الفرج الإلهي بآل البيت (عليهم السلام)، فمن طلب النجاة من هول الدنيا ومصاعبها، فما عليه إلا التوجه نحو السيدة زينب، نحو الأبيات المعلقة على إحدى أبواب القبة النحاسية :
إن رمت في شدة آل النبي تجد بنت الرضا زينبا أخت الحسين حمى
نلحظ أنّ المقام هو مقام السيدة زينب، والمدح موجّه لها بالاسم، إلا أنه لم يستطع مفارقة اسم الامام الحسين u الذي عاش مرجعاً روحياً لكل أهل مصر، وكأنّ هناك نسقًا ثقافيًا مخفيًا يلحّ في خُلد الشاعر، يتمحور حول فكرة جوهرية مفادها: أي اسم لا يصيبه الارتفاع والسمو إلا إذا مُزج مع ذكر الإمام الحسين u، وتحقق ما قلناه عن طريق الجمع بين ذكر السيدة زينب u وجدها بوصفهما مرجعاً ثقافياً، نحو عبارات الابتهال المنقوشة على لوح من الرخام عند باب الطرقة بين المشهد والجامع:
يا زائريها قفوا بالباب وابتهلوا بنت الرسول هذا القطر مصباح
فالنبي(صلى الله عليه وآله) والحسين (عليه السلام) أصبحا مرجعين ثقافيين لكل مدح منقوش في المقام المبارك، بحيث لا يُسرد ذكر السيدة زينب (عليها السلام) إلا مع جدها أو أخيها، وقد نلحظ مرجعية الإمام الحسينu الثقافية بسردية التوسل بالأولياء والصالحين، الذي يدعم التوجه العام لأهل مصر، ويظهر مدى تمسك المصريين بمبدأ التوسل بالسيدة، حتى وضعت الأبيات كعلامة بارزة في المقام نحو الأبيات المعلقة على جدار المدخل:
قف توسّل بباب بنت علي بخضـــــوع وسل إله السماء
تحظ بالعزِّ والقبول وأرِّخ باب أخت الحسين باب العلاء
فقوله (أخت الحسين) في الشعر التاريخي، الذي يعد أهم بيت في النص، من أجل أحداث صدمة للمتلقي نحو اسمه الشريف، فقد رسّخ اسمه من دون سواه، وهذا ما نشير إليه في تخلله (عليه السلام) أعماق الشخصية المصرية، حتى تحول إلى جزء لا يتجزأ من اللاوعي المعرفي عند القائل والسامع.
سفينة النجاة:
ومن الثقافات السائدة عند المصريين أن الامام الحسين (عليه السلام) سفينة النجاة، وسبيل الله وبابه، مع لزوم ثقافة التوسل به، فظهرت لنا مرجعيته (عليه السلام) الثقافية، من خلال توجه العقل المصري انه أحد الأقطاب الثلاثة (النبي(صلى الله عليه وآله) والإمام علي (عليه السلام)، والإمام الحسين (عليه السلام) )، وهي عملية بناء عقلي معرفي، يترسخ لكي يغدو مكوناً ثقافياً لكل المصريين، يحرصون على إيجاده في الأبناء، نحو قول الشاعر الذي رسم لوحة تعليمية لكل زائر، يتم توجيهه نحو التعريف بالأسس التي جعلت السيدة زينب (عليها السلام) ذات مقامٍ سامٍ، ولعلّ أدب الجدران والأبيات المنقوشة عليها اضحى مرجعية عقائدية ايضا؛ لما نلحظه من التركيز على الامام الحسين (عليه السلام) وربط رفعة السيدة زينب به، نحو الابيات المنقوشة في لوح من الرخام أعلى باب خشبي مدعّم بالفضة كُتب عليه:
وزينب وردة الزهراء بنت علي أخت الحسين لها بين الورى شان
قالت لنا بلسان الشُكر واصفة نسل الرسول الذي حيّاه قرآن
نجد الشاعر يذكر الأب والأم (الامام علي والزهراء (عليهما السلام)) في صدر البيت، إلا أنه يوظف عجز البيت الشعري للإمام الحسين(عليه السلام) حتى يعطي رسالة على أهميته، وهنا تتحقق المرجعية الثقافية التي أراد أن يرسخها، بحيث أن نسل الرسول (صلى الله عليه وآله) يأخذ نوره من الحسين (عليه السلام)، وجرى المعنى من خلال الحكاية على لسان السيدة زينب (عليها السلام) حتى يقطع جازماً بالمعنى الذي أورده من مرجعية الولاء والحب ذات المصدر الحسيني.
-------------------------
1.تحدثت المصادر القديمة عن تاريخ بناء المساجد والاضرحة، ظ/ مساجد مصر وأولياؤها الصالحون/ سعاد ماهر محمد/ جمهورية مصر العربية / وزارة الأوقاف للشئون الاسلامية/ 1979م.
2.كريم جهاد الحساني، مدونات العتبة الحسينية الازمنة والامكنة.
3.د. علي عشري زايد، استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر: 18.
4.د. سعید علوش، معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة: 97.
5.د. خالد عبد الله كاظم حسين المرجعيات الثقافية في شعر عبد الله بن رواحة، مجلة كلية التربية: 49/ 2.
6.مالك بن نبي، مشكلة الثقافة:74.
7.أحمد محمد الحوفي، وحدة الثقافة والتاريخ في الشعر الحديث: 5.
8.من الخطط الجديدة لمصر القاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة:5.