100%
بلسانٍ علويٍّ مُبين

رؤية الإمام علي (عليه السلام) للأمن المجتمعي قراءة في نهج البلاغة ومقاربتها لواقع النزاعات المعاصرة

د. خديجة حسن علي القصير

جامعة الكوفة/ كلية الآداب

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 199 – الصفحة (43)

 

 

تُعَدّ مسألة الأمن المجتمعي إحدى الركائز الجوهرية لأية نهضة إنسانية، إذ لا يُتصوَّر استقرار سياسي، أو ازدهار اقتصادي، أو تماسك اجتماعي من دونه، وقد أولى الفكر الإسلامي عناية خاصة بهذا البعد، إذ ربط الأمن بالعدالة وبصيانة الحقوق، بعيدًا عن اختزاله في البعد العسكري أو الأمني. ومن بين أبرز النصوص التي تناولت هذا الموضوع بعمق يأتي نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الذي يُعدّ مرجعًا أخلاقيًا وسياسيًا واجتماعيًا بالغ الأهمية في دراسة قضايا المجتمع والدولة(1).

 

قدّم الإمام علي (عليه السلام)عبر خطبه ورسائله رؤية متكاملة تجعل الأمن تمثّلا مباشرًا للعدل والإنصاف، فهو يؤكد أنّ المجتمع الذي يسوده الظلم لا يمكن أن ينعم بالاستقرار، وأنّ السلطة إذا فقدت بوصلة العدل تحوّلت إلى مصدر تهديد للأمن بدل أن تكون حامية له، ومن هنا تتضح قيمة الرؤية العلوية بوصفها إطارًا فكريًا يمكن أن يواكب أزمات الحاضر، لاسيما مع تفاقم النزاعات الأهلية وارتفاع وتيرة التطرف في أكثر من منطقة بالعالم(2).

نجد في إعادة قراءة نصوص نهج البلاغة المجال على وفق مقاربة جديدة لمسألة الأمن المجتمعي، تقوم على أساس التوازن بين الحقوق والواجبات، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وإعلاء قيمة السلم الأهلي فوق كل اعتبارات سياسية أو فئوية، وبهذا يتبيّن أنّ ما قدّمه الإمام علي (عليه السلام)لا ينتمي إلى الماضي فحسب، بل يقدم بديلًا فكريًا يمكن الإفادة منه في معالجة التحديات المعاصرة(3).

 

العدل أساس الاستقرار:

ينطلق فكر الإمام علي(عليه السلام) في الأمن المجتمعي من قاعدة أساسية: العدل أساس الاستقرار، فهو في خطبه ووصاياه يوضح أنّ الظلم والفوضى هما العدو الحقيقي للأمن، وليس فقط القوى الخارجية أو الأزمات الاقتصادية، ففي خطبه يشير الإمام (عليه السلام) إلى ضرورة أن تكون السلطة ملتزمة بالحق، قائلاً ضمنيًا إنّ ((الملك بلا عدل لا يلبث أن يتحول إلى خطر على المجتمع))(4)، وهو ما يوضح أن الأمن المجتمعي لا يتحقق إلا عن طريق ممارسات عادلة للسلطة وحقوق الأفراد، كما يربط الإمام (عليه السلام) بين السلام الداخلي للأمة والالتزام بالقيم الاجتماعية، حيث يدعو إلى الصدق في القول والعمل والوفاء بالعهد، مؤكدًا أن انسجام القيم الأخلاقية مع السلطة هو ما يضمن طمأنينة المجتمع واستقراره، هنا يظهر واضحًا أن الأمن عند الإمام علي (عليه السلام) ليس مجرد غياب للعنف، بل هو نظام متكامل يرتكز على الأخلاق، والحق، والعدالة(5).

 

الأمن المجتمعي في رؤية الإمام علي (عليه السلام):

ينطلق أمير المؤمنين (عليه السلام) في رؤيته للأمن المجتمعي من قاعدة مركزية مفادها أنّ العدل هو الأساس الذي تُبنى عليه استدامة الدولة واستقرار الناس، وهو ما يتجلى بوضوح في جملةٍ من خطبه في نهج البلاغة، ففي الخطبة الأولى(6) يؤسّس الإمام لمفهوم الأمن الروحي باعتباره مقدّمةً للأمن الاجتماعي، من خلال ترسيخ اليقين بالله والانتظام في نظامه العادل، وهو ما يُبرز انسجام المجتمع عندما يؤمن أفراده بأن العدالة مبدأ إلهي قبل أن يكون سياسيًا.

أمّا في الخطبة (الشقشقيّة)(7) فيربط الإمام بين شرعية الحكم والعدل، موضحًا أن اغتصاب الحقوق يفتح باب الاضطراب السياسي والاجتماعي، وأنّ الاستقرار لا يتحقق بالقوة بل بإقامة الحق؛ وهي رسالة واضحة بأنّ الظلم يولّد القلق الجمعي ويهدد بنية الأمن الداخلي، وتبلغ هذه الرؤية ذروتها حيث يصف الإمام (عليه السلام) الله تعالى بأنه "عَدْلٌ عَدَلَ"(8)، ليُقدّم أنموذجًا يُحتذى في الحكم، ويركّز على أنّ معونة الله (تثبت القلوب)، في إشارةٍ دقيقة إلى أن الأمن ليس أمنيًا فحسب، بل نفسي وأخلاقي أيضًا، وهكذا تتكامل خطب الإمام عليّ (عليه السلام) في رسم فلسفة متكاملة ترى أنّ العدالة ليست قيمة أخلاقية فقط، بل منظومة تُنتج الثقة، وتحدّ من الظلم، وتضمن استقرار المجتمع سياسيًا ونفسيًا وروحيًا.

وهذا يدل على أن رؤية الإمام عليّ (عليه السلام) للأمن المجتمعي تقوم على منظومة متكاملة تجعل العدل محورًا أساسيًا لاستقرار المجتمع وتماسكه وهذا ما تبينه خطبه (عليه السلام) كما أوردت، اذ نستشف منها فهمه العميق لعوامل الأمن الاجتماعي، إذ يؤكد (عليه السلام) أنّ الإنصاف بين الناس هو السياج الأول لحماية المجتمع من التفكك، وأنّ حرمان الفقراء والمستضعفين يُعدّ تهديدًا مباشرًا لوحدة الأمة، ويظهر ذلك في دعوته المستمرة إلى رعاية الطبقات المهمّشة والتخفيف عنهم، باعتبار ذلك جزءًا من بنية الأمن الداخلي، لا مجرد عمل أخلاقي، كما يشدد الإمام في وصاياه الإدارية والسياسية على أنّ اختيار الولاة الصالحين شرطٌ لتماسك الدولة، لأنّ فساد المسؤولين يولّد الظلم، والظلم يفتح باب الاضطراب الاجتماعي، ويؤكد كذلك على مقاومة الجور، باعتبارها مسؤولية جماعية تحفظ المجتمع من هيمنة الظالم، وتمنع احتكار السلطة، ويتجلى هذا الفكر أيضًا في مبدئه القائم على التوازن بين الحزم والرحمة؛ إذ يرى أنّ الإفراط في القسوة يورث الخوف، والمبالغة في اللين تضعف هيبة الدولة، ولكنّ الاعتدال يضمن طمأنينة الناس وثقتهم.

وعن طريق هذا النظام الأخلاقي-السياسي، استطاع الإمام عليّ (عليه السلام) أن يضع تصورًا عمليًا لأمن المجتمع يقوم على العدالة، وكرامة الإنسان، وتوزيع الحقوق، ومراقبة السلطة، وهي مقومات تُعدّ في الفكر المعاصر ركائز أساسية للأمن المجتمعي المستدام(9).

 

إدارة النزاعات بحكمة:

يتضح من منهج الإمام عليّ (عليه السلام) في إدارة النزاعات أنّه كان يرى أنّ معالجة جذور الخلاف مقدّمة ضرورية قبل اللجوء إلى مواجهة مظاهره الخارجية، إذ لم يكن يعد الحرب هدفًا، بل وسيلة اضطرارية لا يُلجأ إليها إلا بعد استنفاد فرص الإصلاح والسلم الاجتماعي، فقد بيّن (عليه السلام) في خطبته المشهورة: ((أُنْبِئْتُ بُسْرًا قَدِ اطَّلَعَ الْيَمَنَ، وَإِنِّي وَالله لَأَظُنُّ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ سَيُدَالُونَ مِنْكُمْ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ وَبِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ فِي الْحَقِّ وَطَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِي الْبَاطِلِ وَبِأَدَائِهِمُ الْأَمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهِمْ وَخِيَانَتِكُمْ وَبِصَلَاحِهِمْ فِي بِلَادِهِمْ وَفَسَادِكُمْ))(10)، حين ألحّ عليه أصحابه بالقتال، أنّه ما أخّر الحرب يومًا إلا رجاء أن تلتحق به طائفة أخرى فتُهتدى بالحق قبل أن تُراق الدماء بلا ضرورة، وهو ما يكشف عن رؤية تربوية وإصلاحية تُقدّم الهداية على الحسم العسكري، وانسجامًا مع هذه الفلسفة، تؤكد رسالته إلى مالك الأشتر أنّ الإصلاح السياسي والاجتماعي لا يتحقق عبر القهر، بل عبر الرحمة بالرعية واحترام إنسانيتهم، فهم ((إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق))، وهو توجيه يُلزم الحاكم أن يتعامل مع الناس بوصفهم شركاء في الوطن لا خصومًا سياسيين، ويمثّل هذا النهج منظومة أمنية متكاملة تعالج جذور التوتر، وتتحاشى الانفجار الداخلي، وتمنح المجتمع القدرة على تجاوز الخلاف قبل تحوّله إلى صراع دموي.

وهذا ما توضحه الدراسات المعاصرة التي ترى في فكر الإمام علي (عليه السلام) أنموذجًا سياسيًا يُقدّم الوقاية على العلاج، ويرسّخ الأمن عبر العدل والإنصاف لا عبر القوة، ولهذا فإن القتال في منهجه لم يُطرح يومًا بوصفه الحل الأول، بل آخر الأدوات عند تعذّر الهداية وانغلاق أبواب الإصلاح، وهو ما جعل رؤيته من أكثر الرؤى الإسلامية قدرةً على إنتاج استقرار مجتمعي قائم على العدل والرحمة، بدلًا من العنف وردود الأفعال الانفعالية.

كما يشير الإمام في وصاياه للولاة إلى أن توزيع الحقوق بعدالة بين أفراد المجتمع يمنع الظلم ويقطع الطريق أمام النزاعات، وهو ما يمكن قراءته في سياق مواجهة النزاعات المعاصرة، إذ أن الفجوات الاجتماعية والاقتصادية غالبًا ما تكون سببًا أساسيًا لانتشار التطرف(11).

 

الشمول والتوازن:

يمكن القول: إن منهج الإمام علي (عليه السلام) في بناء الأمن المجتمعي يتسم بالشمول والتوازن فالشمول يظهر في اهتمامه بجميع طبقات المجتمع، ليس فقط من الناحية السياسية أو القانونية، بل أيضًا من الناحية الاقتصادية والأخلاقية، فقد ركّز الإمام علي (عليه السلام) في دعوته على العدالة الاجتماعية كركيزة أساسية لهيكلة الدولة، وهو أمر موثق بإصدارات بحثية متخصصة تُبرز كيف وضع الإمام (عليه السلام) أساسًا لتوزيع الثروة والتكافل الاجتماعي، ويقدم لنا الإمام (عليه السلام) في هذا الباب أمثلة عملية كثيرة تتجاوز الوعظ إلى التطبيق المؤسسي ومن أبرز تلك الأمثلة سياسته الصارمة في توزيع المال العام؛ إذ كان يقسّم بيت المال بالسويّة من دون تمييز طبقي أو قبلي، وهو ما يرويه البعض عند ذكر أن الإمام علياً (عليه السلام) كان لا يُبقي في بيت المال شيئًا، ويقول: ((لا يكن عندي فوق يومي))(12)، وهو مبدأ يمثل مساواة اقتصادية تمنع تراكم الثروة بيد فئة على حساب أخرى، وتؤسس لحماية الفقراء من الحرمان، كما يظهر التكافل في رعايته المباشرة للمساكين؛ إذ تذكر المصادر أن الإمام (عليه السلام)كان يحمل الطعام ليلاً إلى بيوت الفقراء من دون أن يُعرَف، كما روي عنه: ((كان يتعاهد الأرامل واليتامى ليلاً لا يُعرَف))(13).

ومن أمثلة ذلك أيضاً تشديده على ولاته بإقامة العدل الاجتماعي، وهو ما جاء في عهده لمالك الأشتر، حيث جعل حقوق الضعفاء مسؤولية مباشرة على الدولة، ونبّه إلى أن الفقراء هم عماد الأمن والعدل، وأن إهمالهم سبب للاضطراب الاجتماعي(14)، كما اعتمد (عليه السلام)على التكافل المؤسسي عبر الموارد الشرعية كالزكاة والصدقات، إذ يذكر الجاحظ أنه كان يرى في الزكاة سلاحًا لحماية كرامة الفقير، لا لمنحه إعانة مؤقتة فحسب، بل لدمجه في البنية الاقتصادية للمجتمع، وتمثّل هذه الأمثلة المتعددة منهجًا متكاملًا يقوم على إزالة أسباب التفاوت، وتعزيز العدالة، ودعم الفقراء دعمًا واقعيًا، ما يجعل التكافل الاجتماعي في فكر الإمام علي (عليه السلام) عنصرًا بنائيًا في حفظ الأمن المجتمعي واستدامته.

أما التوازن في منهجه فيتجلى من خلال تفكيره السياسي المتزن بين القوة والرحمة: فالإمام علي (عليه السلام) لم يهمل الحاجة إلى السلطة، لكنه ربط ممارستها بقيم إنسانية مثل العفو واللطف، ورفض الظلم حتى من خصومه، وهذا ما يجعل سياسته الأمنية متوازنة بين متطلبات الاستقرار وضرورة مراعاة حقوق الأفراد.

وبهذا نستنتج أن مفهوم أمير المؤمنين(عليه السلام)للأمن ليس مجرد حماية مادية، بل تحقيق عدالة اجتماعية وأخلاقية، وتقوية الروابط بين أفراد المجتمع، بما يضمن القدرة على مواجهة أي نزاع أو تهديد داخلي قبل أن يتفاقم، ويولي الإمام (عليه السلام) الأمن والاستقرار أهمية كبيرة كنتاج للعدل والتقوى إذ يورد أن ((المدينة لا تزدهر إلا بالعدل، ولا تستقيم إلا بالتقوى))(15)، موضحًا العلاقة الوطيدة بين القيم الأخلاقية والأمن المجتمعي، وأن أي تراجع في العدالة أو التقوى يؤثر سلباً في استقرار المجتمع، ويزيد من مخاطر النزاعات.

 

-----------

1.صبحي الصالح، نهج البلاغة : 45.

2.محمد جواد مغنية، الإمام علي (عليه السلام)نموذج الإنسان الكامل: 112.

3.عبد الزهراء الخطيب، مصادر نهج البلاغة وأسانيده : 1/ 67.

4.الصالح، نهج البلاغة: الخطبة 5/ 28.

5.المصدر نفسه: 53: 312.

6. نهج البلاغة:الخطبة الأولى.

7. نهج البلاغة:الخطبة الثالثة.

8.الصالح، نهج البلاغة:الخطبة 214.

9.ظ: الخرسان، محمد صادق السيد محمد رضا، أسس العدالة والاعتدال عند أمير المؤمنين (عليه السلام) 15-19.

10. الصالح، نهج البلاغة، الخطبة 25: 140.

11. مغنية، الإمام علي (عليه السلام) نموذج الإنسان الكامل: 115-118.

12. ابن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك: 4/563.

13. محمد بن علي،.مناقب آل أبي طالب: 2/ 103.

14. الشريف الرضي، نهج البلاغة: 427.

15. الصالح، نهج البلاغة: 175.